زغوان : إصدار بطاقات إيداع بالسجن في حق 3 موظفين ورئيس جمعية مائية    السودان: مقتل متظاهرين بالرصاص في احتجاجات رافضة ل "الانقلاب العسكري"    11 مصابا في حادث مرور بسبيطلة    بوعسكر: 'كل الملاحظين الأجانب مرحب بهم شرط الإلتزام بمدوّنة سلوك..'    الجامعة العامة : وقفة احتجاجية أمام وزارة الصحة    بوعسكر: "الميزانية المخصصة للإستفتاء تصل إلى 50 مليارا"    قابس : تسجيل 29 إصابة جديدة بكورونا    القبض على "تاكسيست" تحيّل على حريفته وَفَرّ بأغراضها    تونس: عملية ''براكاج'' وسلب أمام أحد الفروع البنكية    حجز 13 ألف خرطوشة على الحدود الجزائرية التونسية    اختفاؤها أثار جدلا: الفنانة آمال ماهر تظهر بعد غياب وتكشف الأسباب    هند صبري تكشف: واجهنا ظروفاً صعبة جداً    جورج وسوف و صابر الرباعي يطربان الجمهور في جدة    بوعسكر: سجّلنا هؤلاء لأن القانون يدعو الى تسجيلهم آليا    عاجل : جدري القردة : يزوره كثيراً التونسيون .. تسجيل أول إصابة    زيادة ب200 مليم في سعر الحليب..    بأوامر مباشرة من بوتين.. روسيا تتبادل أسرى مع أوكرانيا    المعهد الوطني للرصد الجوي : تساقط البرد وهبوب رياح قوية بعدة مناطق خلال ال24 الساعة الماضية    سوسة : نقص حاد في مادة الزيت النباتي المدعّم والسكّر    39 إصابة بكورونا في صفوف الحجيج التونسيين..#خبر_عاجل    جولة في صفحات بعض المواقع الاخبارية الالكترونية ليوم الخميس 30 جوان 2022    ملتقى تونس الدولي لألعاب القوى لذوي الاحتياجات الخاصة : تونس تنهي مشاركتها في صدارة الترتيب العام    الاستفتاء: مكاتب الاقتراع مفتوحة إلى الساعة العاشرة ليلاً    الحمامي يكشف عن سر الطابق الخامس وغرف العمليات بالنحلي    إلياس الشتي يفسخ عقده مع الترجي من جانب واحد    مواد بترولية ..تونس تلجأ إلى مخزونها الاحتياطي لتأمين الطلب    عروض فلسطينية في المهرجانات الصيفية/ فرج سليمان في قرطاج ودلال أبو آمنة في الحمامات    ضبط التوقيت الصيفي    اليوم الختامي لملتقى تونس الدولي لألعاب القوى لذوي الاحتياجات الخاصة: تألق وليد كتيلة وروعة التليلي    الدوري الإيطالي: مباراة فاصلة لتحديد البطل في حال تعادل فريقين بالنقاط    العثور على 20 جثة في الصحراء الليبية..وهذه التفاصيل..    "تدهور الوضع الصحي للقضاة المضربين عن الطعام".. ومطالبة سعيّد بفتح باب الحوار    أسعار الصرف في تعاملات اليوم الخميس 30 جوان 2022    قف .. تهريب الأدوية... والقانون المريض!    جربة ..تفكيك خلية إرهابية    الألعاب المتوسطية بوهران: «صِدام» قوي بين تونس ومصر    حدث اليوم .. انقسام جديد في ليبيا .. هل يشكّل سيف الإسلام حكومة في الجنوب ؟    الإنتاج في تراجع والطاقات البديلة غائبة..قطاع الطاقة والمحروقات...في العاصفة    الكاتب الروائي مراد البجاوي: نصّي أنحته من رحلتي مع الأيام    ملتقى المبدعات العصاميات في التعبير التشكيلي بالمنستير...تظاهرة تكبر وتشعّ نحو العالمية    لأوّل مرّة ندوة دوليّة من تنسيق الدكتور أصيل الشابي...المغرب بعيون تونسيّة    إشراقات..ألا يشبعون ؟    سيدي بوزيد..طالبوا الدولة بالتدخّل العاجل..منتجو الطماطم على أبواب الإفلاس!    