صافي سعيد: من يتقلّد منصبا في الدّولة وهو يحمل جنسية أخرى خائن    مؤلم: صور مضيّفة الطيران التونسية التي توفّيت بالسعودية    جمهور مهرجان حلق الوادي على موعد الليلة مع عرض ننده الأسياد    نفزة..اضراب مفاجئ في مكتب البريد    رئيسها مرشّح لحزب آخر.. كتلة نداء تونس بالبرلمان تخسر 60 نائبا في أقل من 5 سنوات    وفاة لاعب الزمالك السابق بجلطة دماغية    المنستير: تسجيل 23 ألف تلميذ وتلميذة من المرحلة الابتدائية والعملية متواصلة الى يوم 3 سبتمبر    بقرار من المحكمة الادارية..إعادة 4 مترشحين لسباق الانتخابات الرئاسية المبكرة    كسرى : إلغاء عرض دليلة مفتاحي لرفضها تقديمه في الهواء الطلق    أسماء الأنهج والشوارع .. شارع المعز بن باديس بالقيروان    تخربيشة : والمريض إللي ما إسموش حمادي العقربي ..يموت ما يسالش!!    درصاف القنواطي تدير مباراة المغرب ومالي ضمن منافسات الألعاب الأفريقية النسائية    بعد ان أعلنت اعتزال الغناء..إليسا تغرد مجدداً وتطمئن جمهورها    من ألحانه..الفنان محمد شاكر يطرح أغنيته الجديدة    أريانة/تنفيذ قرارات إخلاء لعقارات فلاحيّة على ملك الدّولة واسترجاع أكثر من 30 هكتار..    طاقم تحكيم تونسي يدير لقاء جيبوتي واسواتيني لحساب تصفيات كأس العالم قطر 2022    من دائرة الحضارة التونسيّة ..عهد الإمارات بإفريقيّة    البريد التونسي يتحصل على شهادة « Masterpass QR » لمؤسسة MasterCard العالمية    سعيد العايدي: ”فترة حكم الترويكا كانت سوداء ويجب إعادة فتح السفارة السورية في تونس” [فيديو]    تعيينات الجولة الأولى.. السالمي يدير دربي العاصمة “الصغير”    بداية معاملات الخميس ..تراجع طفيف لتوننداكس    ساقية الزيت : حجز 3590 علبة سجائر من مختلف الأنواع    اصابة عسكريين بجروح طفيفة إثر اصطدام قطار بشاحنة    غزالة.. انقلاب شاحنة    ''بدع ومفاهيم خاطئة''...أطعمة صحّية مضرّة    سيدي بوزيد: الهيئة الفرعية للانتخابات تتلقى 22 اعتراضا على تزكيات مترشحين للرئاسية    كرة السلة.. ثلاث وديات ضمن تربص منتخبنا باليابان    الدورة الترشيحية للبطولة العربيّة:النادي البنزرتي يبحث عن التأكيد ضد فومبوني القمري    رونالدو: أنا معجب بميسي    تزامنا مع الذكرى الثامنة لوفاة الممثل سفيان الشعري: فنانة مصرية تقوم بنحت تمثال له (صور)    ليبيا.. هدوء حذر بمحاور قتال طرابلس غداة اشتباكات عنيفة    المنتخب الوطني .. هذا الثلاثي مرشّح لتعويض جيراس    مصر.. انتشال جثة لاعب كرة قدم من النيل    العامرة : إيقاف شخص صادر في شأنه 12 منشور تفتيش ومحكوم بسنتين سجنا    علاج التعرق صيفا    تخلّصي من الإسهال مع هذه الأطعمة    7 إرشادات للأكل الصحي    تونس: هل سيتمّ الترفيع في أسعار المحروقات مجدّدا؟    القلعة الكبرى: مسافرو قطار سوسة تونس يحتجون ضد التأخير    مذكرة قبض دولية بحق وزير جزائري سابق    أبرز نقاط القرار المشترك لضبط قواعد تغطية الحملة الإنتخابية    غرق شاب بالميناء التجاري بسوسة    ''تونسية و3 جزائريين ''حرقوا'' من صفاقس وصلوا للمهدية''    إكتشاف مذهل يحمل الأمل لعلاج الزهايمر    استقالة وعقود توقفت .. ماذا يحدث في فرقة بلدية تونس للتمثيل؟    توزر..