السّباحة التونسية تتغلّب على أوجاعها ...رقم قياسي للجوادي والحفناوي عائد بقوّة    من أجل تعطيل حرية العمل ...محاكمة رئيس جمعية القضاة.. تتواصل    في اليوم الثاني لمؤتمر اتحاد الشغل... خلاف حول النيابات واحتجاجات المعارضة تتواصل    وزارة الفلاحة: إحداث منصة إلكترونية لتسهيل إسناد تراخيص حفر الآبار    عاجل/ طهران تسلم ردها على المقترح الأميركي..ومسؤول يكشف..    شرخ داخل الناتو .. أوروبا ترفض «الغرق» في مستنقع إيران    مكتب البرلمان يعاين حالة شغور بالمجلس إثر وفاة النائب صالح مباركي..    كأس تونس لكرة السلة: نتائج الدور ربع النهائي    المهدية: الباكالوريا رياضة ..4874 مترشّحا موزّعين على 9 مراكز اختبار    بداية من الغد: موجة برد مرتقبة تشمل أغلب جهات البلاد    حي الخضراء: تفكيك شبكة لترويج المخدرات وحجز أسلحة بيضاء بحوزة عناصرها    كلية الاداب بمنوبة تحتضن ورشة تفكير حول مشروع تطوير التعليم الشامل في منطقة البحر الأبيض المتوسط    خطبة الجمعة...آداب الاستئذان    منع الزكاة كبيرة من أعظم الكبائر .. .هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ    اسألوني .. يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    النجمة درة تحصد لقب أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل 'علي كلاي'    مواجهات ودية قوية في فترة التوقف الدولي استعدادا لمونديال 2026    قفصة: افتتاح المهرجان الدولي للمغاور الجبلية بالسند في دورته 15    عاجل/ موعد جديد للكلاسيكو..    الليلة.. سحب كثيفة مع أمطار متفرقة    لاغتصابه 3 نساء.. حبس المفكر الاسلامي طارق رمضان 18 عامًا    بمشاركة تونس .. الكوميسا تطلق خريطة استثمارية لتعزيز تدفق الاستثمارات ودعم التكامل الإقليمي    عاجل-خبير يفسّر: شنوّة تأثير غلاء الطاقة على جيوب التوانسة والزيادة في الشهرية؟    عمادة الأطباء تدعو إلى تعليق العمل بنظام الفوترة الالكترونية إلى حين تهيئة الإطار المناسب للمهنة الطبية    وزير الإقتصاد يلتقي بالمديرة الإقليمية لشمال إفريقيا بالوكالة الفرنسية    قبلي: الدورة 18 لمهرجان ربيع الطفل بالمركب الثقافي ابن الهيثم من 26 الى 28 مارس الجاري    صادرات تونس نحو المغرب تبلغ 973 مليون دينار في 2025 وزيت الزيتون والتمور في الصدارة    نقابة الصحفيين تنعى فريدة الدهماني وتؤكد خسارة الساحة الإعلامية لاسم مهني بارز    هام: التصريح بال deviseعن بعد إجباري لكل التونسيين بالخارج كان تفوت هذا المبلغ    علاش الطقس يأثر على النفسية ؟    عاجل: تحكيم أجنبي لماتش الدربي    الاقتصاد الصيني سيواصل نموه رغم التغيرات المفاجئة في أسواق الطاقة العالمية    قضية 'التسفير 2': رفض مطالب الإفراج عن المتهمين وتأجيل المحاكمة    تفاصيل القبض على شخص أعدّ مقهى لمُمارسة الرهان الرياضي والقمار بهذه الجهة..    