توقيع اتفاقية تونسية فرنسية لتشغيل الشباب في قطاع الفنادق    مع الشروق.. نهاية الأحادية القطبية    مصر: القبض على القاضي المتهم بقتل زوجته الإعلامية    الكورونا تعود في صفاقس..حالة وفاة و24 إصابة جديدة بفيروس كوفيد19    خطير-يقوم بتعطيل الغلق الآلي لأبواب السيارات وسرقتها: تفاصيل الاطاحة بمروع المواطنين بسوق الزهروني..    اغتصاب مهاجرات مقابل الغذاء والماء..وشهادات صادمة للضحايا..#خبر_عاجل    هذه التوقعات الجوية لهذا اليوم..    دول تعلن عيد الأضحى السبت 9 جويلية.. وأخرى 10 جويلية    التصعيد العسكري بين السودان وأثيوبيا: تونس تدعو إلى التهدئة وضبط النفس    رسمي: مفتي الجمهورية يعلن موعد عيد الاضحى    السعودية تعلن غدا الخميس بداية شهر ذى الحجة و9 جويلية أول أيام عيد الأضحى    الساحة الفنيّة تودّع هشام رستم (صور+ فيديو)    أنس جابر تطلق مبادرة لترميم معهد بمدينة برڨو    فوزي البنزرتي يحدد وجهته المقبلة    أولا وأخيرا .. أنا والشعب زملاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عسكريو قضية "براكة الساحل" ل"التونسية":المظلمة مستمرة ونضالنا مستمر عشنا أهوال التعذيب.. والمخلوع حاك المؤامرة لتطهير الجيش من أعزّ ضباطه
نشر في التونسية يوم 02 - 02 - 2013

نادرة هي المواقف التي غابت فيها عني عبارات المواساة.. بل التعزية.. أجل فالمسألة بكل ما فيها من فظاعة تستوجب التعزية.. وأعترف أني لم أقرب الطعام ليومين كاملين بسبب بشاعة الصور التي ظلت ترافقني حتى في منامي.. صور قذرة قذارة الجلادين الذين عذبوا عسكريين شرفاء لسبب تافه «تنفيذ الأوامر العليا» الصادرة من قصر قرطاج مباشرة حيث كان المخلوع يغط في نوم عميق دون أن تصله صيحات الألم.. ألم عسكريين نزهاء أحبوا تونس فأخلصوا إليها فقوبل وفاؤهم بالجحود.. ألم عسكريين اعتقلهم البوليس وعذبهم ولم تنصفهم الثورة وظلت المظلمة متواصلة إلى اليوم في ظل صمت وزارة الدفاع الوطني التي قامت وقتها بتسليمهم إلى معذبيهم ولم تعد اليهم اعتبارهم كضباط سامين خدموا البلاد بتفان وإخلاص طيلة عقود..
أعترف أن المرارة صاحبت فضولي وتغلبت عليه خاصة في ظل تواصل المظلمة ولامبالاة سلطة الإشراف بعد أن سجن «الرجال» وجاع أبناؤهم وحرموا من مواصلة دراستهم.. فصل آخر من فصول مظالم بن علي لا تزال حلقاته الأخيرة مستمرة إلى اليوم.. .فلا أحد اعترف بأحقية جماعة «براكة الساحل» واسمحوا لي بتسميتهم مظاليم «براكة الساحل»، في رد الإعتبار وهم اليوم أجداد لأجيال جديدة.. وحتى يوم أكرمهم الرئيس محمد المنصف المرزوقي، فإن حركته النبيلة ظلت منقوصة، فإين زيهم العسكري الذي داس عليه بوليس بن علي؟؟؟ ولم لم يقع تكريمهم داخل أسوار الوزارة التي أفنوا الشباب في خدمتها؟؟؟
«التونسية» فتحت ملف «براكة الساحل» المفتعل وفتحت أعمدتها لمظاليم البراكة الذين لا يزال يحكمهم شعور المواطنة وحب البلاد والإخلاص لها فلم ينساقوا وراء التيارات الهدامة التي أرادت استدراجهم بعنوان أنهم لا يزالون من المغضوب عليهم، إلا أن جمعية إنصاف قدماء العسكريين احتضنت الشباب منهم والكهول ومختلف الرتب العسكرية المقالة من مهامها، مشكلة بذلك سدا منيعا دونهم ودون محاولات الاستقطاب المتطرف..
