نقابات المجمع الكيميائي تهدد بوقف إنتاج الفسفاط    رضا بلحاج: الأحد القادم، الإعلان رسميّا عن الحزب الجديد المكون من مجموعة من الأحزاب والشخصيات الوطنيّة    وزارة الدفاع الوطني تنطلق في بناء جسر محاذ لمدرسة الشهيدة مها القضقاضي    بعد استقباله لممثلين عن ائتلاف الكرامة : موسي تلغي لقاءها مع المشيشي    القروي في علاقة بفيروس كورونا: من الذي خضع لاملاءات بعض السفراء لتغيير تصنيف دولهم في ظرف أيام معدودات ؟    تهاطل كميات هامة من الأمطار في القيروان (صور)    ''فيسبوك '' أمام القضاء بتهمة التجسس على المستخدمين    انتر ميلان يعلن التعاقد مع فيدال    النجم الخلادي .. فرصة تاريخيّة للصعود    النادي الافريقي: الجزائري فرحي ينضم الى الفريق...وعقلة بسبب زكريا العبيدي    على الحدود الليبية: مليون دينار بال«اليورو» والدولار مخفية داخل سيارة    الحرس الوطني ينقذ 32 شخصا ويلقي القبض على 61 آخرين في عمليات هجرة غير نظامية بعدد من السواحل التونسية    القاء القبض على شخص محل 12 منشور تفتيش بالقيروان..    مصر: طفلة صغيرة تبقى حية بعد اختفائها في مصرف للمجاري 6 أيام    جرجيس.. وفاة شخص في حادث مرور    الكاف: وفاة رضيع وإصابة 11 شخصا في حادث مرور مريع (صور)    اليوم في مدينة الثقافة ..«جويف» من أجل القطع مع النظرة الدونية لليهود    «الصورة الشاهد» في دار الثقافة بقرطاج .مشروع ثقافي لنشر موجات إيجابية بين الأطفال    وزير الثقافة في سوسة..«متاحف للجميع»... مشروع ريادي في خدمة المكفوفين    أغنية تقتبس من حديث النبي محمد.. الأزهر يصدر بيانا    كورونا: 528 إصابة جديدة في تونس    القروي: القادم أسوأ..من يتحمل المسؤولية التاريخية ؟ ووين مشات المليارات ؟    بيل غيتس يحدد موعد نهاية وباء كورونا...وتقدم أبحاث اللقاح الجديد    وزير الأشغال العمومية الجزائري: تسليم شطر الطريق السيارة الجزائر – تونس السنة القادمة    راكيتيتش: ميسي وسواريز لم يكونا من أصدقائي المقربين    قرمبالية الرياضية .. رئيس الفريق يلوّح بالاستقالة    ترامب يهدد بمعاقبة المدن المعارضة له    ميشال عون: لبنان ذاهب إلى جهنم إذا لم تُشكل الحكومة    فلسطين تتخلى عن رئاسة "الجامعة العربية" ردا على "التطبيع"    مستقبل سليمان .. انطلاق التحضيرات.. والشماخي يلتحق بالإطار الفني    الصحة العالمية: 64 دولة غنية على لائحة "كوفاكس" لتسهيل وصول البلدان الفقيرة إلى لقاح ضد فيروس كورونا    في الأسبوع الحاسم..هيئة اتحاد تطاوين تتفق مع الدو وتفاوض الثامري    بنزرت.. ايواء 58 حارقا جزائريا بدار الشباب    هل يكون مؤيد اللافي صفقة الترجي الجديدة؟    القصرين : تسجيل 8 إصابات جديدة بفيروس " كورونا" وإرتفاع الإصابات في الجهة إلى 95 إصابة منذ فتح الحدود    عاجل-طبيب يطلق صيحة فزع ويحذر: أضعنا وقتا كثيرا..وشهر أكتوبر قد يكون كارثيا..    جديد الكوفيد..المشيشي يدعو الأطباء إلى التعقل ولا عودة للحجر الشامل    دفاتر..مشاهد من الخيبة والفشل    بكل موضوعيّة..