ترامب يهاجم المفاوضين الإيرانيين: يتوسلون لعقد صفقة مع واشنطن لكنهم لا يتسمون بالجدية    بشرى سارة..مجموعة "ميليا" الفندقية تدخل رسميا السوق التونسية بخمسة مشاريع جديدة..#خبر_عاجل    عاجل: شوف محامي المنتخب السنغالي شنّوة قال على ''ترجيع كأس افريقيا للمغرب''    عاجل: شنوّة حكاية الدولة العربية الي عملت حظر الحركة وتعليق الدراسة؟    سماء تونس تتنفس حرية.. "طائرة السلام" في المهرجان الدولي للطائرات الورقية    هلال ذو القعدة...وقتاش؟    الترجي الرياضي: تفاصيل عملية بيع تذاكر دربي كرة اليد    المنتخب الوطني يواجه نظيره الموريتاني وديا    موش كلّ ما يقولهولك التاجر صحيح: هذه حقوقك كي تشري في تونس    عاجل/ اغتيال هذا المسؤول الإيراني..    التونسي موش لاقي دجاجة كاملة...البائع عنده كان المقطّع: هذا قانوني؟    يهمّك تعرف: أنواع الالتهابات...الأسباب والأعراض اللي متاعها    بيت الرواية يحتفي بالرواية الليبية    عاجل : للتوانسة ...دفعات حليب ''أبتاميل''المسحوبة ما تشكّلش حتى خطر على صحة الرضّع    المسرح الوطني التونسي يحتفي باليوم العالمي للمسرح وعروض محلية ودولية    جريمة قتل صادمة تهز القيروان فجر اليوم: هذا ما حدث    عاجل/ رئيس الدولة يسدي هذه التعليمات..    المدخرات من العملة الصعبة تعادل 106 أيّام توريد إلى يوم 25 مارس 2026    ترامب سراً لمستشاريه: حرب إيران قد تنتهي خلال 6 أسابيع    احتجاجات ومشاحنات وغياب التوافقات في مؤتمر اتحاد الشغل ... التفاصيل    رئيس الدولة يزور مصحة العمران والصيدلية المركزية    انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تونس:هل ما زالت الديمقراطيّة ممكنة ؟
نشر في التونسية يوم 05 - 05 - 2016

بعد مرور خمس سنوات على الثورة مازالت تونس تعيش فترة مخاض عسير: احتقان اجتماعي وركود اقتصادي وقطاعات حيوية معطلة وارتفاع المطلبية وفساد استشرى في كل القطاعات إلى أن كاد يصبح نمط إنتاج إلى درجة أن البعض أصبح يتحدث عن عودة إلى مربع الاستبداد والاكتفاء بديمقراطية موجهة تخدم أجندات معينة إضافة إلى أزمة سياسية خانقة بسبب حكومة تفتقد للدعم السياسي الكافي من طرف الائتلاف نتيجة مرور الحزب الأول بأزمات داخلية عميقة وبامتحان إعادة تأسيس وارتباك المشهد البرلماني من حيث توزيع الكتل النيابية بعد عمليتي انشقاق كتلة «الحرة» عن كتلة «النداء», كل هذه العوامل توحي بأن هناك مخاطر قد تعصف بالانتقال الديمقراطي بتونس وتنبئ بما هو أسوأ. ولا سبيل لتلافي هذا الوضع الخانق إلا بوعي النخب السياسية وكلّ مكونات المجتمع المدني بأهمية المرحلة القادمة. عن هذه الإشكاليات التي تهدّد الديمقراطية والدولة عموما أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية دراسة تحت عنوان: «تونس: هل مازالت الديمقراطية ممكنة؟».