المقدم المتقاعد محمد أحمد (منسق عام لجمعية إنصاف قدماء العسكريين):تعذيب.. اعتذار وطرد من العمل
كان يشغل خطة رئيس قسم أركان جيش البر مكلفا بالمخابرات والأمن أي بمثابة مساعد لرئيس أركان جيش البر، وكان في مكتبه يوم 22 ماي 1991 عندما طلب منه الجنرال محمد الهادي بن حسين رئيس أركان جيش البر آنذاك، التوجه إلى إدارة الأمن العسكري التي تولت نقله إلى وزارة الداخلية.. يقول: «في مرحلة أولى لم يتم استنطاقي أو توجيه اية تهمة لي مما ترك المجال واسعا أمام وزارة الداخلية وتجاوزاتها.. .أول من التقيت به كان المدير العام للمصالح المختصة محمد علي القنزوعي الذي تولى استنطاقي في البداية بحضور ممثل عن إدارة الأمن العسكري العقيد موسى الخلفي.. لتبدا من ساعتها رحلتي المرة مع التعذيب,,»
يتوقف (برهة) ليسرح بخياله بعيدا ثم سريعا يضيف: «ذقت كافة أنواع التعذيب الممكنة وغير الممكنة ومهما تصور الإنسان من اساليب التعذيب سيظل ما تعرضت اليه اكثر بكثير من ذلك، فمن وضع الدجاجة إلى الضرب المبرح والتعليق من اليدين ثم من الرجلين إلى وضع «البانو» وهو عبارة على حوض حمام توضع فيه قاذورات بشرية ثم يغرقون رؤوسنا فيه حتى ينقطع التنفس.. .. ظللت على تلك الحال لمدة اربعة أسابيع بأيامها ولياليها والجلادون يتناوبون على تعذيبي إلى ان نالني «شرف» الوقوف بين يدي وزير الداخلية عبدالله القلال الذي عاين عدم قدرتي على الوقوف حيث كنت مسنودا إلى عوني أمن ووجهي المغطى بالكدمات وبقية أثار التعذيب الواضحة علي،،،وكان القلال مرفوقا بعزالدين جنيح مدير أمن الدولة ومحمد علي القنزوعي..
وكان القلال قد اطلع على التقارير التي ارغمت تحت التعذيب على امضائها وفيها اعتراف مني بالمشاركة في اجتماع «براكة الساحل» للإعداد لإنقلاب عسكري على بن علي.. وهو ما أعلن عنه الوزير نفسه في ندوة صحفية يوم 22 ماي 1991 حيث أكد احباط محاولة انقلاب عسكري وسجن العسكريين.
وبعد نقلي إلى سجن بمرناق وهو سجن 5 نجوم مقارنة بالسجون الأخرى حيث كان من المفروض أن تلملم جراحنا ويتحسن مظهرنا، بقيت هناك اسبوعا كاملا وأسرتي كبقية اسر العسكريين تظن انني في مهمة سرية، ثم أعادوني إلى الداخلية حيث «نالني شرف» اللقاء بالقلال مرة اخرى وكان هذه المرة محاطا بثلة من المسؤولين الأمنيين منهم الجنرال علي السرياطي مدير الأمن الوطني وقتها بالإضافة إلى عدد من المسؤولين العسكريين وهم الجنرال حفيظ فرزة مدير الأمن العسكري والعميد محمد قزقز مدير القضاء العسكري والعقيد موسى الخلفي مساعد مدير الأمن العسكري.. هذا اللقاء تم هذه المرة في قاعة اجتماعات تليق بالقادة الكبار الذين ذكرتهم وكان معي حوالي 15 من الضباط العسكريين السامين وكانت حالتنا يرثى لها بعد ان نزعوا عنا من اللحظة الأولى زينا العسكري ورتبنا وداس عليها الجلادون.. كانت آثار التعذيب الجسدي بادية للعيان بعد 5 أسابيع كاملة من الإيقاف الجائر وكان البعض منا يلبس بدلة رياضة وبعضنا الآخر بدلة الحضائر الزرقاء وانتعل أغلبنا «شلايك» ولكن عزائمنا كانت قوية ورؤوسنا مرفوعة ولم يتسرب الخوف لحظة واحدة إلى قلوبنا الا متى تذكرنا عائلاتنا واطفالنا..
يومها حمل الينا القلال اعتذارات سيّده بن علي لعدم توفر ادلة تديننا بالمشاركة في محاولة الإنقلاب وليعلمنا باننا طلقاء احرارا وأكد لنا اننا سنظل على ذمة وزارة الدفاع ومنحنا شهرا إجازة للراحة ووعدنا بان وزارتنا ستسوي وضعياتنا..