تتحكم في أسعار التمور ..«مافيا التصدير» تجني الملايين والفلاح يغرق في المديونية    عين جلولة: متحصل على 10 شهائد في المجال الفلاحي يلاقي حتفه في حادث مرور دون تحقيق حلمه    سوسة .فلاحو النفيضة يتذمرون من نقص الأعلاف ورداءة المسالك الفلاحية    في الحب والمال: هذه توقعات الأبراج ليوم الخميس 22 أوت 2019    5 ملايين دولار لمن يبلغ عن "3 دواعش"    "رئة الأرض" تحترق    القلعة الكبرى.. مسافرون يحتجون    أزمة الحليب تعود إلى الواجهة .. مجلس المنافسة يقاضي علامتين لتصنيع الحليب    عروض اليوم    ترامب: الله اختارني لخوض الحرب ضد الصين    إيران تكشف عن نظام صاروخي تم تصنيعه محليا    متصدر جديد لقائمة "فوربس" للممثلين الأعلى أجرا    في الحب والمال/هذه توقعات الأبراج ليوم الأربعاء 21 أوت 2019    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدروس الخصوصية : ملف يؤرق المنظومة التربوية
نشر في الصباح نيوز يوم 17 - 09 - 2015

أمل ... ذات الخمس عشرة ربيعا لم ترى و لن ترى ربيعا، إذا ما اعتبرنا مثل أمل، بان الربيع هو أن تنهي دراستها بنجاح وتصبح ممرّضة... إذ من أين لأزهار الربيع أن تتفتح ويفوح منها عبق المستقبل ? أمن قبر أبيها الذي فارقها و لم تجتز عتبة الخامسة من عمرها بعد ? أم من بين أصابع أمها وقد تورمت و تشققت من أشغال تؤديها لغيرها بأجر زهيد غالبا ما لا يفي بحاجة أسرتها اليومية ?... أم على الأرض التي تدوسها قدماها الحافيتان و هي تسوق شاتها الوحيدة , عزوة العائلة و سندها إلى المرعى البعيد كل صباح ? ... أم على جدران الكوخ الذي يأويها و أمّها و أخويها الصغيرين ? ... متى نبتت الزهور و متى ترعرع الربيع في كوخ سقفه من قشّ و جدرانه من طين؟ لا أمل لأمل في مواصلة الحلم. تركت أمل الدراسة ولم تبلغ حلمها بعد ... تركتها و هي في السنة التاسعة... تركتها أين تركت مدرستها الإعدادية : ستّ أميال عن كوخها ...وعن حياتها اليومية...احتاجت أمل إلى دروس خصوصية في الفرنسية و الرياضيات. لا تملك الأم ما تسدّد به تكاليف الدروس فاندثر الحلم و كان بسيطا. توقف الحلم على أطراف نظرات أمل و تحول إلى ألم و كان يمكن أن يتواصل و تزهر معه سنوات عمرها اليافع الفتي. توقف الأمل في عيني أم أمل أيضا. هي لم تتعوّد أن تحلم أبعد من معولها و فأسها و كسرة الخبز في قفّتها ... وها هي الآن , و على غير عادتها أثناء عملها , ترنو بحنوّ إلى ابن أختها عمّار الذي لم يفارق رحلتها بين الحقول يوما و لم يلج المدرسة يوما و لم يعرف يوما لا درسا و لا حرفا. ها هو عمّار قد أينع فجأة أمام عينيها و ها هي الشمس تعكس على جسده القويّ سمرة ما يقارب عشرين سنة من الكد و الجد و العمل. و ها هي أم أمل تكتشف في تلك العضلات المفتولة و تلك البنية الفارعة ما يمكن أن تقتات منه أمل و ما سوف يقيها مخالب الزمن و قسوته. توقف الحلم إذن... اغتاله الفقر ... ضربته الخصاصة بعصا غليظة و ضربت معه مبدأ مجانية التعليم و تكافؤ الفرص...ضربتهما و نحن لازلنا نفتتح بهما خطبنا الممجوجة و نضفي بهما الوقار على منابرنا. إذ لو كان لأمل المال الكافي لتابعت الدروس الخصوصية التي تحتاجها و لربما تمكنت من تحقيق حلمها البسيط والمشروع .