«مخاطر» الدّيمقراطية في تونس:
تمت الانتخابات الرئاسية والتشريعية سنة 2014 تحت شعار إنهاء المرحلة الانتقالية «التأسيسية» ودخول المرحلة السياسية الدائمة، مرحلة الاستقرار الديمقراطي . وكان مجرد الوصول لتلك الانتخابات إنجازا سياسيا وطنيا خارقا، تطلب حوارا وطنيا جامعا نجح في تعبئة كل طاقات المجتمع السياسي والمدني والشعبي ضمن عملية انتخابية ديمقراطية تنفس فيها المجتمع قيمة الحرية لأول مرة في تاريخه الحديث وربما القديم أيضا، رغم كل ما يمكن أن يوجه من نقد «نظري تاريخي» للديمقراطية في سياق دولي معقّد لا يخلو من رهانات الهيمنة الاقتصادية والإلحاق الثقافي والسياسي. استجمعت الديمقراطية التونسية بين 2011 و2014 الشروط الدنيا لانطلاقها. وأول هذه الشروط وعي المجتمع بمختلف نخبه وفئاته بضرورتها بديلا عن الاستبداد وحكم الحزب الواحد والزعيم الأوحد. فكان أن شهدت البلاد اندفاعا (منه التلقائي ومنه المصنوع) في تأسيس الأحزاب السياسية للتنافس على نيل التفويض الشعبي لقيادة تونس الجديدة. تلك البانوراما الحزبية جعلت من الانتخابات التأسيسية «مهرجان حرية» يعد باستنبات هذه القيمة الوجودية نهائيا في تربتنا الحضارية. تلك الحرية نفسها هي التي أتاحت للقوى المتضررة من الثورة أن تنطلق في مسار تخريب الانتقال التاريخي من الداخل مستغلّة حالة قصور عميق في وعي النخب السياسية «الجديدة» التي انخرطت في حروب إيديولوجية بينية لتفسح المجال والوقت لفاعلين جدد نجحوا في تحريف أجندة الثورة وتحويل مسار الانتقال السياسي نحو معارك عبثية مدمرة. وها هي البلاد بعد أربعة عشر شهرا من الانتخابات تقف على حافة أزمة سياسية، أهم مظاهرها :
– حكومة، يُفترض أنها تحكم باسم ائتلاف حزبي رباعي، تفتقد الدعم السياسي الكافي من طرف هذا الإئتلاف، وربما هي مستهدفة من بعض مكوّناته، بل وتختلف المواقف منها داخل كل حزب من الأحزاب الحاكمة.
– مرور أحزاب الحكم، والحزب الأول أساسا، بأزمات داخلية عميقة وبامتحان إعادة تأسيس (حركة «النهضة») قد تنتهي ببعضها إلى الخروج من المشهد السياسي نهائيا أو على الأقل إلى تقلّص مهمّ في الحجم والدور.
– ارتباك المشهد البرلماني من حيث توزيع الكتل النيابية بعد عمليتي انشقاق كتلة الحرة عن كتلة «نداء تونس» وانسحاب أربعة نواب من كتلة «الوطني الحر» وتعطل آليات التنسيق بين ممثلي الإئتلاف الحاكم وتعطّل عمل اللجان التشريعية واستهداف معلن لرئاسة البرلمان . بما ينذر بشلل السلطة التشريعية وهي الضلع الضامن لشرعية العملية الديمقراطية الوليدة.
– إلى جانب هذا كله، والأهمّ منه ربما، أن البلاد تشهد حالة احتقان اجتماعي وبوادر أزمة اقتصادية واجتماعية شاملة بعد أن كادت آلة الإنتاج تتعطّل كليا في قطاعات حيوية مثل الفسفاط لثلاث سنوات متتالية وحتى الآن، وبعد أن انخرطت كل القطاعات المهنية في مسار مطلبية نهمة بمباركة من المنظمة النقابية الكبرى التي تحوّلت – باختيار من بعض القوى السياسية التي تتمرس داخل هياكلها، وملأ للفراغ الذي خلفه ضعف الأحزاب أحيانا أخرى- إلى قوّة سياسية تستطيع أن تملي إرادتها على كل الحكومات المتعاقبة. حكومات اضطرّت للتداين المفرط لتغطية زيادات أجور جنونية خالية من المنطق الاقتصادي (زيادات أجور مصحوبة بارتفاع جنوني للأسعار وارتفاع نسب التضخّم بما لا ينتج تحسّنا في المقدرة الشرائية.. في دائرة عبثية مغلقة) في الوقت الذي تتضاعف فيه أعداد العاطلين سنة بعد أخرى خصوصا بعد أن أوشك قطاع السياحة الحيوي على التوقف نهائيا بعد عمليات سوسة وباردو ومحمد الخامس ثم بن قردان أخيرا. هذه الأزمة الاجتماعية الحادة تهدّد بانهيار البنيان الديمقراطي برمته في كل لحظة. وها هي أصوات عديدة ترتفع منادية بأولوية الخبز على الحرية والكرامة، في نزوع معلن إلى طي صفحة الانتقال الديمقراطي والعودة إلى مربع الاستبداد أو الاكتفاء بديمقراطية «موجّهة» طيّعة لا تهدّد مصالح لوبيات الفساد.