الا ان ما راعنا الا ووزارتنا تتعامل معنا وكأن التهمة التي وجهت الينا ثابتة ولم تكتف بعدم انصافنا بل اتت تصرفات معنا اقل ما يقال عنها أنها غريبة من مؤسسة عسكرية. فقد قسمت المجموعة إلى صنفين احالت صنفا منا يضم قرابة المائة عسكري إلى القضاء العسكري، للابقاء على فرضية المؤامرة، والبقية اطلقت سراحهم وسلبتهم حقوقهم وتم طردهم من العمل وظللنا تحت المراقبة البوليسية لعقدين من الزمن ومنعنا من السفر ومن العمل ووقع التنكيل بنا وكأننا مجرمون دون ذنب اقترفناه سوى اننا كنا مثالا للإستقامة وحسن السلوك والتفاني في خدمة البلاد وهي من ابجديات العمل العسكري.. ظل أغلبنا بلا مرتبات ولا يمكننا العلاج في المستشفى العسكري وكلها قرارات ادارية جائرة اتخذتها وزارة الدفاع بشاننا مع ان التهمة باطلة ولم تثبت على أي أحد منا.
للأسف الشديد وزارتنا لم تنصفنا بل واصلت مسلسل التعذيب على طريقتها فهي لم تتول حمايتنا عندما صدر قرار ايقافنا وسلمتنا بكل بساطة نحن الضباط السامون إلى وزارة الداخلية التي تفنن أعوانها في تعذيبنا ونحن أبرياء شرفاء وطنيون لا انتماء سياسي لنا، وللأسف الشديد لم تقع تسوية وضعياتنا إلى اليوم ولا نعلم السبب.. رغم اعتراف وزارة الدفاع الوطني بالمظلمة ورغم اعتذار رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة باسم الدولة لضحايا براكة الساحل وعائلاتهم بمناسبة عيد الجيش الوطني في 23 جوان 2012 بالاكادمية العسكرية.
العقيد المتقاعد أحمد الغيلوفي (نائب رئيس جمعية انصاف قدماء العسكريين):دعوت الله حتى شهدت سقوط بن علي
كان يعمل مدرسا بمعهد الدفاع الوطني أجاب على سؤال «التونسية» (لماذا وقع عليكم الإختيار انتم بالذات دون غيركم والصاق هذه التهمة بكم)؟ بالقول: «يجب ان ننظر إلى مسالة براكة الساحل باعتبارها امتدادا لسعي بن علي إلى تصفية المجموعة العسكرية التي كانت تنوي استباقه إلى القيام بانقلاب على بورقيبة يوم 8 نوفمبر 1987.. فكان ان سبقهم هو بعد أن بلغته المعلومة وقام بالإنقلاب رفقة «أعضاده» واستلم الحكم يوم 7نوفمبر.. .المجموعة عسكرية ولكن اطلق عليها اسم المجموعة الأمنية وكانت تضم 60 شخصا ما بين ضابط وضابط سام وثبتت ادانتهم لأنهم كانوا على صلة بحركة «النهضة».
والحقيقة أن بن علي كان لديه هاجس أمني كبير، بحكم الظروف التي كانت تمر بها البلاد حيث كان يقود حربا على الإسلاميين بسبب صعود نجم «النهضة» بعد خروج رموزها من السجن ومشاركة الحركة في انتخابات عام 1989، وقتها كان بن علي على قناعة بان «النهضة» أضحت تمثل تهديدا حقيقيا لحكمه.. ولذلك اؤكد والتاريخ سجل هذا، ان بن علي وفي إطار حربه على «الإرهاب» بدأ عملية تصفية كاملة ضد المؤسسة العسكرية حيث امر بطرد مجموعة لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد ولا يملكون حتى خلفية سياسية فقط لهم قرابة دموية بأحد الإسلاميين أو ان زوجته تلبس الحجاب أو انه شوهد وهو يصلي.. .كل هؤلاء أحالهم على التقاعد المبكر..
لم يكتف بن علي بتوجيه هذه الضربة إلى المؤسسة العسكرية، بل أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، فيظهر أمام بقية الدول الغربية بكونه يحارب «الإرهاب» ليوجه ضربة كبيرة للعسكريين ول«النهضة» معا ويرتاح منهما إلى الأبد ليخلو له الجو.. فكان ان افتعل هذه القضية بمساعدة القلال ومن معه بعد اقل من شهر من مغادرة هذا الأخير لوزارة الدفاع وتسلمه مقاليد وزارة الداخلية.. . حتى ان الإنطباع الرائج وقتها ان القلال اخذ معه قائمة العسكريين من الوزارة قبل ان يخرج من الدفاع.. والغريب والمريب ان القائمة ضمت العسكريين ذوي الكفاءة العالية والإستقامة المثالية والشعبية الواسعة داخل صفوف الجيش.. وهي مواصفات ومقاييس بنى عليها بن علي والقلال القائمة.