هكذا هي الدروس الخصوصية :تمر أحيانا في حياة أبنائنا دون أن نشعربها...تلقي بظلالها على مستقبلهم بطريقة لا ندركها.. حاضرة هي وغائبة, واضحة ...خفية, علنية.. سرية, مشهورة محظورة, تقض في صمت مضاجع من لا قدرة له عليها..قصية هي على من كبل الفقر خطواته وغرس اليأس مخالبه في أمانيه , تبتر أحلام هذا و تجفف ينابيع الأمل في ذاك . لم يعد لنا إذن بد الآن و نحن في خضمّ إصلاح تربوي جديد نرومه ضافيا, شافيا و شفافا.. من أن نأخذ هذا الملف بالدّرس و التمحيص و أن نولي الدروس الخصوصية ما تتطلّبه منّا من اهتمام و بحث و ترشيد حتى تتماشى و ما تنص عليه مبادئ دستورنا الجديد وكذلك ما نودّ تحقيقه في منظومتنا التربوية مهما كانت نوازعنا ومهما تنوعت مشاربنا. لا بد لنا كمربين و كمختصين حريصين على مستقبل أولادنا ووطننا من أن نراجع..الآن وليس غدا.. كل تفاصيل منظومتنا و أن نقرع كل أبواب الإصلاح و أن نفتح جميع الملفات وأولها ملف الدروس الخصوصية الذي ما فتئ يرهق العائلة التونسية و ما فتأت الصحافة تشير إليه على أنّه «من أخطر الملفات المطروحة على وزارة التربية».
الدروس الخصوصية: معطيات هامة :
يقول شارل حاجي في تعريفه للدروس الخصوصية بأنها «عملية تعليم غير نظامي تتمّ بين طالب ومدرّس يتم بموجبها تدريس الطالب مادة دراسية أو جزءا منها لوحده أو ضمن مجموعة بأجر يحدد من قبل الطرفين و حسب اتفاقهم» (الحاجي 2000, ص 45 – 47 ). كما يعرّف الباحثMark Bray الدروس الخصوصية على أنها «تدريس لمواد نظامية يتم بمقابل و يكون خارج أوقات التعليم العادية « (2012, ص 10) . ويضيف Mark Bray بأن الدروس الخصوصية هي ممارسة تعليمية ضاربة في القدم وقد تكون متزامنة مع للتعليم النظامي منذ بدايته مع اليونان و الإغريق. لكنها انتشرت واستشرى اللجوء إليها خصوصا في القرن التاسع عشر عندما أصبحت الطبقات الأرستقراطية تستأجر مدرسين خصوصيين لأبنائهم و بناتهم .. يدرسونهم في قصورهم الفخمة بأجور عالية وبامتيازات تصل إلى حد الإقامة في قصر العائلة.هذا و يضيف Mark Bray ملاحظة هامة يجدر بنا التوقف عندها, و هي أنّ هذه الدروس «غالبا ما تتّسم بقلّة المراقبة و اختلال التنظيم و ذلك بالمقارنة مع التعليم النظامي « (2012,XI) مما يجعل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الممارسات العشوائية و التجاوزات المفرطة من هذا الطرف أو ذاك. لذا سنبدأ أولا باستعراض بعض الأرقام التي تعكس واقع الدروس الخصوصية في بعض بلدان العالم.
