بقلم : محجوب لطفى بلهادى هل سمعتم بربيع تتساقط فيه أوراق الشجر الواحدة تلو الأخرى.. تحجب فيه أشعّة الشمس ....تتداخل فيه جميع الفصول وفق نظرية "التدافع" وما أدراك ما التدافع !؟ مشهد غاية في السريالية لا يثير اهتمام سوى عدد من المهووسين بنظرية "تطوّرية" جديدة غفل عنها "داروين" في مؤلّفه "أصل الأنواع" وتمكّن "الإسلام السياسي" من اكتشافها، عنوانها الكبير: "ربيع عربي بنكهة الخريف"... يقدّم اليوم كأفضل طبق جاد به المطبخ والمخيال السياسي العربي المعاصر.. يسوّّق في أشهر سلسلة للوجبات السريعة في العالم.. تركيبته مزيجا عجيبا غريبا من "الأزلام والفلول والدولة العميقة..." مع رشّ قدر كبير من مسحوق "هوس الشرعية" التي تكرّرت أكثر من 59 مرة في خطبة الوداع "للدكتور مرسى" بمعدّل شرعية لكلّ دقيقة، فستون شرعية في الساعة، بحساب 366 شرعية على مدار السنة الكبيسة!!... طبق استوى على نار هادئة في إحدى مخابر التفكير الاستراتيجي بالغرب.. بعلامة مسجّلة رموزها تتكون من كلمتي سرّ: "التدافع" وفق الأدبيات الاخوانية "والفوضى الخلاّقة" بلغة "الأخ سام"... بعد السقوط المدوّي لحكم "الجماعة" في مصر نشهد اليوم آخر حلقات مسلسل "التزامل النفعى" المدهش symbiose-- بين نظريتي "التدافع" وربيبتها الكبرى "الفوضى الخلاقة".. فالفوضى الخلاقة تحتاج إلى التدافع كوقود يؤمّن توسّعها وديمومتها.. والتدافع يهدف بطبيعته إلى خلق مزيد من الاحتقان والفوضى... ففي مدوّنته الخاصة، عبّر الدكتور خضر محمود عباس - أحد المدافعين عن نظرية التدافع - بمنتهى الوضوح على أنّ التدافع يعدّ "إحدى أهم نظريات وجود الإنسان على الأرض... وهي تمثل شكلا من أشكال جهد العمل الجمعى المبذول من فئة أو جماعة لتحقيق هدف معين..في مواجهة جماعة أخرى"، بالمحصّلة نحن في حضرة نظرية جديدة في علم الاجتماع السياسي تؤسّس لمفهوم "الجماعة" في نفي كامل وصريح لمفهوم الدولة.. "جماعة" "تجتهد" على التقسيم العقائدي الممنهج للمجتمع "والدّفع" به من خلال آليات "التدافع" العديدة من تشكيك وتكفير إلى الانشطار المجتمعى الكامل، فالمواجهة الحتمية من أجل تحقيق هدف لم يفصح عنه صاحب المدوّنة لكن تعيه وتدركه جيّدا شعوب "الربيع العربي بنكهة الخريف"... من التقاطعات الأخرى المثيرة للاهتمام بين "التفكير الاستراتيجي الغربي" و"الإسلام السياسي" أنّه في ذات اللحظة التي أدركت فيها "مراكز الاستشراف" في الغرب أنّ تحقيق الفوضى الخلاّقة العارمة في البلدان العربية تستوجب ضرورة توفّر رافعة فكرية وتنظيرية جاهزة ومسقطة على شاكلة "نظرية التدافع"، أجمع منظّرو "الإسلام السياسي" أنّ آليات الديمقراطية الأثينية من تنظيم للانتخابات والفوز بها أصبحت متاحة، وأنّ حصان طروادة في انتظارهم لاعتلاء سدّة السلطة... فتمّ في مرحلة أولى اختراق المنظومة الديمقراطية من الداخل وتوظيف مفرداتها -الأكثر جاذبية- لصدّ "الجماعات الأخرى" ولو كانت تعدّ بالملايين كما حصل في ميدان التحرير ونعتهم بقوى الردّة ..ثم في مرحلة ثانية، اختزال المنظومة برمّتها في مجرّد عملية انتخابية وفرزا لصناديق الاقتراع !! تتحوّل بموجبها "الشرعية الانتخابية" -التي تحصّل عليها فعلا تيار "الإسلام السياسي" بنسب عالية في معطى تاريخي ومزاج عام خاص قد لا يتكرّر مرة ثانية- إلى شكل من أشكال البيعة المستدامة دون غاية محددة.. والصندوق الانتخابي إلى تابوت تقبر فيه إرادة الشعب في انتظار دورة انتخابية جديدة قد تأتي وقد لا تأتي... من حسن الطالع أن "مأثرة ميدان التحرير" في نسختها الجديدة جاءت في اللحظة الحاسمة لتعلن عن نهاية زواج المتعة بين نظريتي "التدافع والفوضى الخلاقة" ولتصدع للعالم بصوت عال أنّ مصر لا تحتاج إلى فرعون مستبدّ جديد بل إلى "بنّاء عظيم" قادر على تشييد أهرامات مصر القرن الحادي والعشرين في الحداثة والديمقراطية الحقيقية... إلى حين تحقق الحلم الكبير في عبور ّالقناة" مرة ثانية.. لازال قسما من "نخبنا" العربية المتثاقفة تستمتع باحتساء ما تبقّى من طبق الربيع العربي المغشوش... بالهناء والشفاء!!