من الديمقراطية المنقذة إلى الديمقراطية «المأزق» :
الزمن الثوري زمن استثنائي مكثّف وعالي السرعة ومفاجئ، لذلك انتقلت تونس في ظرف ثلاث سنوات من حالة احتفال شعبي واحتفاء مجتمعي بالأحزاب باعتبارها من أدوات الديمقراطية والحرية، إلى شيطنة شبه كلية للأحزاب. شيطنة تمت ترجمتها في انتخابات 2014 في ما سمي ب«العزوف الانتخابي». وتطورت الآن إلى ما يشبه حالة «ازدراء الأحزاب» وتأثيم الانتماء الحزبي بحجة أن كل السياسيين يبحثون عن منفعتهم الخاصة على حساب المصلحة الوطنية العامة. تيئيس الناس من جدوى الديمقراطية برمتها هو هدف استراتيجي تعمل على تحقيقه كل القوى التي لها مصلحة في تحييد الإرادة الشعبية العامة لصالح خيار الدكتاتورية. وهو أيضا هدف تكتيكي مرحلي للقوى التي تقدّر أن موازين القوى الحالية ليست في صالحها فتفكر في التقليص من حجم المهتمين بالشأن السياسي العام وبالتالي من الناخبين. هذا التيئيس اتخذ استراتيجيات عديدة أخطرها استدعاء الفاعل «الإرهابي» الشبحي ( الذي خصصنا له مقالا سابقا للبرهنة على تعقّد الرهانات المحلية والإقليمية والدولية عليه بما يتيح لنا الحديث عن «اقتصاد سياسي للإرهاب») وزرعه في قلب العملية السياسية الجديدة الهشة تمهيدا لتبرير الدعوة إلي «إرجاء» الديمقراطية والتفرغ لمواجهة التهديد الذي يستهدف كيان الدولة . مواجهة يراد لها أن تكون «دولية» عابرة للحدود والكيانات وفوق القوانين العادية «المدنية»، بما يتيح تغيير التشريعات الحامية لسيادة الدول والقوانين الحافظة لحقوق الإنسان الأساسية. بلغت سياسة شيطنة الأحزاب والتيئيس من الديمقراطية وتصويرها على أنها مهمة مستحيلة في السياق الوطني والدولي الحالي بعض أهدافها اليوم، ونجحت في امتصاص نسبة مهمة من زخم الحماس للحرية الجديدة التي جاءت بها الثورة، وفقدت فئات واسعة من الشعب (رغم نسبية كل ما يقدّم من أرقام في هذا السياق) ثقتها في المستقبل عموما . ولكن اعتبار الديمقراطية «مأزقا» وكارثة سيظل طرحا عاجزا عن الإقناع والصمود في بلد راكم تقاليد إصلاح وعقلانية وحداثة في وعيه وفي واقعه، وتوّجها بحدث ثوري بلغ صداه ومداه كل أرجاء الأرض ولا يمكن أن يستنفد طاقة دفعه الروحية والوجدانية والفكرية في أمد قريب إن توفر لدى النخب وعي بهذه الطاقة ورغبة صادقة في تعهدها وتفعيلها.