وسائل ضغط إسرائيل (1 2)    وزير الحج السعودي: عودة تدريجية للعمرة    ظريف يبرر إعدام أفكاري ويعرض على أميركا تبادل السجناء    طقس اليوم    توفيق بكار مستشارا للشؤون الاقتصادية والمالية    حذف القطار الرابط بين تونس والكاف في الاتجاهين    لأول مرة: المنجي الشابي يطلق اتهامات خطيرة جدا في حق شقيقه علاء الشابي وزوجته! (فيديو)    الشركة التونسية للملاحة تعلن تأجيل رحلاتها    مشاغل الفنانين بمدنين محور لقاء وزير الشؤون الثقافية بعدد من الناشطين في المجال الفني    يوميات مواطن حر: دواليب السياسة في دهاليز المجتمع الواعي...    وفاة الفنان الجزائري حمدي بناني بفيروس كورونا..    عدنان الشواشي يكتب لكم : يادولتنا ...قومي بواجبك ... لا أكثر و لا أقلّ.....    الدكتور ذاكر لهيذب يدعو ''عسّاس'' المستشفى لتفسير الوضع الوبائي    النفاذ الى التمويل يتصدر قائمة عوائق متعددة تجابهها المؤسسات الاقتصادية في تونس - دراسة -    النجم السّاحلي في الموعد... عروض ومسابقات في صالون الرياضة بسوسة    بنزرت: حجز كمية هامة من السجائر مختلفة الأنواع بدون فواتير    وزارة المالية تنفّذ عقلة على حسابات المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية    غدا الثلاثاء ... الاعتدال الخريفي 2020.. وأول أيام الخريف    الشيخ الحبيب المستاوي رحمه الله عمر لم يتجاوز52 سنة وعمل شمل كل مجالات العطاء الديني والعلمي والاجتماعي    الإجابة قد تفاجئك: مفتاح السّعادة مع الأصدقاء أم مع العائلة؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد المحسن يكتب لكم : لا حرية للوطن ولا تقدم للمجتمع بغير الديمقراطية..
نشر في الصريح يوم 29 - 10 - 2019

بين عامي 1967 و1979 اثنا عشر عاما وعدة حروب وهزائم عربية.
بين التاريخين أيضا حروب وانتصارات غير عربية.بين التاريخين كذلك عدة متغيرات عميقة شملت العرب وغير العرب المنتصرين والمنكسرين على السواء.
ولكن لماذا عام 1967 ولماذا عام 1979؟ ألأنهما بالنسبة لنا نحن العرب،هما على نحو ما تاريخ واحد؟ فالهزيمة العربية المدوية-وفي القلب منها كانت الهزيمة الناصرية-لم تثمر العلقم،إلا في معاهدة الصلح المنفرد،بمعنى أن العدو انتظر أكثر من عشر سنوات ليجني ثمار حرب الأيام الستة.
ألا يعني ذلك على نحو آخر أنّ مقومات الهزيمة،رغم حرب اكتوبر 1973،بقيت كما هي في الجوهر،حتى أنها حين تكرست بزيارة رئيس أكبر دولة عربية للقدس المحتلة،كانت تصرخ- تلك المقومات-بأنها الأقوى والأشمل والأعمق غورا في أرض العرب،من كافة المظاهر السطحية الأقرب إلى المظاهرات في مقدمة جنازة؟
وهل كان النموذج الناصري المهزوم عسكريا واقتصاديا واجتماعيا عام 1967 نمطا مصريا خاصا لا يقبل التعميم العربي،وهل كانت مصر-أكتوبر 1973 والخيمة 101 واتفاقية سيناء الثانية وزيارة العدو واتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة واشنطن-مصر مصرية،أم كانت مصر عربية شاملة، مجرد نموذج رائد في النهضة والسقوط للعرب جميعا؟
والجواب أنّ الناصرية كانت نموذجا لا حالة فردية خاصة بمصر،فغياب الديمقراطية كهمزة وصل بين التحرير والتنمية كان أسلوب كافة الأنظمة “الإصلاحية”العربية.
