ترامب: لا يزال أمامنا عمل لقمع قدرات إيران الهجومية    بزشكيان: إنهاء العدوان ضد إيران هو الحل الوحيد    منظمة التعاون الإسلامي تدين المصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بسجون الاحتلال    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..أمطار والطقس بارد..#خبر_عاجل    بخصوص العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر.. الداخلية توضح اجراءات التعامل معها    تم ايقافه بجهة حلق الوادي.. بطاقة ايداع بالسجن ضد مروج مخدرات مصنف خطير    بعد الحكم بالبراءة: القصة الكاملة لقضية فريال يوسف ونادية الجندي    تنميل اليدين ليلاً... متى يكون طبيعياً ومتى يشير إلى مرض؟    النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين تدعو الى حوار وطني حول مستقبل المركز الوطني للسينما والصورة    突尼斯驻北京大使馆举办经济推广活动,    سفارة تونس ببيكين تنظم تظاهرة اقتصادية بمناسبة وصول 50 طنا من صادرات زيت الزيتون التونسي    أكثر من 130 ألف خريج تعليم عالٍ مسجلون بمكاتب التشغيل وغالبيتهم من دفعات ما قبل 2021    هل كوب الشاي اليومي يهدد صحتك بالبلاستيك؟ حقائق صادمة    جندوبة: تعليق الدروس بمعتمدية عين دراهم توقيّا من تداعيات التقلّبات المناخيّة    حجّ 2026: تونس تسوغت ثلاثة فنادق قريبة من الحرم المكّي و 5 فنادق في المدينة المنوّرة في الصفّ الأوّل    تسجيل أول موجة تضخم في منطقة اليورو أثارتها حرب إيران    عاجل : منع الاحتفالات المرتبطة باختبارات'' الباك سبور'' لتلاميذ البكالوريا في قابس    وصول دفعة ثالثة تضم 9 تونسيين إلى تونس بعد إجلائهم من لبنان    مؤتمر مصر الدولي للطاقة: وزيرة الصناعة تدعو الى بناء شراكات إقليمية ودولية    المؤتمر 43 لطب العيون من 9 إلى 11 أفريل 2026، بالعاصمة    الرابطة الثانية: لطفي الجبالي يخلف هشام السويسي في تدريب اتحاد تطاوين    هل يفسد فنجان القهوة الصباحي مفعول فيتاميناتك؟ إليك التفاصيل    وزير التربية يتابع مشاريع صيانة وتهيئة المؤسسات التعليمية بسوسة    صاحب منزل مهجور في جربة: فيديوهات "تيك توك" و"إنستغرام" وراء قرار الهدم    عاجل : سفارة أمريكا للتوانسة ...ردوا بالكم من التحيل و هذا شنوا لازم تعملوا    البنك المركزي التونسي يُبقي نسبة الفائدة الرئيسية عند 7 بالمائة    أكثر من 60 ميدالية.. تونس تتألّق دوليًا في مسابقة زيت الزيتون الأفروآسيوية    عاجل-يهمّك تعرّف: هذه الأيام البيض لشوال...أحسن وقت للصيام    عاجل: فلكياً هذا موعد ''العيد الكبير''    بين التعزيزات والغيابات .. مستقبل سليمان يواجه التحدي خارج الديار    الرابطة الأولى: الترجي الرياضي يتحمّل نصف الكلفة .. ودعم عملي لمبادرة النجم الساحلي    تونس: 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية لدعم الاقتصاد الاجتماعي    عاجل: تعليق الدروس بهذه المنطقة بسبب الوضع الجوّي    المهدية: إيقاف 9 أنفار من بينهم إطار سام بالوظيفة العمومية وعوني أمن    رئيسة المكسيك تعد بافتتاح "تاريخي" لمونديال 2026 في ملعب "أزتيكا"    بعد هايتي... "نسور قرطاج" أمام تحدٍ كندي من العيار الثقيل    عاجل/ جرحى وأضرار في منازل اثر سقوط شظايا اعتراض طائرة مسيرة في الخرج بالسعودية..    