يرصدون مساكن عدد من العسكريين في بنزرت: القبض على 3 أشخاص    الحمامات .. تسجيل أول حالة وفاة بفيروس كورونا    الصحفية رحمة الباهي تتحصل على الجائزة الأولى لأفضل الانتاجات المتعلقة بالحريات الفردية    رئيس الحكومة: يمكن أن نصل إلى غلق المناطق المصنفة "ساخنة"    نقابة الصحفيين تدعو المؤسسات الإعلاميّة إلى الالتزام بالبروتوكول الصحي والعمل عن بعد    نابل: ارتفاع عدد الإصابات بكورونا بين الاطارات الطبيبة وشبه الطبية إلى 45    سيدي بوزيد: فرار مريض بكورونا من قسم الكوفيد-19    محمد الحبيب السلامي يتدّبر: ...آيتان من سورة البقرة    النجم الساحلي: اصابة الحارس ايمن المثلوثي بفيروس كورونا    بهدف التوقي من فيروس كورونا : إحداث لجنة "تدخل عاجل" صلب وزارة الشباب والرياضة    يوميات مواطن حر: عدت يا يوم مولدي    الياس الغربي يقدم برامج مناظرات #زعمة على قناة التاسعة    في حمام الأنف... الاطاحة ببارون ترويج الكوكايين و في حقه 9مناشير تفتيش    كما انفردنا سابقا / قائد نادي حمام الأنف يمضي في الكويت    جنسيّة منفذ هجوم باريس    طقس اليوم: انخفاض في الحرارة وسحب مصحوبة ببعض الأمطار    ترامب: لن نخسر الانتخابات إلا إذا زوروها    حاولوا تهريب المخدرات بالطائرة... فوقعت بهم    وفاة المدرّب لطفي السّبتي    قربة ... تنصيب المجلس البلدي الجديد و انتخاب فوزي الحجيج رئيسا    متورط في أحداث سليمان: إيقاف عنصر تكفيري بمقرين    الرابطة الثالثة ( دورة التتويج ) .. مواجهة غير مباشر ة بين النادي القربي والنجم الخلادي    قبلي: الشروع عشية اليوم في فك الاعتصام قبالة المنشات البترولية غربي معتمدية الفوار    الصندوق الوطني للتأمين على المرض يقاضي المعتدين على أعوانه    وزير التربية في القصرين..إيقاف الدروس... غير مطروح    اعتقال شخصين بشبهة التخطيط لمهاجمة البيت الأبيض وبرج ترامب    مستقبل سليمان ... محمد الزوابي مدربا جديدا لحراس المرمى    وزارة الداخلية تكشف تفاصيل جريمة "عين زغوان" واعترافات القاتل    الكاف : تسجيل 32 اصابة جديدة وشفاء 07 أشخاص    «زهرة الحناء» للشاعرة جهاد المثناني ..عاطفة بلا ضفاف وعقل متزن    المسرح: رسائل الحرية في اختتام الأيام المسرحية بالقيروان    تظاهرات : «فرح يحتفي في المرآة» في المسرح البلدي    التداوي الطبيعي ..الجلجلان يقاوم الربو و يقوي الذاكرة    البحيرة..الإطاحة بعنصر إجرامي خطير مطلوب في 60 عملية سطو    بين قصور الساف والشابة..القبض على مجرم خطيرمحكوم بالسجن المؤبّد    في فيديو..موسي تنتقد تصريحات سعيد    حماس: مواصلة إسرائيل مشاريعها الاستيطانية تكشف أكاذيب المطبعين معها    تضامنا مع نقيبهم.. محامو العاصمة الجزائرية يقاطعون المحاكم    بعد الحكم الصادر ضده وضد وزير النقل.. البريد التونسي يوضّح    بعد التتويج بكأس السوبر الأوروبي..مارتينيز يبدي سعادته بإنقاذ بايرن مونيخ    أخبار شبيبة القيروان: عودة محتشمة للتمارين والهيئة تستعد للتوجه ل«التاس»    اليوم نهائي كأس تونس أكابر وكبريات وصغريات..الترجي من أجل «الدوبلي» والساقية لرد الاعتبار    رانيا يوسف تطالب بإعدام مدرّس تحرّش بطفلة    اعترافات قاتل الفتاة رحمة بمنطقة عين زغوان    يوميات مواطن حر: احلام كلمات    رقم معاملات المساحات التجارية الكبرى بتونس يتراجع بنسبة 15 بالمائة بسبب جائحة كوفيد    البريد التونسي يصدر طابعين بريديين جديدين    منوبة: برمجة زراعة 37 الف هكتار من الحبوب واقبال كبير من الفلاحين على البذور الممتازة    نحو إغلاق 85٪ من الفنادق التونسية    سرقة الأمتعة في مطار قرطاج تعود    مصر.. جدل شرعي وشعبي حول أغنية جديدة لأصالة يصل القضاء    الكاف..