* الدروس الخصوصية في أرقام:
تقول البحوث و الدراسات إنّ ظاهرة الدروس الخصوصية قد استشرت وأصبح من الصعب تأطيرها خاصة في دول آسيا و أوروبا و أمريكا الشمالية التي تحتفظ ب 90% من السوق العالمية لهذه الدروس. و قد تحولت بذلك إلى سوق رابحة تدر على القائمين بها أموالا طائلة وتكلف هذه الدول هدرا لميزانيتها مثيرا للقلق وللتسائل. كما أنه من المنتظر أن يبلغ حجم التداول العالمي للدروس الخصوصية سنة 2018 ما يناهز 102.8 بليون دولار. أما في فرنسا فإن كلفة هذه الدروس تصل إلى 4 مليون اورو سنويا وتتراوح كلفة الحصة الواحدة بين 20 £ و £ 50 . وفي الولايات المتحدة بلغت كلفة الدروس الخصوصية سنة 2011 ما يقارب 134 بليون دولار. أما في كوريا الشمالية فان 90 % من تلاميذ الابتدائي وأكثر من 70 % من تلاميذ الثانوي يتابعون دروسا خصوصية . وفي الصين 85 % من التلاميذ ينخرطون في هدا النوع من الدروس. وفي الهند نجد أن أكثر من 60 % من التلاميذ يتلقون دروسا خصوصية. أما في اليابان فقد استفحلت الظاهرة وتحولت إلى ما يسمى» حمى» الدروس الخصوصية، ذلك أن التلميذ الياباني يدرس بمعدل 10 ساعات يوميا لدرجة أن الباحث D.Glasmanقال منتقدا الظاهرة « إن الأطفال اليابانيين لم يعد لديهم الوقت للترويح عن أنفسهم».هذا وإذا ما نظرنا إلى الدول المجاورة لنا فإننا نلاحظ استفحالا واضحا لظاهرة الدروس الخصوصية. ففي مصر مثلا يكلف هدا النوع من التعليم الدولة سنويا 2.4 مليار دولار )التقرير العالمي لوحدة التعليم للجميع لعام 2013 – 2014 : اليونسكو( . أما في الجزائر فان الظاهرة أصبحت مدعاة لقلق مطرد ومتزايد كما أن التعليم في المغرب يواجه نفس الظاهرة لدرجة أن هناك تفكير جدي في تحجيرها تماما وتجريم ممارسيها. ) لمزيد من الأرقام الرجاء الإطلاع. على تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية . (OECD :May 2013
تونس: الدروس الخصوصية: أرقام تثير القلق:
يشير التقرير الوطني حول التربية لسنة 2014 الصادر عن وزارة التربية إلى "استفحال ظاهرة الدروس الخصوصية بما يمس من مبدأ تكافؤ الفرص الذي تنشده المنظومة التربوية" في بلادنا. كما تقدم لنا الدراسات و البحوث التي أجريت على وضعية التعليم في تونس أرقاما و إحصائيات جدّ هامة حول الدروس الخصوصية و حول كيفية ممارستها. إذ يشير تقرير البنك الدولي إلى أن الدروس الخصوصية تكلف المواطن التونسي قرابة 700 مليار دولار سنويا. كما يشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسنة 2013 إلى أن تونس تحتل المرتبة التاسعة عالميا من حيث الدروس الخصوصية إذ يتلقى هذه الدروس حوالي 70 % من تلاميذنا كما أن 54 % من هؤلاء التلاميذ يتلقون هذه الدروس من نفس المدرّسين الذين يدرسونهم في فصولهم, و هو أمر غير مسموح به لا وطنيا ولا دوليا. و تشير دراسة قامت بها Sigma Conseil سنة 2015 إلى أن 20000 من مجموع 100000 مدرس يلقون دروسا خصوصية و إنّ دخل الفرد منهم يتراوح بين 2000 و5000 دينارا شهريا أي قرابة 400000 دينارا سنويا (Hassen Zagouni ; 3 mars 2015: Jawhara FM. و هي أرقام مشطة بالمقارنة مع الدخل الشهري العادي للمدرس الذي لا يلقي دروسا خصوصية. و في هذا الإطار نفسه , قدّمت الباحثة Kate Lapham تقريرا حول التعليم في تونس بعنوان " Cleaning Up Tunisia Education " (تنظيف التعليم في تونس) بتاريخ 16 جويلية 2013 , أشارت فيه إلى ضرورة مراجعة النظام التربوي في تونس و خاصة إلى ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي تمارس بها الدروس الخصوصية في بلادنا. هذا و في إطار المنتدى الذي انتظم بالحمامات سنة 2014 بعنوان "التعليم في شمال أفريقيا» أشار الباحثMartin Rose في تقريره عن الملتقى إلى نقاط ضعف عديدة تنخر المنظومة التربوية التونسية , وضع على رأسها :
- تفاقم ظاهرة الدروس الخصوصية العشوائية.