يُعتبر الأرخص في ولاية سوسة: أسوام سوق العراوة اليوم    مراعي ومزارع تحت الخطر: وزارة الفلاحة تطلق نداء عاجل    عاجل/ تزامنا مع التقلبات الجوية: مرصد سلامة المرور يحذر مستعملي الطريق..    عاجل/ متابعة لاستهداف ناقلة نفط كويتية في دبي..هذه آخر التطورات..    صادم: القبض على حفيد متّهم بقتل جدته    عاجل : بشرى لمستعملي الطريق... اكتمال مشروع المدخل الجنوبي قبل موفى 2026"    تفتيش أمني مفاجئ للاعبي بلجيكا بعد فوز عريض على أمريكا    توننداكس يقفل معاملات الإثنين متراجعا بنسبة 0،18 بالمائة    الذهب يتجه لأسوأ أداء شهري منذ 17 عاما    أنشيلوتي يؤكد: دانيلو ضمن قائمة البرازيل في مونديال 2026    مجلس وزاري يتخذ قرارات لإصلاح منظومات الصحة والضمان الاجتماعي والتغطية الصحية    صفاقس.. اصطدام قطار نقل بضائع بسيارة    قفصة ...تنظيم الملتقى الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي    حضور تونسي لافت في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور "رياض الصيداوي" ل"التونسية": فوضى السلاح في ليبيا خطر على المسار الديمقراطي في تونس
نشر في التونسية يوم 21 - 12 - 2012

ثورتنا لم تكن ثورة دموية والعنف السياسي هو نتيجة "حمّى الثورة"
ليس هناك مؤشرات على تكرار السيناريو الجزائري في تونس
التونسيون الذين يحاربون بسوريا قنبلة موقوتة قد تعود للانفجار داخليا
الاقتصاد التونسي الهش لا يحتمل تصاعد العنف
الإرهاب هو أعلى درجات العنف السياسي
رياض الصيداوي، باحث ومراقب للشؤون السياسية ،مفكر وكاتب وباحث تونسي في العلوم السياسية ‬له عدة مؤلفات عن الثورة الجزائرية وخاض في‮ ‬ما بعد في‮ ‬الإرهاب. مقيم بجنيف، مدير ومؤسس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية للأبحاث في جنيف ورئيس تحرير صحيفة التقدمية الإلكترونية.
متخصص في العالم العربي، بما في ذلك الجزائر، والحركات الإسلامية وعملية التحول الديمقراطي في هذه المنطقة. هو كذلك من أنصار الديمقراطية في العالم العربي ومن أنصار تحرير المرأة المسلمة، و يعارض الوهابية السعودية ويراها مجموعة من العقائد التي تمنع أي نشاط فكري.
له رأي، في العديد من المسائل الجوهرية المتعلقة بالحراك السياسي في العالم العربي والإقليمي وتركز اهتمامه مؤخرا على المشهد التونسي الذي له فيه نظر على أكثر من مستوى.
عن مجمل هذه المشاغل تحدثنا معه على هامش تواجده بتونس بدعوة من طرف هيئة مهرجان الزيتونة بالقلعة الكبرى فكان الحوار التالي.
تتميز المرحلة الراهنة في تونس بتصاعد ما اصطلح على تسميته بالعنف السياسي وآخر مظاهره ما جد مؤخرا في سيدي بوزيد كيف تحللون تنامي هذه الظاهرة
العنف الموجود في تونس ظاهرة طبيعية تأتي مباشرة بعد انهيار النظام بعد نجاح الثورة وهو ما يمكن تسميته وفق مصطلحات علم اجتماع الثورة «حمى الثورة» وهو مقاربة و ومفهوم وليس مجرد وصف وهي ظاهرة وجدت في كل البلدان التي عاشت ثورات والفارق بين بلد وآخر هو مدة استمرار هذه الحمّى الثورية، فمثلا في فرنسا دام هذا العنف لعقود مما جعل الأمر يظهر للملاحظ العادي وكأن الثورة الفرنسية هي سلسلة من الثورات وقد تكون قصيرة مثلما حدث في ثورات أوروبا الشرقية ومجمل الثورات العصرية.
