وفاة رضيع بعد تعذر حصوله على علاج: والدة الضحية تروي تفاصيل الساعات الأخيرة وتحمّل المستشفى المسؤولية    من أجل الاساءة إلى الغير ...إيداع قاض معزول .. السجن    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات نقل جوي مع الإمارات    تفرّق دمه بين المصالح الداخلية والإقليمية والدولية .. اغتيال سيف الإسلام ينهي آمال وحدة ليبيا    ملفات إبستين تكشف: كيف نهبت ليبيا قبل القذافي وبعده؟    الصهيانة يغادرون الكيان .. .400 ألف فرّوا منذ 7 أكتوبر    أخبار الشبيبة الرياضية بالعمران ..الفوز مطلوب لتحقيق الأمان    من سُلالة الموهوبين ومن أساطير الملاسين ...وداعا منذر المساكني    باردو ... الإطاحة بعصابة لسرقة سيارات بعد نسخ مفاتيحها    من أجل الاستيلاء على أموال محكوم بها قضائيا ...أحكام بالسجن بين 3 و8 سنوات لعدل منفذ وزوجته    إيقاف 3 أشخاص في حاجب العيون ...خلاف عائلي يكشف عن عملية استخراج كنوز    أيام قرطاج لفنون العرائس .. فسيفساء عرائسية بصرية ملهمة فكريا وجماليا    أحجار على رقعة شطرنج صهيونية ...«سادة» العالم.. «عبيد» في مملكة «ابستين»    تبون: علاقاتنا متينة مع الدول العربية باستثناء دولة واحدة... والسيسي أخ لي    تبون يعطي الضوء الأخضر للصحفيين: لا أحد فوق القانون ومن لديه ملف وأدلة ضد أي مسؤول فلينشره    داخل ضيعة دولية بالعامرة .. قصّ مئات أشجار الزيتون ... والسلط تتدخّل!    تأسيس «المركز الدولي للأعمال» بصفاقس    المهدية ...بعد أول تجربة في تطبيق آليّة سحب الوكالة ... المجالس المحليّة.. بين القانون والمُمارسة الواقعيّة    عاجل/:وزير التجارة يشرف على جلسة عمل حول آخر الاستعدادات لشهر رمضان..وهذه التفاصيل..    تفاصيل محاصرة وايقاف مهرب بجهة السيجومي..#خبر_عاجل    رقم صادم: 57 % من حالات العنف تقع داخل أسوار المؤسسات التربوية    في مثل هذا اليوم من سنة 2008...ترجل أيقونة الفكر في تونس مصطفى الفارسي...    يهمّ كلّ تونسي: كيفاش تكنجل المواد الغذائية...معلومات لازمك تعرفها    بطولة الرابطة المحترفة الاولى (الجولة20-الدفعة1): النجم يفوز في "دربي الساحل" و الحماس يشتد في اسفل الترتيب..    الجولة 21 لبطولة النخبة لكرة اليد: سبورتينغ المكنين يهزم النجم ويقترب من البلاي اوف    منخفضات جوية عاصفة تضرب شرق المتوسط ابتداءً من 12 فيفري    النجمة الزهراء: تأجيل المؤتمر العلمي الدولي "رجال حول البارون"    سياحة طبيّة واستشفائية: تونس "نموذج افريقي" مؤهل لتصدير خبراته في مجال ملائم للتعاون جنوب-جنوب    مدينة صفاقس تحتضن الصالون الوطني للتمويل 2026 من 9 الى 12 فيفري    إعادة تسخين الطعام أكثر من مرة عملية مضرّة بصحّة الإنسان (مختصة في سلامة الأغذية)    كاس تونس : نتائج الدفعة الاولى من مباريات الدور التمهيدي الرابع    العراق: استلام 2250 عنصرا من "داعش" من سوريا يحملون جنسيات مختلفة    إيران تتوعد بالرد على أي هجوم من الولايات المتحدة بضرب قواعدها في المنطقة..#خير_عاجل    مُقلي ولّا في الفرن...مختصّة تحذّر التوانسة من البريك...علاش؟    عميد البياطرة: ''اجعل غذاءك دواءك''    باردو: عامل بمحطة غسيل سيارات ينسخ مفاتيح الحرفاء ثم يستولي على سياراتهم ويفككها    الفيديو أثار ضحة: صانعة محتوى تحاول الانتحار في بث مباشر..