أحزاب جديدة لديمقراطيّة ممكنة:
كل مكوّنات المشهد السياسي التونسي (الحزبي والنقابي والجمعياتي المدني ) ذات خلفيات إيديولوجية قديمة تشترك كلها في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة والعمل على نفي الآخر المختلف عنها إيديولوجيا وإقصائه فكريا وماديا لتمارس «اكتمالها» وتبشّر ب«حقيقتها» وتفرضها على الجميع. هذا النزوع الاستبدادي المغلف بوهم الايديولوجيا كان قاسما مشتركا بين الجميع. يتغير الآن الجميع بأقدار مختلفة أيضا تحت ضربات الواقع الموجعة، ويتعايشون اضطرارا تحت سقف برلمان واحد و«يتنافون» بوسائل أقلّ عنفا ولكنها لا تخلو منه أبدا. هذا العنف المروّض ديمقراطيا و«أخلاقيا» وربما بغريزة الخوف فقط، ينفلت أحيانا كثيرة سبابا وغضبا وهياجا وتوترا بدائيا واستعدادا دائما وأحمقا لرمي جنين الديمقراطية مع غسيل التصفية الإيديولوجية. ولكن يبدو أن الجميع في طريقه للاقتناع الطوعي أو التسليم القهري بأن قانون التغيّر أقوى من كل حصون الوهم . وأن الكون كله يتغيّر في اتجاه البحث عن سبل جديدة لازدهار الذات الإنسانية خارج أسوار الشعارات السياسية الفقيرة وخارج المعارك الصغيرة حول فتات وبقايا أوطان أصبحت شؤونها تُدار من مراكز وشبكات المال المعولم معلوماتيا وعسكريا.هذه التحوّلات الكونية في طريقها إلى صنع متطلباتها السياسية في كل دول العالم تقريبا وفي دولنا الضعيفة التي لا تملك مقوّمات الصمود أمام آليات الهيمنة المعولمة التي خرجت عن طوع دول ما كان يعرف بالمركز الاستعماري نفسها. هل يعني هذا أننا لم نعد نملك في أوطاننا المستباحة من حظوظ الفعل في مستقبلنا شيئا؟ سؤال ميتافيزيقي يحتاج إجابة ميتافيزيقة مستغنية عن البرهنة:
طبعا لا. لأن مكر التاريخ لا حدود له. ولأن طبيعة الفعل الإنساني عصية على البرمجة والتوقّع. إجابة قد لا تقنع العقل الإيديولوجي خاصة، ولكنها في تقديرنا كافية لتوقّع اتجاهات المشهد الحزبي بناء على ما سبق في تحليلنا من تشخيص لمسار تأسيس الديمقراطية التونسية وأزمتها .
كثيرون يتوقّعون نهاية حزب حركة «نداء تونس» بعد أن تعطّلت كل مؤسساته القيادية وانخرط مؤسسوه في حرب مواقع وتوزّعوا بين مناصب حكومية ومناصب في مؤسسة الرئاسة وما بقي من هياكل تسيير الحزب بغاية إحيائه واستعادته قبل المواعيد الانتخابية القادمة. الآن تشهد الساحة الندائية حراكا معقّدا، آخر محطاته مبادرة «إعادة بناء مشروع حركة «نداء تونس»» التي تضم أسماء ممّن بقي في الحزب وممن انشق عنه وممن التزم الصمت والحياد في مختلف مراحل الأزمة. نظنّ أن دواعي قيام الحزب ما تزال قائمة بقوّة. وأن الأزمة التي مرّ بها النداء «طبيعية» جدا بالنظر للنتائج المربكة للانتخابات الأخيرة التي اضطرّته للتحالف مع خصم أقام كل استراتيجيته الانتخابية على قاعدة التبشير بإزاحته من الحكم، فإذا به يجد نفسه مضطرا لتفويضه ليحكم بدلا عنه في انتظار أن يسوي مشاكله الداخلية، ولعدم توفّره على بدائل قيادية في حجم الباجي قائد السبسي، ولعدم تقدير مسبق لحقيقة وحجم التحديات الواقعية التي ستواجهه في حكم البلاد.النداء تجمّع إيديولوجيات قديمة انتهت صلوحيتها، متناقضة، كادت تنجح في الاتفاق على مشروع غير إيديولوجي براغماتي عملي في مواجهة مشروع «إسلامي» غائم الملامح وملتبس بنزوعات ارتداد عن مكاسب الإصلاح والتحديث حتى الديني منها. لذلك ستظلّ فرصة عودة حزب «نداء تونس» قائمة بقوّة، ولكنها متوقّفة على نجاحه في تجميع عناصر انطلاقته الأولى، وحينها سيجد بالضرورة الآليات المناسبة لإدارة الصراع داخله مستفيدا من دروس «أزمة الحكم المفاجئ».