والأمر راجع لكون من ثاروا يحسون بقوة غير عادية تفوق حتى قوة السلطة الحاكمة وتبقى هذه القوى ترفض الخضوع من جديد لسلطة الحاكم.
فالظاهرة هي ظاهرة طبيعية وليست خاصة بالثورة التونسية. فلو قمنا باستعمال محرار قيس «الحمى الثورية» لوجدنا ان هذا المنسوب منخفض بالنسبة للثورة التونسية على اعتبار أن ثورتنا لم تكن ثورة دموية ولم ينتج عنها عنف كبير وفوضى كبيرة على غرار ما حدث في ثورات أخرى ونعود للتدليل على ذلك دائما للتاريخ. فالثورة الفرنسية مثلا نصبت على إثرها المشانق والمقاصل التي أتت على أرواح «روبس بيار» وغيره مما جعل الكثير يقولون إن الثورة الفرنسية أكلت ابناءها.
ففي تونس دامت الثورة حوالي ثلاثة أو اربعة أسابيع توفرت فيها الشروط الثلاثة الضرورية لقيام أي ثورة وهي على التوالي راديكالية المطالب الشعبية ومطالبتها برحيل النظام ثم تفكك عصبة النظام الحاكم وتشتت مكوناته وثالثا حياد المؤسسة العسكرية وتخليها عن حماية النظام.
هذه الثلاثية يمكن ان تعاد في تونس أو في إطار أي ثورة فالشرعية الانتخابية لا يمكن لها ان تحول دون وقوع ثورة ثانية متى توفرت هذه المعطيات وهو ما يمكن معه عدم استبعاد ان تؤدي الحمّى الثورية إلى انتاج ثورة ثانية.
العديد من السياسيين في الداخل والخارج يقولون ان ما حدث في سيدي بوزيد هو أكبر مؤشر على فشل الحكومة الحالية !
الذي حدث في سيدي بوزيد هو في الحقيقة شيء مؤسف ورديء للغاية وخاصة عملية رمي الحجارة، لكن ما وجب التركيز عليه هو أن هذه الظواهر ليست فريدة في الديمقراطيات المعاصرة فكلنا يذكر كيف عانى الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي في العديد من المواقف من رشقه بالبيض والطماطم وعدة أشياء أخرى.
لكن في تونس الخطر الكبير الذي لابد من التحذير منه هو الخطر الإرهابي الذي يواجه البلاد. فالإرهاب هو في الأخير أعلى درجات العنف السياسي وتونس اليوم تعاني من تنامي هذه الظاهرة الرهيبة هذا طبعا إلى جانب المخاطر الأخرى التي قد تحول العنف السياسي إلى عنف مادي وعنف إرهابي وأول هذه المخاطر متأتية طبعا من جارتنا الجنوبية ليبيا والتي بها زخم كبير جدا من الأسلحة الخارجة على السيطرة أو ما يسمى فوضى السلاح والتي وقع تهريبها إلى تونس والجزائر ومصر عبر مسالك متعددة وما يحدث اليوم على الحدود الجزائرية التونسية خير مؤشر على تسرب هذا السلاح ووقوعه بأيدي جماعات وعصابات لا يهمها مصلحة البلاد كما هناك مؤشرات أخرى على وجود معسكرات تدريب في العديد من الأماكن يتدرب فيها تونسيون على ما يبدو وإذا أضفنا لذلك وجود عدد هائل من التونسيين المشاركين في المعارك الدائرة في سوريا والذين قال النظام السوري انهم أول جنسية عربية موجودة ضمن المقاتلين هناك وكذلك المنتظم الأممي يقول ان 40 بالمائة من المقاتلين الأجانب في سوريا هم تونسيون وهذه كلها مؤشرات تمثل جملة من القنابل الموقوتة التي تهدد أمن واستقرار البلاد. فلما يعود هؤلاء إلى تونس قد يفكرون في مواصلة أفعالهم ومواصلة عملياتهم الارهابية والقتالية داخل الوطن.