يعود العقيد بذاكرته إلى ايام الرعب والظلم والقهر ويقول دون ان تتغير نبرات صوته وهو العسكري الذي علمه الجيش رباطة الجأش والصبر: «في البداية، لم يكن أحد منهم يتصور ان تصبح المسالة قضية كبيرة بهذا الحجم، «بعد ما عملو العملة ووحلو فيها» فكان لابد من الإعتذار عن خطئهم وهذا ما فعلوه مع الذين اطلق سراحهم بعد فترة وجيزة».
هل تذكر من عذبوك بالإسم ؟؟؟
- بالرغم من مرور اكثر من عقدين من الزمن وبمرارة في القلب لا في الحلق، اعطيك اسماء الجلادين : زهير الرديس وهو محافظ شرطة شهر «دزو» وعبد الرحمان القاسمي وهو محافظ شرطة ايضا وشهرته «بوكاسا» . لقد مارس علي هذان المحافظان الوانا من العذاب طيلة 49 يوما من الحجز غير القانوني.. بالليل كما بالنهار كانا يعذبانني وكنت صامدا صابرا بالرغم من هول ما رأيت وما احسست.. ثم تم وضعي بعد ذلك في زنزانة عزل بالطابق الرابع من مصالح أمن الدولة..
هل كانوا يمدّونك بالطعام ؟؟
- وأي طعام؟؟ كانوا يضعون لي الطعام في «حكة طماطم فارغة» ويقصّون قارورة الحليب إلى نصفين ويمدون لي الحليب في أحد النصفين وفي بعض الأحيان يكتفون باعطائي سندويتش فقير..
أخجل من سؤالك عما كنت تحس به طيلة الأيام والليالي وقتها ؟؟
- ايه ايه.. .كانت صدمة كبيرة وثقيلة فبعد 25 عاما من الخدمة والوفاء للوطن والإخلاص لبلدي اجد نفسي وأنا على ابواب تسمية جنرال، في زنزانة بتهمة كيدية لا ذنب لي فيها.. .
ولكن لماذا وقع الإختيار عليك انت دون غيرك ؟؟؟
- (مبتسما) لتوفر المقاييس فيّ من جهة ولأني من اصيلي قابس يعني انا وراشد الغنوشي «أولاد بلاد».. ثم انا اؤدي فرائضي الدينية منذ صغري باعتبار انني ترعرعت صلب اسرة محافظة . حتى ان القلال قال لأحد مساعديه وقتها «إذا وصلت «النهضة» للحكم ستعين الغيلوفي وزيرا للدفاع».
بعد هذا العذاب والظلم، كيف عشت يوم 14 جانفي 2011 ؟
- في البداية لم اصدق وانا اتجول بين القنوات بحثا عن تاكيد لهروب بن علي، ثم لما خرجت إلى الشارع ورأيت التونسيين وهم فرحون مبتهجون شاركتهم التعبير عن الفرحة.. ولكني بكيت بمرارة كما لم ابك من قبل.. وحمدت الله انه انصفنا في الدنيا قبل الآخرة.. لقد دعوت الله تعالى طيلة عقدين أن أشهد نهاية بن علي وسقوطه وهو ما تم لي ولله الحمد..
لقد حكم عليّ بالسجن لعام ونصف وعائلتي لم تكن طيلة الفترة الأولى تعلم عني شيئا. كل ما قاله لها المسؤولون اني سافرت في مهمة ووصلت اسرتي اخبار عن وفاتي وحتى المحامون لم يتمكنوا من الوصول الي ولم يكن هناك ادنى تهمة صحيحة.. لقد ضحى بنا بن علي والقلال وجماعتهما حتى يثبتوا ان هناك محاولة انقلاب بالفعل وكنت المتهم بقيادة هذه المحأولة وقد عملت في وقت من الأوقات مع البعض من الزملاء فيما كان البعض الآخر من تلامذتي المميزين..
ومما حز في نفسي، أن الجنرال محمد الهادي بن حسين كان وقتها رئيسا للأركان ووافق على تعذيبنا بل انه هو الذي سلمنا إلى الداخلية لتمارس علينا طقوسا غريبة من التعذيب، والغريب انه قال في شهادته أمام القاضي بانه لم يكن يعلم شيئا عن القضية والحال انهم اعتقلوا مساعديه المباشرين معنا، فهل يعقل ان يكون خالي الذهن حتى في ما يتعلق بمساعديه المباشرين امثال العقيد منصف الزغلامي والمقدمين علي الحاجي ومحمد احمد؟؟؟
لقد تخلى الجنرال بن حسين هو ومدير الأمن العسكري عن مسؤولياتهما تجاه عسكريين تحت امرتهم ثم لما اعتذرت الداخلية، واصل الإثنان ظلمهما لنا وتخليا عنا ولم يرجعا أحدا إلى سالف عمله..