استراتيجية لاعادة تنمية زراعة اللفت السكري    نفحات عطرة من القرآن الكريم    اسألوني    منبر الجمعة: الايمان علم وعمل    طقس اليوم: رياح قوية وتحذيرات للملاحة والصيد البحري    بورصة تونس تتكبد خسائر ثقيلة    محمد الحبيب السلامي يقترح: ...تصدقوا بالأسرة والمخابر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أحمد الهرقام يكتب لكم : قراءة في كتاب القليبي الجديد ..شيخ التسعين يجادل شباب الثورة
نشر في الصريح يوم 18 - 01 - 2020

أصدر الأستاذ الشاذلي القليبي منذ أيام عن دار الجنوب للنشر احدث كتبه حول " عوامل القلق العربي"، فيه مجموعة تأملات وتحاليل ثاقبة للتحولات الإجتماعية والثقافية والحضارية التي عاشتها تونس منذ الإستقلال . وهي صادرة عن كاتب عايش مختلف مراحل بناء الدولة الحديثة وتقلد فيها أعلى المسؤوليات التنفيذية والسياسية وشارك في مختلف الحكومات المتعاقبة، كما انتخب على رأس الآمانة العامة لجامعة الدول العربية لثلاث دورات متتالية بعد انتقالها إلى تونس في ثمانينات القرن الماضي .
فالنصوص الواردة في الكتاب تتصل بعديد الإهتمامات للمجتمع التونسي، وتلقي بعض الأضواء بالخصوص، على أزمات الثورة التونسية في بحثها عن التجربة الديمقراطية الخاصة :
وقد شدني اهتمام الكاتب – وهو تجاوز التسعين من عمره أمدّ الله في أنفاسه – بهموم المجتمع التونسي اليوم حيث أنه مجتمع ذو غالبية من الشباب، يواجه عالم متناقضات الثورة وأخطائها وأزمات الإقتصاد والبطالة ، ونكسات التعليم ، وانحدار منسوب ما انجزته دولة الإستقلال في مجالات الصحة والعمران والتقدم الإجتماعي وغيرها .
لذلك قرأت باهتمام خاص لا يخلو من فضول تلك الصفحات الخمسين التي اسماها شيخ التسعين عاما " من وحي أيام الثورة " وكأنه يزرع الشك في ما يرى ويسمع ، ويطرح التساؤلات ، ويصرّ على مشاركة شباب هذه البلاد واقع أيام تونس المضطربة ويعلن لهم أنه يفكر فيهم ويواكب تناقضاتهم وسلبيات أحلامهم وهشاشة مؤسسات دولتهم. ويقدّم لهم التحليل القويم ويقترح عليهم بعض البدائل للعلاج.
وقد هالني إصرار هذا الشيخ الفذ على محاولة إبلاغ الشباب المتمرد رأيه وتحاليله العميقة المستمدّة من تجاربه وثقافته في شؤون الدين والدنيا.فتحدث معهم عن المرأة والحجاب والهوية ، وفسّر لهم معاني الدين الحق كما يراها، وأوهام الهوية الزائفة محذرا من " ... بوادر هجرة حضارية وما يتبعها من عقد نفسية ومن ارتباكات اجتماعية تنم عن كراهية للذات أو عن رغبة في الإبتعاد عن الأباء والأجداد..." ( ص 28)
ثم تناول مختلف المواضيع الشائكة بأسلوب أدبي رقيق يذكرك بعمق لغة المسعدي وصفاء لغة طه حسين.
وبالرغم من عراقة الاستاذ الذي كان منذ الخمسينات فإنه مازال متمكنا من أسلوب بيداغوجي عالي المنال يوصل معاني الشرح والنقد لأعقد مسائل السلوك في الفكر والسياسة في تونس اليوم .
إذ يؤكد على أهمية الإعتدال والحرص " على وضع ضوابط للثورة " ، فيقول في نهاية هذا الفصل الممتع " ... فإن كنا بثورتنا نصبو إلى أن نطلق رسالة حضارية ، فينبغي أن تتضافر جهود الجميع ، لجعل صورة ثورتنا وضاحة ، مشرقة لا مدعاة إلى التمزق المجتمعي، أو التناحر الداخلي فتكون لذلك قدوة لغيرها..."