كمختص في الشأن الجزائري أتذكر جيدا أحداث العشرية الحمراء في الجزائر وهنا لابد ان نذكر ان أول من حمل السلاح ضد الدولة في الجزائر هم الأفغان الجزائريون ونقصد هنا الجزائريون الذين شاركوا في الجهاد في أفغانستان لأنهم مدربون شرسون ليس لديهم خوف من ممارسة القتل ولذلك لن يترددوا في ممارسة العنف ضد السلطة مدفوعين في ذلك بتنامي ظاهرة العنف السياسي وبالخصوص التوتر الاجتماعي.
فلو نقوم بعملية رصد ورسم صورة الإرهابي نجده عادة شاب صغير من طبقة صغيرة شعبية محرومة ليس متزوج وفي بعض الأحيان نجده لم يتعلم تعليما كافيا أو ليس متعلما البتة وحتى إن كان متعلما نجده منحدرا اكثر من العلوم الصحيحة أكثر من العلوم الاجتماعية فهذه الوضعية إذا تزامنت مع وجود الحمى الثورية مع المخاض السياسي وضعف هيبة الدولة وعدم قدرتها على السيطرة على الأمور مع الاضطراب الموجود في الجارة ليبيا والفوضى الموجودة على الحدود مع الجارة الجزائر كلها مؤشرات خطيرة على التجربة الديمقراطية وخطر على تونس التي لا يمكنها ان تحتمل الانزلاق للفوضى وللعنف.
فالجزائر قاومت العشرية الحمراء بالريع النفطي والغازي وبفضل قوة شركة «سونطراك» وما تعنيه من قوة الموارد النفطية والغازية الجبارة للشقيقة الجزائر والحال نفسه ينطبق على الجارة ليبيا وكذلك العراق التي لها في ثرواتها النفطية أحسن ضامن لوضعها الاقتصادي والاجتماعي أما نحن في تونس فاقتصادنا هش يعتمد على الخدمات وعلى السياحة وعلى الاستثمارات الأجنبية وهي كلها قطاعات تتطلب حدا ادنى من الأمن والسلم الاجتماعيين وهو ما يعني أن انزلاقنا للفوضى هو بمثابة الضربة القاضية لاقتصاد البلاد وانهيار كافة المنظومة التي تحكم البلد بانهيار الاقتصاد الوطني. والمؤشرات الآن تدل على انهيار صورة تونس ومؤشرات اقتصادها في المحافل الدولية مع ارتفاع جنوني للأسعار وارتفاع منسوب التضخم الشديد وما يعنيه من انهيار المقدرة الشرائية للمواطن التونسي هذا فضلا عن مخاطر الانهيار المنتظر للعملة الوطنية أضف إلى ذلك وجود حالات ارهابية يجعل من الوضع قاتما جدا. تونس لا تحتمل الارهاب فلو حدثت عمليات ارهابية واسعة فالاقتصاد الهش بطبعه سينهار بسرعة مع كل ما قد يعنيه ذلك من تداعيات.
ذكرتم الجزائر والعشرية الحمراء، البعض أبدى مخاوف كبرى من حدوث السيناريو الجزائري في تونس، هل تعتقدون انه ثمة أسباب ومؤشرات موضوعية لهذا التخوف.