- ضعف مردود المدرس التونسي (يشير التقرير إلى أن المدرس التونسي يعمل قرابة 493 ساعة فقط سنويا بينما يصل المعدل العالمي لعمل المدرس إلى 577 ساعة, حسب تقرير منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية- OECD)
- تسرّب واضح من المدرسة العمومية إلى التعليم الخاص (شهدت العودة المدرسية هذه السنة نزوح قرابة 25000 تلميذ إلى مدارج التعليم الخاص).
- اتّساع الهوة بين طموحات المدرسة التونسية و بين واقعها.
- ضعف مردود المدرسة التونسية و هو ما تؤكده المقارنات العالمية مثل PISA و TIMSS
و يضيف التقرير إلى أنّ هذه الدروس تشهد سوقا رائجة رابحة خاصّة مع اقتراب إجراء الفروض العادية و كذلك في فترة ما قبل الامتحانات الوطنية , محدثة بذلك خللا كبيرا في ميزانية العائلة التونسية التي ترزح تحت وطأة التضخم المالي الذي كبل بلادنا خلال السنوات الأخيرة التي تلت قيام الثورة .يتم كل هذا رغم وجود منشور وزاري حديث للسنة الدراسية 2013 – 2014 وهو المنشور عدد 20130196 الذي ينص على ضرورة القيام بدروس التدارك داخل المؤسسات التربوية , و يحدد كذلك معاليمها..وهي كالأتي : 15 د ابتدائي ' 20 د إعدادي و ثانوي و25 د بكالوريا. و لكن تيار الدروس الخصوصية جارف رغم تكاليفه المفرطة, وعدد المنخرطين فيه يتزايد كل يوم. مما يجعل تساؤلنا عن الأسباب الكامنة وراء ذلك منطقي ووجيه.
أسباب ازدهار سوق الدروس الخصوصية :
لقد شهدت العشريات الأخيرة للقرن العشرين و بداية القرن الواحد والعشرين تطوّرا كبيرا في استعمال التقنيات الحديثة , مما أثر مباشرة على وضعية المدرسة عموما و على دورها في المجتمع و كذلك على سوق الشغل الذي أصبح يبحث عن التميز وعن التفوق فاشتدت فيه وتيرة المنافسة لدرجة أصبحت معها لنتائج الامتحانات المدرسية أهمية قصوى في حياة المتعلمين وعائلاتهم. زاد بذلك الإقبال على الدروس الخصوصية و تعددت بذلك أسباب اللجوء إليها ̧ أسباب كثيرة و متشعبة , تشعّب طرق إلقاء هذه الدروس و الفضاءات التي تنجز فيها. من هذه الأسباب ما يتعلق بالمدرسة و بالمنظومة التربوية ذاتها , ومنها ما هو نفسي و منها ما هو اجتماعي , إذ تؤكد الدراسات التي أجريت في إطار الدروس الخصوصية رغم ندرتها على أهمية الأسباب التي تتعلق بالمدرسة في حد ذاتها. فقد أصبحت المدرسة مع تطور التكنولوجيا الحديثة و ازدهار مفهوم العولمة غير قادرة على محاكاة هذا النسق السريع و عاجزة في غالب الأحيان عن توفير التعلّمات و الطرق البيداغوجية الكفيلة بدفع الناشئة لتملك كفايات القرن الواحد و العشرين و هي عديدة و مكلفة. زد على ذلك كثافة البرامج التعليمية أحيانا ممّا يضطر المدرّس إلى ترجيح كفة الكمّ على كفة الكيف ثم اللّجوء إلى دروس إضافية تخوّل حسب الاعتقاد السائد مزيد التعمّق في المحتويات التعليمية. يكون ذلك في غالب الأحيان على حساب طرق بيداغوجية ناجعة و فاعلة تتماشى وميول و مؤهلات الطالب و كذلك على حساب التوقيت المدرسي الذي يصبح مثقلا بساعات التعلم..مرهقا مثل عبء عسير على كاهل المتعلمين. وفي هذا الصدد ' يقول تقرير منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية الصّادر في ماي 2013 :"تجد المدرسة التونسية إشكالا في توفير تعليم ذي جودة رغم الاستثمار الكبير في مجال التربية و هو ما يذكي انعدام الثقة في قدرة المدرسة التونسية على الاضطلاع بمسؤوليتها كما يغذي ذلك الحاجة إلى الدروس الخصوصية و يزيد من نسبة قبول انتشارها" و يضيف نفس التقرير في الصفحة 44 : "إن نظام التفقد ضعيف كما أنّ إنتاج المدرسين محدود نسبيا"