كيف قضيت أشهر سجنك ؟؟؟
- قضيت عاما وشهرين في سجن 9 افريل مع بقية المجموعة التي لم يقع اطلاق سراح افرادها، كنا 40 ضابطا منهم 4 ضباط سامين في نفس الغرفة التي لا تتسع لأكثر من 30 شخصا كنا كالعائلة الواحدة. وبعد محاكمة الإسلاميين عام 1992 حوكمت مجموعة «براكة الساحل» مع بقية المتهمين المدنيين الإسلاميين ومنهم علي العريض والصادق شورو.. ظللت الوحيد الذي لم يحاكم ثم تم وضعي مع سجناء الحق العام بعد ان كنت معززا مع زملائي وتلاميذي من الضباط الذين كانوا يكنون لي كل احترام وتقدير.. قضيت 4 اشهر مع سجناء الحق العام في ظروف ماسوية رايت فيها اهوال السجن من تعاطي المخدرات وغيرها من الحالات الغريبة.. والأكيد ان المعاناة الحقيقية عاشتها عائلاتنا التي كانت تزورنا وترسل لنا القفة مرة كل يومين وما يستوجبه ذلك من متاعب ومصروف. اما نحن فكنا كالحديد في صلابته.. وانا شخصيا كنت قويا حتى يوم حوكمت لم اكن ضعيفا بالرغم من ان هناك من قال لي ان الحكم جاء مكتوبا بقلم الرصاص.. .اي انه جاء من فوق.. وقد احتسبوا مدة سجني بالضبط.. 18 شهرا من العذاب والتعذيب والتنكيل بالزي العسكري وبالتالي بالكرامة العسكرية عامة.. تهمتي كانت الإنتماء لتنظيم غير مرخص فيه اي لحركة «النهضة».. بعد اسبوع من محاكمة كانت مهزلة باتم معنى الكلمة لم تستغرق سوى دقائق قليلة، تم الإفراج عني.
كيف عاشت اسرتك ايام سجنك ؟
- هذا هو الجرح الحقيقي (كان يكابد دمعة أبى أن يسكبها وكنت له من الشاكرين لذلك فابطال التعذيب لن يهنؤوا بدمعه) ما آلمني في الصميم انهم اضاعوا على ابنائي دراستهم بالرغم من انهم كانوا من المميزين والأوائل في معاهدهم وجامعاتهم وكانوا مصدر فخري في أيام سجني ولياليه التي لا تنتهي.. فقد ضايقوهم ومنعوا عنهم المنح الطلابية ورفضوا السماح لهم بمواصلة الدراسة للحصول على الماجستير بالرغم من نتائجهم الممتازة واستجابتهم للمقاييس المحددة حتى أنهم كانوا ينجحون في مناظرات الإنتداب الكتابية ثم يتم اقصاؤهم في الإمتحانات الشفاهية.. ومنعوا عنهم الدخول للوظيفة العمومية في ما بعد والحمد لله انهم وجدوا من يقدر مستواهم العلمي حيث انتدبتهم مؤسسات في القطاع الخاص.
متى اطلق سراحك وانتهى على الأقل حبسك ؟
- بعد مهزلة المحاكمة يوم 5 نوفمبر 1992 في حدود العاشرة ليلا حملوني إلى فرقة الإرشاد الأمني والتتبعات حيث تم استجوابي مرة اخيرة ثم اطلق سراحي حوالي العاشرة في باردو حيث ركبت سيارة اجرة وقد استرجعت ما قيمته 15 دينارا كانت بحوزتي عند ايقافي.. .
ووصلت إلى البيت..
- وصلت إلى داري بقرطاج فتحت لي زوجتي الباب وصاحت وأغمي عليها.. وحضر الأولاد وكانت لحظات سعادة قصوى ظللنا نبكي ونبكي ونبكي.. كان موقفا رهيبا بكل المقاييس.. ظللت طيلة الخمس سنوات الأولى في صدمة نفسية متواصلة خوفا من تكرر القضية وعودة الأمن لاعتقالي وظلت صورالتعذيب تغتالني كل لحظة حتى اني لم اكن انام كبقية الناس.. ولم اخبر عائلتي عن اهوال التعذيب التي أذاقني إياها جلادو القلال وبن علي بتواطؤ من القيادة العسكرية انذاك..