تونس اليوم تعيش في مفترق طرق والصورة لم تتضح بعد، فبالنسبة للجزائر لها خصوصياتها فلو قارنا الجيش التونسي بالجيش الجزائري وحركة «النهضة» بالجبهة الاسلامية للإنقاذ فإننا سنجد المؤسسة العسكرية في الجزائر مؤسسة قوية جدا بتعدادها وبعتادها وبمواردها باعتبارها تسيطر تقريبا على الثروات النفطية والغازية في الجزائر مما جعلها تسيطر حتى على الحياة السياسية ومتعودة على تسيير الأمور في البلاد والمؤرخ الجزائري محمد حربي يقول «إذا كانت الدول تصنع جيوشها فالجيش الجزائري صنع دولته...» وهو ما يؤشر على قوة المؤسسة العسكرية التي تسيطر على العديد من المفاصل الهامة في الدولة ومن ضمنها اجهزة الاستخبارات والاستعلامات وغيرها. كذلك الجبهة الاسلامية للإنقاذ فيها شق متطرف يقوده بالخصوص علي بلحاج وكان سلفيا اكثر منه سياسيا ولم يكن مستعدا للانخراط في العملية الديمقراطية كما يجب والظرف الدولي كان وقتها مختلفا عما هو عليه الان. أما «النهضة» في تونس فهي تقدم نفسها اليوم كحليف للغرب على الأقل في ما يخص الولايات المتحدة وبريطانيا وانها دخلت في المشروع الحداثي وإنها ستكرر النموذج التركي والذي يعني التعايش بين الأضداد في المجتمع وبالتالي هي تنأى بنفسها عن التطرف الذي ميز الجبهة الاسلامية للإنقاذ. أما في ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية التونسية فهي لغاية اليوم مؤسسة تقف على نفس المسافة من مختلف مكونات المجتمع السياسي وهي لا تتدخل في ما يخص الشأن العام للبلاد ولا تسيّر الدولة ومشمولاتها امنية بالأساس وأقصى ما يمكن تصوره هو انه في حالة تنامي العنف في البلاد فسيقع تشكيل مجلس وطني متكون من الجيش وقوات الأمن الداخلي للسيطرة على المسألة الأمنية المهمة جدا للبلاد وللاقتصاد الوطني.
لنبقى مع الجزائر، هناك بعض التحاليل التي تقول ان الجزائر هي المستهدف من ثورات الربيع العربي وقد يؤكد هذا ما يبديه المسؤولون الجزائريون من توجس لما يحدث في تونس وليبيا وربما كذلك في شمال مالي. ما هو تعليقكم؟
أولا وبالنسبة إلى مصطلح الربيع العربي، فهذه التسمية هي هجينة ومستوردة من الخارج ولم تولد من رحم الثورات العربية حيث وقع إطلاقها في فرنسا قبل أن تنتشر في باقي أنحاء العالم وبكل اللغات ثانيا ثمة اشكالية حقيقيّة في ما يتعلق بالديناميكية الداخلية للثورات العربية بمعنى ان المواطن العربي لم يعد يتحمل الديكتاتورية المزدوجة فالحكام العرب اليوم أصبحوا يسعون لتجميع المال وتكديسه وهو ما يعني أن هناك ديكتاتورية اقتصادية انضافت للدكتاتورية السياسية.
فبورقيبة وبومدين وعبد الناصر لم يكونوا مهتمين بالمال بقدر اهتمامهم بجمع النفوذ والسلطة السياسية فجيل كامل من السياسيين العرب كانت تهمهم السلطة ولا تهمهم الأموال أما الجيل الجديد من الحكام فقد اهتم بتوسيع سلطانه السياسي من خلال سلطان اقتصادي تمثل في جمع الأموال والأموال الطائلة بدون حق وظلما من اجل مزيد بسط النفوذ على المواطن العربي وأصبحنا حيال ديكتاتوريات سياسية واقتصادية على غرار بن علي ومبارك وغيرهما من الذين تميز نظام حكمهم بظهور عائلات مافيوية.
وإلى جانب الثورات المعروفة كانت هناك ثورة في عمان وثورة أخرى في البحرين وثورة في السعودية في المنطقة الشرقية وفي قطر لكن وقع التعتيم عليها إعلاميا.
ومن هنا نستنتج أنه اصبح هناك ديناميكية حقيقية لدى الشعوب العربية، فالشباب العربي أصبح اليوم لا يطيق هذه الديكتاتوريات وأصبح مستعدا لكي يموت من أجل أفكاره ومن اجل حقوقه ومن أجل ان يغير النظام.