أمّا بالنسبة للأسباب الاجتماعية لتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية فهي عديدة أيضا. لقد كانت المدرسة و لازالت أهم وخير ضامن لصعود المدرج الاجتماعي كما أنّ التعليم ما يزال أهم خطوة نحو الحضوة الاجتماعية و المكانة المرموقة. لذا فإن كل المجتمعات تقريبا تتساوى في تقديس العلم و التشجيع على تحصيله بل انه يعتبر لدى مجتمعات آسيا المتشبعة بمبادئ كونفيكوسConficus ذا قدسية استثنائية تستوجب بذل المال و الجهد في سبيل تحصيله وبلوغ أعلى درجاته. وفي هذا الصدد يشير أستاذ علم الاجتماع الدكتور محمد الجويلي إلى أنّ التغيير الذي حصل في نمط عيش المجتمع التونسي هو الذي أفرز تزايد الإقبال على الدروس الخصوصية. فقد أصبح المجتمع التونسي في العشريات التي تلت السبعينات و الثمانينات عاجزا عن الإحاطة بالفرد و توفير سبل العيش الكريم له , و أصبح الفرد وحيدا في بيئته يواجه مصيره هو و عائلته دون وجود قدر حماية كاف من المجتمع الذي يتقاسم معه الوضع الإقتصادي المتردي ولكنه لا يقاسمه البحث عن حلول لذلك الواقع . يفسح لنا هذا المجال للوقوف عند الأسباب النفسية للجوء العائلة و المتعلم للدروس الخصوصية. وأول هذه الأسباب هو الخوف من الفشل الدراسي باعتباره يؤدي ضمنيا لفشل اجتماعي و اقتصادي... إذ سجلت السنة الراسية 2013-2014 انقطاع قرابة 117.000 متعلما من أبناءنا عن الدراسة وهو رقم يثير القلق فعلا. وتوضح الباحثةClaudine Oller (2009) أنّ وراء هذا السباق نحو الدروس الخصوصية خوف العائلة على مستقبل أولادها. ومع تصدّع نمط العائلة الكلاسيكي و خروج الأم للعمل يزداد البحث و التشبث بحضن آخر يحتوي الطفل ويرعاه ويضمن نجاحه الدراسي. تغدق عندها العائلة أموالا كبيرة قد تفوق أحيانا حدود دخلها المتواضع في سبيل إيجاد تعويض لغيابها و عجزها عن متابعة دراسة أبنائها. وفي هذا الصدد, تشير دراسة قامت بها جريدة Le Monde (26-09-2007)الفرنسية بأن الأم هي غالبا من تحرص أكثر من الأب على توفير هذه الدروس الخصوصية و على إيجاد المال الكافي لتلقيها. كما تقول الباحثتانKatie Rushforth و Judith Ireson (2014, ص16) "قد يزداد تأكيد الأولياء على أبنائهم بمضاعفة العمل إذا كان لديهم هم أنفسهم القناعة بأن بذل الجهد هو السبيل الوحيد لمزيد التقدم والظفر بالنجاح". تصبح عندها الدروس الخصوصية هي الضامن الوحيد لتحقيق تقدم نسبي لأبنائهم على غيرهم من المتعلمين في سباقهم التعليمي (Foondun R.A : 2002). ويجد المتعلم نفسه دون إرادته أحيانا منسجما مع رغبات أبويه مسايرا لهما, يشاطرهما الحلم بالنجاح و المكانة المرموقة إلى درجة تصبح فيها الدروس الخصوصية أحيانا مصدر فخر و تباهي لدى الشريحة الميسورة من المتعلمين و مصدر اطمئنان لدى الأولياء و كأنّما مزيد الإنفاق على الدروس الخصوصية يعني ضمنيا وبالضرورة مزيد الابتعاد عن الفشل الدراسي والإجتماعي... وهي معادلة تؤكد في كثير من الأحيان بطلانها.