كما أن مصر-المعاهدة،هي النموذج المكثف لكافة الأنظمة السلفية..فالهزيمة عام 1967 وتكريسها عام 1979 كانت إنجازا عربيا شاملا تحتل فيه مصر موقع الصدارة والمسؤولية بحكم قيادتها للنموذجين الإصلاحي والسلفي معا.عروبة الهزيمة تكاد ترادف بمعنى ما عروبة مصر، فأصل الأصول هو النمط الإقتصادي-الإجتماعي،وفرع الفروع هو زيارة “إسرائيل”وتوقيع المعاهدة.النمط الناصري الغالب على مختلف الأنظمة الوسطية،هو غياب الربط بين التحرّر الوطني والتحرر الإجتماعي،أي غياب الصيغة الديمقراطية القادرة وحدها-بمشاركة الجماهير المستفيدة من التحرر المزدوج-على صنع القرار وحماية تنفيذه.
هذا النمط تحت أسماء مستعارة،هو الذي رسّخ الهزيمة ولا يزال،في كافة النظم التي لم يحكمها عبد الناصر،بل وبعد غياب الرجل بعشر سنوات.
إنّ القبول العربي التدريجي والشامل لما كان مرفوضا من البعض وعبد الناصر بعده حي،كقرار مجلس الأمن رقم 242،أصبح القاسم المشترك-أو الحد الأدنى-ين العرب جميعا،الأمر الذي يعني أنّه الحد الأقصى لغالبية العرب.
مصر- السادات بدورها، ليست أكثر من"نمط"،فالإنفتاح الاقتصادي والتحالف مع أمريكا واغتيال كافة أشكال الديمقراطية،ودعم الإتجاهات الثيوقراطية وضرب العلمنة،كلها عناوين رمزية لأسلوب حياة وموت الأنظمة السلفية..التي ترفض علنا الصلح مع العدو،وتقبل علنا أيضا كل ما دعا إليه السادات في ذروة الحرب من مؤتمر جنيف إلى الدولة الفلسطينية.يقبلون كل المقدمات ويرفضون بعض البعض من جزئيات النتائج وتفاصيل النهايات،وحتى هذه لا يرفضونها سرا.
على طول المسافة بين الهزيمتين،كان النظامان-الإصلاحي والسلفي-يلتقيان في الإرتباط البنيوي أخيرا،بالسلسلة الإستعمارية لدورة رأس المال العالمي..حيث القهر القومي والوطني والإجتماعي والفردي،هو المسلسل الحتمي التابع، الأمر الذي يكرّس “زحف الهزيمة الطويل”في التخلّف والديكتاتورية ونقصان السيادة الوطنية.وهو أيضا الأمر،الذي تتفرّع عنه حروب القبائل والعشائر والطوائف،وتغير اتجاه البنادق إلى حروب الإخوة.كما تتفرّع عنه مذابح الفقراء على موائد الأغنياء،ومجازر الحلفاء على موائد الأجنبي.يتدهور الإقتصاد ويتحلّل المجتمع وتزدهر الأمية الأبجدية والأمية الثقافية،وتنقلب بعض القيم الأساسية رأسا على عقب في زمن قياسي.
حرب لبنان،حرب مصر-ليبيا،حرب الصحراء الغربية،يكفي؟خطف على الهوية الدينية والعرقية والسياسية،من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.ومن الشمال إلى الجنوب تعذيب يفضي إلى موت.ومن قلب الكلية العسكرية في قلب العاصمة المصرية إلى الكلية الحربية في قلب حلب السورية،يستأنف المتطرفون الإرهاب الديني وحمل السلاح.والسجن العربي يضيق بسكانه من العرب،كالسجن الصهيوني تماما.ومن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،تأتي علامة المهدي المنتظر الذي لا يأتي.ترتفع أسعار النفط في بلاد النفط،وأسعار القطن في مزارع القطن.وتغادر مياه النيل الوادي العطشان لتروي صحراء العدو،تماما كتحوّل النفط العربي الإسلامي في أنابيب أمريكا إلى قذائف إسرائيلية على جنوب لبنان.