في نفس الوقت ثمة الطرف الخارجي والتدخل الخارجي المفضوح جدا والذي تقف وراءه بدرجة أولى الولايات المتحدة الأمريكية التي لها الامكانات المادية والاستخباراتية والعسكرية والإعلامية والتي تشرف على كل هذا العالم. فاليوم سياسة واشنطن اتضحت فهي أولا تريد انتاج سياسة الكيل بمكيالين فهي أولا تريد ان تسقط انظمة ديكتاتورية وتبقي على انظمة ديكتاتورية أخرى. فهي من ناحية اسقطت القذافي بواسطة تدخل عسكري تحت غطاء القرار 1973 لمجلس الأمن وهو قرار ينص فقط على إقامة منطقة حظر جوي والذي تحول إلى تدخل عسكري مباشر وتغيير نظام داخلي عبر القوة الخارجية، وتقريبا نفس الشيء تكرر مع سوريا لكن بطرق اخرى لكن الروس والصينيين تفطنوا هذه المرة. فمن خلال الإعلام الروسي على الأقل بامكان أي كان أن يقرأ الخطاب الروسي الذي يقول انه تم خداعنا في ليبيا وان ذلك لن يتكرر في سوريا حيث اعتبرت روسيا والصين الثورات العربية من قبيل البلبلة الأمريكية من أجل السيطرة على العالم العربي بتحالف مع قوى اسلامية من اجل إقامة حزام أخضر يواجه روسيا والصين في المستقبل. هذه الأطروحة الروسية لابد من الاستماع إليها كباقي الأطروحات ونذكر هنا ان الصينيين يتدخلون أول مرة على خط الشرق الأوسط ويقومون في مناسبتين باستعمال الفيتو في مجلس الأمن لمنع التدخل العسكري في سوريا. وهنا ما يمكن قوله في الخلاصة ان ما يحدث في الدول العربية اليوم ليس بمنأى عن التجاذبات وحتى التدخلات الخارجية والصراعات الدولية.
المعروف ان الولايات المتحدة الأمريكية كانت حليفة قوية للأنظمة العربية التي قامت ضدها الثورات ومع ذلك تحليلكم يدفع في اتجاه تغيير التحالفات، إذن ما هو السبب حسب رأيك؟
في الحقيقة السبب يكمن في كون الولايات المتحدة الأمريكية قد اقتنعت على ما يبدو بالطرح الذي يدفع به حليفها البريطاني الذي نذكر انه حليف تاريخي مع الحركات الإسلامية منذ انشائه للحركات الوهابية من اجل إقامة حزام اخضر في المنطقة العربية من أجل مواجهة روسيا والصين وهذه الأطروحة موثقة في ارشيف القوات البريطانية حيث أن الأنظمة العربية التي قامت على مقاربات دينية 100 بالمائة مثل قطر والسعودية هي دول من انشاء وزارة المستعمرات الشرقية البريطانية.
أمريكا اشترطت للقبول بهذه الفرضية قيام اقتصاد ليبرالي يقطع مع الاشتراكية ومع سيطرة الدولة على الاقتصاد وهو ما يمكن ان نلاحظه بوضوح في مقاربات حركة «النهضة» التونسية التي هي في الحقيقة فرع من حركة الإخوان المسلمين، فراشد الغنوشي أعلنها بوضوح عندما قال ان الخيار الاقتصادي لحركة «النهضة» هو اقتصاد السوق وهو خيار عام لمجمل الحركات الاسلامية. المؤشر الثاني هو الدخول في المنظومة الأمنية الأطلسية وتركيا أحسن دليل على ذلك كما ان السعودية وقطر والتي تقول انها دول اسلامية وتطبق الشريعة وما إلى ذلك نراها كلها قواعد امريكية.
إذا يمكن الجزم ان هناك تحالفا قائما بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة والدول الاسلامية أو التي تحكمها حركات اسلامية من اجل مجابهة الخطر القادم وهو روسيا والصين.
في الجزء الثاني من الحوار غدا:
الوضع بسوريا والتحالف السعودي القطري مع الحركات السلفية
ماهية التيارات السلفية
العملية السياسية في تونس والخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة ومدلولها السياسي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.