و أمام استشراء الدروس الخصوصية و تأثيرها على الفرد و العائلة و المجتمع يصبح لزاما علنيا ايلاءها ما تستحق من التفكير و النظر إليها مجددا لا كوضعية تعليمية فحسب بل كظاهرة اجتماعية يستوجب ترشيد ممارستها حتى تتماشى و الأهداف المرصودة لمؤسستنا التربوية.
حلول عملية لترشيد الدروس الخصوصية :
لو نظرنا إلى الصورة التي يحملها أغلبنا عن الدروس الخصوصية لوجدناها قاتمة غامضة مثيرة للقلق.فهاهي الصحف تشير إليها على أنّها: نزيف, هاجس, سيف مسلّط على رقاب الأولياء, إهدار للمال العام, ضرب لقيم المساواة... و هاهي الكتب و الدراسات و الأدبيات تشير إليها على أنّها "دروس سرية", "تجارة", "ظل المنظومة التربوية", "تعليم الظل", "الدروس في الخفاء"...و غيرها من النعوت التي تعكس قلق أصحابها تجاه ممارسات لا ترتقي إلى مستوى انتظارات المدرسة و دورها في المجتمع. غير أنّ هذه النظرة المشبعة بالسلبية و التشاؤم لن تقدّمنا في شئ إذا ما اكتفينا بها فهي نظرة رغم جانب من الصدق فيها تبقى انفعالية محضة لأنّها لم ترتقي الى مستوى الحلول و لأنها أيضا مجانبة لحقيقة الدروس الخصوصية. فهي رغم كل جوانبها السلبية يمكن لو وقع ترشيدها و بناء تصوّر جديد لممارستها أن تصبح في مستوى انتظارات المتعلم و المعلم و العائلة و المدرسة و المجتمع ككل .
و في هذا الإطار نقترح النقاط التالية علّها تنير السبيل الى واقع جديد و الى ممارسات أفضل و أنجع :
- إيجاد إطار قانوني ناجع و فعّال يخوّل السيطرة على ظاهرة الدروس الخصوصية و توجيهها في إطارها الصحيح . يمكن هنا تحويل نصوص الأوامر و المناشير الى قوانين ثم وضع آليات المراقبة الكفيلة بحسن تطبيقها.
- وضع مدوّنة سلوك تحدد الأخلاقيات الواجب احترامها من طرف جميع الأطراف بما في ذلك المتعلم و الولي و نقابات التعليم. يقول Hugues Lenoir المختص في علوم التربية "انّ أخلاقيات المدرس أو أخلاقيات التربية عموما تهدف إلى إرساء قواعد احترام متبادل بين المتعلّم أثناء عملية التعلم و بين المدرّس كمسهل لعملية التعليم و كمصدر للمعرفة ".
- تحسين الوضعية المالية والأدبية لمدرس القسم حتى تزداد حافزيته لمزيد العطاء والبذل وحتى يتقلص اندفاعه نحو الدروس الخصوصية.