ومن فصل آخر من الكتاب كرسه الشاذلي القليبي لتناول " الإسلام في مواجهة العصر" يتساءل بكل جرأة " هل ما زلنا أمة ؟ " ، ويمضي يشرح مسيرة الإعتدال في الإسلام وسماحة المعاملات وحداثة تعاليم الدين الحنيف فحضارتنا ، كما يقول " ... أليست هي التي أمرت بطلب العلم ولو في أقاصي الأرض ، وأمرت بالإجتهاد في المقاصد ، وبإقامة العدل القضائي بكل حزم وإنصاف ، وبنشر العدل الإجتماعي بأريحية التضامن وبالمساواة بين أفراد المجتمع..." ( ص 92).
كنت دائما أتساءل في نفسي ، وأحيانا مع الكاتب مباشرة أثناء حواري معه بصورة متقطعة من حين لآخر ، ماالذي يجعل هذا المفكر الطاعن في السن والوزير السابق الذي وصل إلى أعلى قمة النجاحات، ما الذي يجعله منجذبا ومهتمّا إلى هذا الحدّ؟ لكل ما يجري من حوله اليوم في تونس؟ فهو يريد الإطلاع على أحدث ما صدر من الكتب ، ويجادل في أهم ما جاء من حوارات ومناظرات عنذ المثقفين والسياسيين ، وكثيرا ما يمعن الفكر المقارن في كل ما يقرأ ويسمع، وكثيرا ما يسعى لملاقاة من اهتمّ برأيهم في مسيرة الدولة وأروقة الإنتاج في شتى الفنون والأداب.
لذلك فهو يسمع باهتمام وكثيرا ما يستقبل في بيته العديد من الشخصيات من ذوي مختلف الإتجاهات ويستحضر معهم أدق الأحداث والمواقف بفكر ثاقب وعمق هادئ ، وأحيانا بنوع من الفكاهة الخفية الممزوجة بالنكتة المستترة والناقدة، وهو سلوك أدركت فيه بعد صبر وممارسة أنه ينطوي على الكثير من عفة النفس واللسان، وتأكيد للمزيج الذي أولدته عنده الثقافتان العربية والفرنسية الواسعة الراقية، مع الحذر الديبلوماسي والسياسي الذي ورثه من مسيرته الطويلة وسط عواصف السياسة التونسية والعربية والدولية. حتى أنني كنت أحيانا أنتقد صبره على الضيم من أقوال وأفعال القريب والبعيد، وتجاوزه لصعوبات وعراقيل الصراع السياسي والأحقاد النفسية العارضة ...
وعند الإطلاع على مختلف فصول هذا الكتاب أخالني أقرأ فيه بعض مذكراته لما عايشه من صراعات داخل الحزب الدستوري ، والإتحاد العام التونسي للشغل إبان حركة التحرير الوطني وما تلاها من سنوات الحكم والغدر والخيانة أحيانا، وكذلك ماكابده في مختلف الوزارات في ظل زعامة بورقيبة، ورغم ذلك ظل يناديه حتى يومنا هذا باسم " المجاهد الأكبر". وذلك رغم معارضته الضمنية والدفينة والصامتة دوما تجاه الكثير من السياسات المرتجلة، مثل سياساته التربوية ونظرته للتعليم الزيتوني المتعجلة ، وبعض مواقفه الحادة تجاه تعاليم الدين المحافظة ، وفي بعض أساليب الحكم في الأقاليم الداخلية وكذلك تصفية الخصوم بصورة مزاجية بما في ذلك بعض المواقف المؤلمة من الأسرة الملكية السابقة...
إن الأستاذ القليبي في هذه الفصول قرر أن يقول – حسب رأيي- الكثير من الأشياء دون جلبة أو تبجّح أو ضوضاء ، فهو ينتقد دون ان يحرج ، ويأتي نقده باردا لاذعا لأوضاعنا بالأمس واليوم ، كما يأتي هذا النقد في صورة رسالة مستترة ملفوفة بنوع من عفة النفس واللسان ، وذلك عن دون قصد تجسيما لجزء من تكوينه وتربيته الدينية والفكرية الهادئة.
وفي اعتقادي سوف يكون هذا ا لكتاب مرجعا تاريخيا يوثق تطور الحالة الفكرية لنظرة جيل الشادلي القليبي نحو تاريخ البلاد طيلة قرن تقريبا ، حيث استطاع الكاتب من خلال التمكن من موهبة النص ومن سلاسة اللغة وعفة اللسان أن يكتب شيئا متوجها للمستقبل الذي ستعيشه الأجيال من بعده. وقد تتوفر لهم الذاكرة المتحضرة ليعيدوا قراءة أمثال هذا الكتاب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.