حركة «النهضة» في وضع تاريخي مربك . إذ تجد نفسها مؤتمنة على نيابة شريكها الأكبر في الحكم، دون أن تكون لديها الرغبة ولا القدرة على تحمّل أعباء الحكم في ظرف وطني وإقليمي ودولي خطير ومتقلّب. وهي إذ تحرص على استمرار التوازنات الحالية في الحكم تدرك هشاشة هذه التوازنات كما تدرك بنفس القدر خطورة انهيارها أمام انعدام بدائل واضحة للحكم. وهي تدرك أيضا أنها مطالبة بتقديم المثال على «جدوى » الديمقراطية في مؤتمرها القادم وعلى جدارة «نهائية» بالمشاركة في التأسيس الديمقراطي، دون المجازفة باحتمال أن ينقلب هذا المثال إلى انقسام عميق داخلها بين من يتوجه بنظره إلى المستقبل وبين من يرهن خياله لماض كفّ عن الحياة منذ قرون.
حركة «النهضة» حزب ممكن جدا ومستحيل جدا في نفس الوقت ! قاعدته الاجتماعية متحركة، وأفقه النظري ملتبس رغما عنها، ورغم كل الجهود النظرية والسياسية التي تقدّمها قياداتها بأقدار متفاوتة من النجاح والفشل، بتقاطعات ثقيلة الوطأة مع التيارات الدينية العنيفة. سننتظر المؤتمر العاشر للحركة لنرى مدى قدرة «النهضة» على استباق التحوّلات الضرورية للبقاء وتحوّلها النهائي إلى تنظيم سياسي مدرك لمقتضيات التاريخ الجديد في تونس والعالم . لسنا في معرض التنبؤ ولكن نظن أن منهج التدرّج والمراوحة سيلازم الحركة إلى حين.
المشاريع الحزبية الوسيطة (ولا نقول الوسطية بما يوحي بتطرف المكوّنين الآخرين) بين النداء و«النهضة» عديدة . وهي لا تعدم مشروعية وجود. فبعضها يجرّ خلفه رصيدا طويلا من النضال الحقوقي والسياسي ضدّ الدكتاتورية وإيمانا حقيقيا بقيمة الحرية بما يؤهله لتموقع ما في ساحة الفعل (المنصف المرزوقي ونجيب الشابي مثالا). وبعضها يطمح في وراثة مشروع «نداء تونس» أو مصاحبته تنافسا وتحالفا (حركة «مشروع تونس»، والمبادرة، ومراكز التفكير الجديدة مثل مركز المهدي جمعة..) ويمتلك من النضج السياسي ومن التجربة ما يرشحه لتبوّؤِ مكانة مهمّة في المشهد القادم. ومنها من يعتقد في فرادته الإيديولوجية (الجبهة الشعبية) ويصرّ على «التبشير» بامتلاكه بدائل جذرية ستضع حدا لكل مشاكل البطالة والفقر والتفاوت الجهوي والتداين والتدخل الدولي في شؤوننا .. بمجرد وصوله للحكم. وهو خطاب يجد صدى في قلوب الشباب الممتلئ بأحلام مشروعة ولكنها ممتزجة باليوتوبيا والوهم. وهم لا يخلو من خطورة لأنه يصبّ في نهر التفكير العدمي الذي يرى في الديمقراطية الليبرالية زيفا مطلقا ويعد بديمقراطية اشتراكية بدائية تحقق العدل المطلق، تماما كالخلافة.
خاتمة:
أزمة الحكم الحالية في تونس ليست أخطر من أزمة فيفري وجويلية 2013 إثر عمليتي الاغتيال السياسي حين كانت البلاد على حافة الفوضى قبل أن يتوصل الفاعلون السياسيون إلى تنظيم حوار وطني سيظلّ حقيقا بالتثمين والتفعيل كلما دعت الحاجة إليه. إنها أزمة من «داخل الديمقراطية» لا من خارجها. وستصب استراتيجيا في بلورة شكل نظام الحكم الجديد في تونس بما يناسب مستوى نضج النخبة والشعب، وشكل الديمقراطية التونسية الحديثة. ولكنها أزمة لن تكون بدون نتائج هيكليّة ستمسّ بنية الأحزاب الحاكمة جميعها في اتجاهات مختلفة. ولا يجب أن يفاجئنا اندثار أحزاب توصف بال«كبيرة» وصعود أخرى جديدة وعودة من ظننا أنه انتهى من رموز السياسة قبل الثورة أو بعدها.إذ للديمقراطية، وللتاريخ من قبلها ومن بعدها شؤون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.