ما القصة؟!..    وفد عن لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس الجهات والأقاليم يزور جندوبة    عاجل/ تنبيه لمتساكني هذه المناطق: لا تيار كهربائي غدا..    عاجل/ العثور على جثة امرأة بهذه المنطقة..    ملتقى فرانكونفيل لالعاب القوى بفرنسا - التونسية نورهان هرمي تحرز المركز الثاني لمسابقة الوثب الطويل    ويُغيّر إسمه: مغنّي راب بريطاني يعتنق الإسلام    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    الترجي الرياضي - الملعب المالي: من أجل الانتصار وافتكاك الصدارة    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    انفراج مرتقب في النقل: دفعة أولى من الحافلات ترسو بحلق الوادي    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المنتدى الاجتماعي وعمق الأزمة المالية والاقتصادية العالمية
نشر في الشعب يوم 09 - 10 - 2010

تؤكد التطورات الأخيرة عمق الأزمة و دوامها، وبخاصة طابعها النظامي ليست س أزمة قصيرة الدورة (periode) .
تتطابق الأزمة المالية مع أزمة تراكم إنتاج عامة وتفاقمها. وبالتدريج يقلص شلل الائتمان) القروض (النشاط الاقتصادي. وانتشرت الأزمة بالعالم برمته. وتضاهي حجم أزمة 1929، لكنها تختلف عنها بطابعها الشمولي. نمط الإنتاج الرأسمالي ممتد إلى مجمل الاقتصاد العالمي. وقد شكلت العولمة الرأسمالية سوقا عالمية للسلع، وفرضت حركة »إعادة تسليع« معممة وخلقت شروط سوق عالمية لقوة العمل. تكتسي هذه الأزمة إذن طابعا عالميا شاملا. و مكوناتها عديدة :
أزمة اقتصادية، وأزمة مالية وبنكية، وأزمة غذائية، وأزمة طاقة ، وأزمة مناخ. وقد مثل المنتدى الاجتماعي في بيليم، في ماي 2009، التعبير الأكثر سطوعا عن امتزاج أزمة اقتصادية بأزمة بيئية. كان ثمة سعي إلى قصر منتدى بيليم على البيئة، لكن الأزمة الاقتصادية طبعت في الواقع هذا المنتدى بطابعها.استبد الخوف بالطبقات السائدة وبكل »الخبراء« فلا نموذج بديل لديهم.مناقشة سيناريوهات مختلفة لكن أيا من الخبراء لا يرى مخرجا من الأزمة. ويتأملون انتعاشة »رخوة« نهاية 2010 أو سيناريو أزمة من الطراز الياباني : انكماش اقتصادي يدوم عشر سنوات، لكن لا أحد يجرأ على التنبؤ بمخرج من الأزمة الراهنة. وبخلاف أزمة 1929، تدخلت الحكومات والسلطات العامة لاحتوائها. و تقوم أنظمة الحماية الاجتماعية بعدة بلدان بدور مخفف لحده الأزمة... لكن، إلى متى؟وطبعا ليست هذه نهاية الرأسمالية، لأنه طالما انعدمت بدائل، أي حلولبديلة للرأسمالية قادرة على فرض نفسها، ليس ثمة »وضع بلا مخرج« بالنسبة للنظام . فبإمكانه دوما خلق هوامش جديدة لنفسه . بوسع الرأسمالية أن تعيش وتبقى مع أزماتها، و اضطراباتها، وتراجعاتها. ما من نزعة كارثية إذن، لكننا نرى حاليا بجلاء أن النظام بلغ حدوده، وأن الكلفة الاجتماعية، والاقتصادية والبيئية لأزمة الرأسمالية تضع على جدول الأعمال الخروج من هذا النظام، بالإصلاح والتجاوز بنظر البعض، وبالقطيعة والإطاحة بنظر المخالفين للرأسمالية. انه منعرجا تاريخيا: يكون ثمة ما قبل هذه الأزمة وما بعدها.إننا إذن إزاء أزمة عميقة وطويلة.