إنّ خط الانكسار العربي،خلال تلك الفترة،كان يتناقض بصورة مأساوية مع صورة العالم من حولنا..فحين كانت تلتهب حرب لبنان عام 1975،كانت فيتنام تحصل على استقلالها من أعتى قوّة مسلّحة في التاريخ،وحين كان”أحدنا”ينحني من دون خجل أو وجل للعلم الصهيوني في مطار بن غوريون،كانت الوحدة القومية بين شمال فيتنام وجنوبها قيد الإنجاز.
وحين كان العرب يقتتلون قبائل وعشائر وطوائف،ويحرفون اتجاه البنادق عن العدو الواحد،وحين كانوا يستنزفون دماء بعضهم بعضا في المنافي ومستشفيات الأمراض العقلية وأقبية التعذيب في السجون السرية والمعتقلات العلنية،وحين كانوا يخطفون أنفسهم ويذبحون رقابهم ذبح الشاة،ويلقون بها في الأنهر والصحارى والغابات،وحين كانوا يتناسلون بسرعة وحشية لتنسي الليالي ما يجري في النهار،فتصغر كسرة الخبز ويزيد عدد الذين لا يعرفون الألف من كوز الذرة،ويقل عدد المستشفيات والمدارس والبيوت،ويزيد عدد الكنائس والمساجد..
حين كان يحدث ذلك كله كانت أنغولا تزيح عن كاهلها أركان امبراطورية دامت أربعة قرون،وكان البرتغاليون يزيحون عن كاهلهم سطوة ديكتاتورية دامت أربعة عقود،وكانت اسبانيا تتخلى عن صحراء المغرب،بعد أن تخلت عن شبح فرانكو.وكانت ايران بشعبها الأعزل تسقط أقوى قلعة مسلحة في الشرق الأوسط،وكانت نيكاراغوا تطيح بالديكتاتورية المتوارثة.
كان خط الإنكسار العربي يتناقض بصورة مأسوية مع بقية خطوط العرض والطول في خريطة العالم..حيث يتلقى النمر الأمريكي-والقط الصهيوني بالتبعية-ضربات هائلة،بينما يقوم العرب دون غيرهم بتضميد جراح النمر الكسير والقط الهائج،بدموع أطفالهم ودماء شبابهم وماء الحياة لأجيالهم.
شهدت الاثنتا عشرة سنة بين الهزيمتين،متغيرات حثيثة في القيم الرئيسية لمسيرة التاريخ الاجتماعي-الثقافي للعرب..فقد تراجعت الفكرة القومية تراجعا واضحا أمام تيارين:الديني والمذهبي من ناحية،والإقليمي والقطري من ناحية أخرى.كذلك تراجعت قضية التنمية أمام فكرة التحديث التكنولوجي.كما برزت قضية الديمقراطية،وكأنها البديل عن”التحرير”الوطني والإجتماعي،وأحيانا أخرى بصفتها الطريق الوحيد إلى التحرير.
وربما كانت مصر-مرة أخرى وليست أخيرة-هي البلد الأكثر دويا بما جرى في حقيقة الأمر، للعرب جميعا..فالإقليمية والطائفية التي أفرزتها حرب لبنان ليست أقل من الشوفينية والإرهاب الديني في مصر.وما ظهر بارزا على السطح المصري أو اللبناني كان مترادفات سرية وعلنية في كل أرض عربية.
أردت القول إنّ الرؤية الجديدة لهذا الجيل (جيل اليوم)،عليها أن تكون الرؤية المضادة لجيل الهزيمة..الرؤية التي تضع الديمقراطية في مكانها القابض على التحرير الوطني من ناحية، والتحرير الاجتماعي من الناحية الأخرى.يجب أن تكون-أولا وأخيرا-الإستيعاب التاريخي المر:
لا حرية للوطن ولا تقدم للمجتمع بغير الديمقراطية،وأي إنجاز هنا أو هناك في غيابها يهدم المعبد بأكمله فوق جميع الرؤوس.
إنها رؤية “الثورة الثقافية الشاملة” في مواجهة “الإصلاح الوسطي” و”الصمود السلفي”معا، اللذين يلتقيان في خاتمة المطاف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.