- مراجعة محتويات وأهداف وتمشيات التكوين الأساسي والتكوين المستمر للمدرسين. غاية ذلك أن يصبح للمدرّس في القسم ما يستلزمه من تشبّع بخصوصيات و مميزات المادة التي يدرّسها وخاصة تملك وتمثل لثقافة التقييم وتمكينه من أدوات عمل ناجعة ومحينة في مجال تشخيص العوائق الإبستمولوجية للتعلم وكذلك آليات دعم وعلاج صعوبات التعلم لدى
- تمكين المدرس من تكوين دوري إضافي يهدف أساسا إلى إحاطته علما بآخر مستجدات الطرق التعليمية و البيداغوجية الحديثة التي تمكن من إعطاء دروس أكثر جاذبية واكثر تحفيزا بالنسبة للمتعلم.
- مراجعة المناهج والبرامج والتخفيض من محتواها وملائمتها أولا لرغبات التلميذ وثانيا للتوقيت المدرسي. عندها يسترجع القسم و المدرس المكانة التي يستحقانها لدى المتعلم.
- إشراك المجتمع المدني في عملية الإرشاد و الإحاطة بظاهرة الدروس الخصوصية و أيضا توعية الأولياء إلى ضرورة اليقظة و المرونة في التعامل مع حاجيات أبنائهم . تزخر بلادنا بجمعيات تربوية و أخرى ذات صبغة تربوية عديدة , تضم بين أعضاء مربين و جامعيين و مختصين في علم التربية و مدرسين و متفقدين بيداغوجيين بإمكانهم إسداء النصائح وتقديم المشورة و إجراء دراسات ميدانية في هذا الغرض .
- تقليص عدد المتعلمين بالفصل الواحد وتطبيق استراتيجيات التعليم الافرادي حتى يتيسر الاهتمام بكل المتعلمين و إدراج وسائل الدعم لكل منهم.
- إضفاء روح جديدة على دروس الدعم والتدارك باعتبارها جزءا لا يتجزأ من جداول عمل للمدرسين.
- مراجعة مفهوم الدروس الخصوصية أو تحجيرها ثم تعويضها بما يسمى بالتدريب المدرسي le Coaching Scolaire و تمكين المدرسين من الطرق و التمشيات البيداغوجية المرتبطة بهذا النوع من التدريب الذي يهدف بالأساس إلى تنمية المهارات الأفقية والنفسية لدى المتعلم مثل حب النجاح وليس فقط البحث عن الإرتقاء والثقة بالنفس وتملك تمشيات ناجحة في التعلم...مهما تكن المادة التعلمية.....
الخاتمة:
أمل لن تكون فقط ألمنا بل حافزنا لبلوغ مستقبل أفضل لأبنائنا. على عاتقنا تقع مسؤولية وضع أسس جديدة فعالة لمنظومتنا التربوية التي تعتبر الدروس الخصوصية في شكلها الحالي إحدى نقاط الضعف فيها. منظومتنا كانت ولازالت مفخرة بلادنا ومثالا للعديد من جيراننا. وزارة الإشراف تقر بوجود خلل في التعاطي مع هذه الدروس بعد أن انساق الكثير من المتعلمين" إلى الدروس الخصوصية أو إلى تعليم مواز خارج عن سيطرة المنظومة التربوية" (الوثيقة المنهجية لإصلاح المنظومة التربوية..ص7). كما تنص ذات الوثيقة على "جعل إصلاح التعليم أولوية وطنية مطلقة "(ص12) مما يقتضي "مشاركة حقيقية ناجعة تجعل جميع الأطراف شركاء فعليين في نحت الأجيال القادمة" (الوثيقة. ص.4 ). نبقى إذن بجميع أطيافنا و مشاربنا عازمين على ترشيد الدروس الخصوصية في بلادنا وعلى فتح ملفات الخلل في منظومتنا التربوية حتى تسترجع رويدا رويدا اشراقتها و فاعليتها وقدرتها على تسليح أبنائنا و بناتنا بما هم في حاجة اليه من كفايات تمكنهم من ولوج القرن 21. يقولMihaylo Milovanovitch أحد مدراء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية :"ينبغي أن تهدف الإصلاحات التعليمية و التدخلات في مجال النزاهة الى استعادة الثقة في نظام التعليم العام في تونس , وهو نظام ذي إمكانيات كبيرة كانت بحق مفخرة كل التونسيين".
معاوية بالحاج مبروك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.