❊ 2) الأزمة المالية والبنكية مستمرة
المنتجات »السامة« أصابت النظام بالتسوس .يجري الحديث عن »بنوك مزابل« للتخلص من كل المنتجات المالية السامة، لكن نقص معرفة حدود انتشارها يحول دون القرار بشأن ثمن شراء هذا المنتوج أو ذاك، وبالتالي تتراجع الحكومات، كالولايات المتحدة الأمريكية، أو تخشى إطلاق آليات تزيد إبراز ضخامة الديون المتعذر الوفاء بها . وتواصل الفراديس الضريبية عملها (paradis fiscaux) وتحول عتمة الأسواق المالية دون إرساء آليات رقابة جديدة فالبورصات مسئولة أيضا. ويقل باطراد ما تمنحه البنوك من قروض. ويتعذر ضمان قروض الدولة ومساعداتها وتمويلاتها بسبب استمرار الشك بوضع البنوك. وحتى موازنة قروض الدول تواجه مصاعب . وقد جرى إعلان الاستنفار في ألمانيا في ديسمبر الأخير.. وثمة دول في حالة إفلاس مثل ايزلندا. والوضع حرج في اليونان وهنغاريا وباكستان واسبانيا وليتوانيا و الامتحان الأخير للبنوك في المجموعة الأوروبية لم يمس سوى 23٪ من صدمة افتراضية . وقد تؤدي حالات جديدة من إفلاس البنوك إلى مزيد من إغراق النظام) أكثر من 100 بنك أعلنت عن إفلاسها في الولايات المتحدة إلي حد كتابة هذا المقال)، وليس المالية العامة قابلة لمد الإعانة إلى ما لانهاية ما عدا الإفراط في إصدار الأوراق النقدية. وآنذاك ندخل طورا جديدا من الأزمة... تدخل ستراوس كان(FMI - Strauss Kahn) من صندوق النقد الدولي لطلب مساعدة أكبر من الدول للبنوك بقصد إعادة إطلاق الائتمان، ُمبديا أسفه لعدم ارتقاء تمويلات الدول أو الدولة إلى مستوى ما تقتضيه الأزمة. ثمة إذن حدود في قدرة الدول على الوفاء بالديون وفي انفجار الدين. في هذه المرحلة لدى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها،بفضل دور الدولار كعملة عالمية، وسائل مواصلة سياستها للتداين.تعممت أزمة فائض الإنتاج التي كانت قائمة في بعض القطاعات قبل الأزمة المالية والبنكية. يعيش الاقتصاد العالمي حالة انحسار. تتراوح توقعات النمو العالمي حول 0.5٪ وهي سلبية فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الاتحاد الأوربي. ونشهد تدني الإنتاج الصناعي: 9٪ بالولايات المتحدة الأمريكية، و9.8٪ باليابان. وتغلق آلاف المؤسسات أو تسرح عمالها . وتطال الأزمة كل القطاعات بالتدرج. وثمة 9.5٪ من العاطلين بالولايات المتحدة الأمريكية، أي 14.5 مليون عاطل. وحسب تقرير لكريستينا رومر و جاريد بيرنشتاين) مستشارا أوباما في الاقتصاد (قد تدمر من 3 إلى 4 مليون فرصة عمل