حول مائدة الطعام كانت نهايتهم حيث اختلطت دماء ام الشهداء واطفالها الخمسة في احدى اقبح واشنع جرائم التصفية العرقية المتكررة التي تقوم بها اسرائيل والتي كان مسرحها هذه المرة بيت حانون في قطاع غزة المحاصر دون ان يثير ذلك حفيظة المجتمع الدولي او يثير سكينة الراي العام الاسرائيلي الذي يبدو آخر المهتمين بما ترتكبه حكومته من جرائم ارهابية لم تعد تخجل حتى تلك الفئة القليلة من المنظمات الحقوقية الاسرائيلية اليسارية التي طالما دعت الى الاعتدال ورفض انتهاك حقوق المدنيين ولاسيما النساء والاطفال. صحيح انه ليس فينا من لم يهتز لتلك المشاهد الدموية ومن لم يشعر بالغضب ازاء تلك الجريمة، ولكن الحقيقة ايضا انه ليس فينا من لم يشعر بالاحباط والنقمة ازاء الصمت الدولي المتكرر في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية... لقد تجاوزت جريمة الامس في ملابساتها وابعادها واهدافها كل الاحتمالات والتوقعات وساعدت في تعرية المسؤولين العسكريين الاسرائيليين وكشفت الوجه الحقيقي للجيش الاسرائيلي.. واذا كانت عبارات الأسف التي رددها رئيس الوزراء ايهود اولمرت ومعها دعوات الجيش الاسرائيلي لفتح تحقيق في الجريمة لم تكن اكثر من محاولة طالما لجأ لها المسؤولون الاسرائيليون للقفز على الحقائق والتنصل من المسؤولية وتلميع صورة اسرائيل في العالم.. فان تصريحات ناتنياهو وتهديداته بان لا مجال للتهدئة من شانها ان تؤشر للاخطر والى عدم توقف الآلة العسكرية الاسرائيلية عند أي من الخطوط الحمر.. ان كل الاصوات التي ارتفعت بعد الجريمة لتحمل حركة «حماس» دون غيرها مسؤولية الجريمة التي ذهبت ضحيتها عائلة باكملها، انما لا تنظر الا الى نصف الكأس وتصر على تبني الرؤية الاسرائيلية المغالطة للحقائق.. واذا كانت «حماس» تصر على خيارها الخاطئ في توجيه الصواريخ اليدوية البدائية التي تستهدف اسرائيل دون ان يكون لها تاثير يذكر عليها، فان اسرائيل تتحمل دون شك مسؤولية الاحتلال المستمر وما يفرزه من انتهاكات وجرائم في حق الانسان الفلسطيني.. لقد حملت جريمة بيت حانون بالامس كل الشروط التي تنطبق على الجريمة العرقية وقد كان ينبغي ان يكون مكانها محكمة لاهاي الجنائية التي لها الحق في محاكمة الجناة ومحاسبتهم وفق قوانين الشرعية الدولية التي لا تجد لها موقعا او مطلبا كلما تعلق الامر بممارسات الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه... ولو ان ما حدث بالامس كان استهدف قطا او كلبا او حيوانا تعرض للتعنيف او التعذيب على يد صاحبه او في احدى حدائق الحيوانات في العالم لارتفعت كل الاصوات وتجندت اكثر الفضائيات العالمية انتشارا لنصرته ونجدته ولتجمع من حوله مراسلو القنوات العالمية ووقعوا من اجله بيانات الادانة والتنديد ولربما اجتمع لاجله على عجل مجلس الامن مطالبا بتنصيب محكمة دولية لمحاكمة المجرمين... لقد جاء موقف الامين العام للامم المتحدة بان كي مون بالامس الذي طالب اسرائيل بضبط النفس ليكشف مجددا حجم ومكانة وقيمة الدم العربي والفلسطيني في المحافل الدولية، اما الصمت الدولي والعربي ازاء الجريمة فقد جاء بدوره ليشهد حالة الاستسلام والعجز السائد في صفوف المجتمع الدولي بكل مكوناته ومنظماته الانسانية والحقوقية.. فلا شكر للامين العام للامم المتحدة ولا شكر للمجتمع الدولي ولاصحاب القرار في العالم على هكذا موقف خاذل لا يمكن الا ان يساعد في غياب العدالة الانسانية وسيطرة القوي على الضعيف وانتشار قانون الغاب الذي بات يعلو ولا يعلى عليه.. ولعل في مجزرة جنين ومجزرة الشاطئ وغيرها من ملفات المجازر القريبة التي تزخر بها رفوف الجيش الاسرائيلي ما يؤكد الكثير من ذلك...