اصبت بمرض السكري وضغط الدم واستأصلت المرارة. اما الأثار النفسية فلم ولن تمحى.. .كنت محروما من النوم العميق لمدة عقدين وكان خوفي على عائلتي اكبر من خوفي على نفسي.. خاصة بعد الذي عشته.. .بعد الثورة تغيرت الأحوال وانزاحت الغمة عن قلوبنا ونحن اليوم في معركة حقيقية من أجل استرجاع حقوقنا ورد اعتبارنا ذلك ان بعضنا بقي سنوات عديدة بلا مرتب وبلا حتى منحة تقاعد ويعلم الله كيف تمكن من اعالة أسرته».
العقيد المتقاعد المنصف الزغلامي (رئيس جمعية انصاف):دار لقمان على حالها
وهو الذي ذاق الوانا من التعذيب الذي لا يقدر على تحمله البشر، فضل ان يتحدث عن سعي الجمعية لإنصاف العسكريين المظلومين فقال: «نحن نطالبأولا برد اعتبار العسكريين وقد كان رئيس الدولة قد كرم أغلب عناصر مجموعة «براكة الساحل» ولكن حركته تظل منقوصة لأن التكريم لم يتم بالزي العسكري الذي اهين وذلك سعيا منا إلى الحفاظ على حرمة الزي الذي انتزع منا بلا ذنب .
قضائيا، قدم 17 من جملة 244 عسكريا قضايا في التعذيب تم النظر فيها وقد بلغت مرحلة التعقيب.. .ولكن من الغريب والعجيب ان جريمة التعذيب لم يقع التنصيص عليها بل حكمت المحكمة على اساس مجرد جريمة عنف اعتمادا على فصل قانوني غير معقول بالرغم من ان تونس صادقت على معاهدة مناهضة التعذيب عام 1988 وبالتالي كان بالإمكان الإعتماد والرجوع إلى هذه المعاهدة..
ثم من الإخلالات المتعلقة بالقضية انه لم يقع استدعاء القيادة العسكرية الفاعلة وقت «الجريمة» أمام القاضي كمسؤولين عن تسليم الضباط إلى الداخلية قصد تعذيبهم، وانما تمت دعوة القيادة العسكرية كشاهدين فقط.. ولم يستمع اليهم القاضي في قاعة المحكمة بل في مكتبه وبالتالي لم تتم المكافحة بينهم وبين العسكريين المظلومين .
ونحن نعتبر ان تصريحاتهم حول القضية بينت انهم لم يكونوا في مستوى مسؤولياتهم أي أنهم تهربوا من مسؤولياتهم للأسف الشديد وتم اعتبار الجرائم التي ارتكبت في حقنا مجرد عنف.. فعن اي عنف يتحدثون ونسبة السقوط لدى أغلبيتنا وصلت إلى 50 بالمائة واقل نسبة فوق 20 بالمائة ؟؟؟..
والثابت ان القضاء العسكري لم يكن قضاء مستقلا وهو خاضع لسلطة وزير الدفاع على الأقل من حيث المبدإ.
ماهي مطالبكم اليوم بالضبط ؟
- نحن نطالب اليوم بالتعجيل باسترداد حقوقنا المغتصبة وجبر الأضرار المادية والمعنوية خصوصا بعد صدور قانون العفو العام . لقد اقترحنا منذ عام 2011 على رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس التاسيسي ورئاسة الحكومة اجراءات رد الإعتبار والتسوية المادية في ادق تفاصيلها.. ولم يصلنا الرد لا سلبا ولا ايجابا مما يقيم الدليل أن الجميع مهتمون بامور اخرى وان ملفنا مهدد بالنسيان.
وفي الأخير ، ماهي حكاية «براكة الساحل» في الواقع لا كما حاكها رجال بن علي وبقية «الشلة» ؟
- كل ما في الأمر ان الملازم الأول فتحي عميرة المتزوج حديثا وقتها كان يسكن استوديو ودعا يومها صديقه الملازم الأول جمال ميهوب واكرم ضيافته.. ومن هنا جاءت الحكاية حيث اعتقل البوليس الملازم الأول عميرة وتحت التعذيب ذكر أول الأسماء التي جاءت على باله..
بالعودة إلى وزارة الدفاع، هل لا تزال إلى اليوم مصرة على عدم الإعتراف بكم ؟
- صدر مؤخرا قانون تفعيل العفو العام وهو ينص على تعيين الوزارات لجانا تتولى ضبط القائمات الإسمية للمظلومين واجراءات التسوية للرجوع إلى العمل مع جبر الأضرار.. كل ماجاء في هذا القانون ننتظر أن تفعله وزارة الدفاع ونحن عبر جمعيتنا ننوب عن العسكريين ونطالب بإعادة الشباب والكهول منهم إلى العمل بالرغم من رفض الوزارة لهذا الإجراء.