إضافية. وتطالب شركتا جنرال متورز و كريزلر بعشرات المليارات من الدولارات كي لا »تغرق« وبلغت التوقعات بشأن البطالة مستويات مذهلة: أكثر من 30 إلى 50 مليون عاطل بالنسبة لبلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين (OCDE) انه تدفقا حقيقيا. وستتواصل عمليات إلغاء فرص العمل وتتزايد البطالة وترتفع، علي الأقل خلال سنوات 2009 و 2010و يمكن بلوغ نسب بطالة هي الأكبر منذ سنوات 1930.الأزمة عالمية . لم تتأكد فرضية عدم تقارن أزمة البلدان الرأسمالية المتقدمة مع الوضع بالبلدان الصاعدة، لا سيما الصين، انخفض النمو بالصين من 11٪ إلى 7٪ وانخفضت الصادرات بنسبة 2.2٪ في نوفمبر و بنسبة 2.8٪ في ديسمبر حسب أرقام الجمارك الصينية. وتقلصت الواردات بنسبة 21.3٪ وأغلقت آلاف المؤسسات في إقليم شنغهاي وأصبح مئات آلاف الصينيين، لا سيما ملايين العمال المهاجرين، عاطلين عن العمل. تدل نسبة 7٪ من النمو على قوة اقتصاد الصين. لا بل ستؤكد الأزمة الميول إلى انتقال مركز ثقل الاقتصاد العالمي نحو البلدان الصاعدة ، لكن هذا الاقتصاد يظل تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا . وأكثر من ذلك، ستدفع هذه الأزمة النظام الصيني إلى إبلاء الأسبقية لتطور سوق داخلية ستكون أيضا متوقفة كثيرا على النضالات السياسية والاجتماعية، حتى داخل الحزب الشيوعي الصيني. .. لكن هل يستطيع اقتصاد الصين أن يمثل قاطرة الاقتصاد العالمي، في هذه الأزمة، ومالاجتماعية »عالمي بديلا عن البلدان الرأسمالية المتطورة ؟ ليس ثمة لحد الساعة ما يدل على ذلك. لا سيما أن بلدانا مثل روسيا والهند بدأت تغرق في الركود.
❊ 3) مني »النموذج« النيوليبرالي بهزيمة تاريخية
انفجر إجماع واشنطن. و ُمنيت الطبقات السائدة والحكومات النيوليبرالية أو الاشتراكية الليبرالية بهزيمة سياسية وإيديولوجية. كان ثمة تماسك نيوليبرالي: الخصخصة، المرونة،هشاشة التشغيل، تفكيك القوانين. هذا التماسك متصدع اليوم. لكنهم لم يمنوا بالهزيمة السياسية بعدُ. فبعيدا عن الانخراط في استبدال للسياسة أو الاتجاه، تقوم سياستهم على »الصمود«، ومزاوجة الإطار النيوليبرالي بجملة إجراءات أو تدابير »صمود« على أمل ... أن تتوقف الأزمة و ُتستأنف الأعمال! علاوة على أن الرأسماليين يستعملون الأزمة لإعادة هيكلة المؤسسات، للتقدم في عملية تركيز- اندماج المؤسسات، بقصد مواصلة الضغط على الأجور... ثمة إذن تغيرات، وخطابات جديدة، وإجراءات إنقاذ أو إنعاش جزئية لكنها لا تمس الخط العام.