ونطالب الوزارة بتشريك الجمعية في اعداد التصور العام والمفصل للتسوية الشاملة.
وهل يلائمكم تفعيل اجراء العودة للعمل اليوم ؟
- من حيث المبدا يطالب العسكريون باعادتهم إلى العمل خاصة ممن لم يصل إلى سن التقاعد. لكن من حيث الواقع لا يمكن الحديث عن رجوعنا إلى العمل بعد عقدين واكثر من الركود. هناك عوائق بدنية واخرى تقنية. لم نعد على علم بأحدث التكنولوجيات في عالم السلاح مثلا.. في هذه الحالة نحن نطالب باحالتنا على التقاعد العادي والكامل مع اتخاذ الإجراءات اللازمة وتسوية المسار المهني يعني احترام التدرج في الرتب مثلما هو مشار اليه في القانون.
بعد سنتين من الثورة، وفي ظل تواصل نسيانكم، كيف تنظرون إلى وضعكم ؟
- يسيطر علينا الإحباط فدار لقمان لا تزال على حالها بعد ان كنا استبشرنا بالثورة.. .لا يزال عسكريو مجموعة براكة الساحل في تونس الثورة يعانون من ويلات المصاعب المادية ويكابدون ظروفا قاسية على مستوى المعيشة اليومية ولا يزالون في انتظار التسوية واستعادة الحقوق..
لدينا حوالي 90 عسكريا من مختلف الرتب محرومون من الرواتب ومنح التقاعد منذ اكثر من عقدين والبقية يعيشون على ايقاع تسوية جائرة منذ عام 1991.. المظلمة مستمرة ونضالنا مستمر.
ولكن الرأي العام لا علم له بمعاناتكم؟
- نحن نؤمن بالإنضباط الذي يحكم القواعد العسكرية.. فلم نجنح إلى الإعتصامات والمظاهرات ولغة التنديد والوعيد. اخترنا طريق القضاء علنا نستعيد حقوقنا القانونية والشرعية وبالرغم من ان بعض العسكريين الشباب ممن عانوا الظلم والقهر يتهددهم الإنسياق وراء التطرف المتشدد إلا أننا في إطار الجمعية نعمل على حمايتهم من الإستقطاب الخطير الذي يحوم حولهم..
ولكننا لا نستطيع ان نظل ممسكين بهم إلى ما لا نهاية.. ان كلامهم معنا منطقي ولكننا نرفضه ونرده عليهم.. فتونس وطننا ونحن متمسكون بمطالبهم التي هي مطالبنا بالأساس، ولكن للصبر حدود خاصة وان الجميع مسؤولون عن عائلاتهم ولا موارد لهم تقيهم الخصاصة.. ان الضغط الذي تمارسه بعض الأطراف علينا يشكل تهديدا حقيقيا على أمن تونس واستقرارها ولولا حبنا لوطننا وصبرنا على تواصل المظالم لحصل ما لا تحمد عقباه ولكننا صابرون صابرون..
أما العسكريون الشباب الذين ظلمهم العهد السابق ثم تمت دعوتهم لتعزيز صفوف الجيش الوطني بعيد الثورة ثم اعادوا الإستغناء عنهم ثانية بعد فترة فقد وجدوا الأبواب مغلقة في وجوههم فلا الداخلية اعترفت بهم ولا وزارة «الدفاع» استرجعتهم.. هؤلاء مهددون يوميا بالإنسياق وراء التيارات المتشددة المتطرفة.»
وفي ختام هذا اللقاء أبدى هؤلاء الضباط رغبتم في التوجه من خلال «التونسية» وباسم كافة ضحايا «براكة الساحل» إلى اصحاب القرار كرئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الحكومة ووزير الدفاع الوطني ورئيس أركان الجيوش أن يولوا قضيتهم الأهمية اللازمة لتقع تسويتها في أسرع الآجال خاصة ان الإطار القانوني متوفر اليوم.
وهم يطالبون اليوم وزارة الإشراف بتشريكهم اوعلى الاقل بتمكينهم من ابداء الرأي في إطار عمل اللجنة المكلفة بإعداد عناصر التسوية الشاملة ليتسنى غلق ملف قضية «براكة الساحل» نهائيا. والثابت أن الملف سيغلق مثل بقية الملفات لكن جراح العسكريين ستظل تنزف كلما تذكروا عذابات العهد البائد، فهلا ساعدناهم على طي صفحة الماضي الكئيب؟؟؟؟
إعداد: صباح توجاني تصوير: نبيل شرف الدين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.