1.3 هل ثمة منعطف كنزي؟
قد يكون ثمة في السياسات النيوليبرالية حقن بجرع كينزية، نسخة من الكينزية الباهتة، ، لكن ما من انعطاف كنزي جديد. لا ريب أن ثمة نزعة تدخل جديدة للدولة في الاقتصاد، في إنقاذ البنوك، وفي سياسات تركز على إعادة هيكلة صناعية ومالية. انه تغير قياسا بكل الخطاب الليبرالي المفرط أقول ثم أقول من الدولة) لدى ريغان وتاتشر)، لكن يجب ألا ُينسى أن الدولة هي من فكك القوانين و ساهمت بالقسط الأوفر مما نحن فيه اليوم، من خصخصة، وتدمير المكاسب الاجتماعية. يجب ألا ُيخلط الخطاب بالواقع: لم تشهد الدولة غيابا قط مثل ما فعلته بداية من التسعينيات و كان منظرو الأحزاب الحاكمة تنادي بتخلي الدولة عن كل شيء إلا الأمن. و غاية الدولة اليوم التدخل لإنقاذ النظام الرأسمالي، وليس بأي حال بناء »الدولة الاجتماعية« الدول لم تتدخل للدفاع عن الطبقات الشالأزمة،ما يقول باول كروغمان ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وملهم يسار الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة: »لنكن واضحين، إنها ببساطة اشتراكية زائفة: تشريك الخسائر وخصخصة الأرباح«. بل أقول تحميل الطبقات الشعبية مسؤولية الخسائر، لا معنى للنقاش حول الكينزية إلا باعتبار مجموع الإحداثيات الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية. إنه ليس نقاشا حول هذا الإجراء الاقتصادي أو ذاك.ليس المقصود هنا، من زاوية النظر هذه، رؤية »رومانسية« للكينزية، لكن ما أبعد الوضع الراهن عن سياسات منتصف سنوات 1930 وختامها بالولايات المتحدة وأوربا بعد الحرب. لم يكن اختيار السياسات الكينزية خيار بناء اقتصادي اجتماعي بعد نقاش إيديولوجي داخل الطبقات السائدة، بل فرضه ميزان قوى، أي صعود نضالات عمالية بالولايات المتحدة تطلب منعرجا للسياسات العامة وتلك الخاصة بالأجور. لكن انتشار السياسات الكينزية جرى بوجه خاص، على قاعدة اقتصاد التسلح، والحرب و ميزان قوى مرتبط بحركات اجتماعية وسياسية استثنائية فرضت »المساومات الاجتماعية« لما بعد الحرب. إن الخراب الناتج عن الحرب استدعى عمليات إعادة البناء وخلق شروط انطلاق جديد. إنها إذن أحداث بحجم استثنائي في فترة إستثنائيه. والحال أن المثير هو التفاوت بين عمق الأزمة ، وخطابات هؤلاء وأولئك حول ضرورة »إعادة بناء الرأسمالية« من جهة والأفعال من جهة ثانية. قد ُتتخذ قرارات رمزية تسقيف دخْل بعض المسيرين في البنوك والبورصات بالولايات المتحدة الأمريكية، أو حضور ممثلين للحكومة البريطانية في مجالس إدارة البنوك الانجليزية- لكن لا إغلاق للفراديس الضريبية(PARADIS FISCAUX) ، ولا معايير مالية جديدة أو رقابة فعلية على الائتمان لإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي بحجة أن السوق حساس. و ثمة إجراءات كانت ممكنة تقنيا وماليا لكن لم ُتعتمد. يشهد على ذلك مثلا تصريحات جيسكار ديستان (في اللوموند 12 ماي 2009) علي أن الحكومات والمؤسسات الدولية لم تقدم بعد على تطبيق معايير مالية جديدة، ومساطر رقابة جديدة، وقوانين جديدة (short sellings) تقنين) مثلا ، هذه المنتجات المالية التي تباع بينما هي غير مملوكة) لكن ما يتعين التأكيد عليه، في مستوى جوهري أكثر، هو أن كل خطط الإنعاش تعتبر ذات بعد صغير و صغير جدا. ثمة فروق بينها : الخطة الفرنسية لا تتجاوز 1.5٪ إلى 2٪ من الناتج الداخلي الإجمالي. بينما تمثل خطة اوباما ،البالغة 787 مليار، أكثر من 5٪ من الناتج الداخلي الإجمالي، وهذا أمر أكثر دلالة. لكن يجب ربط هذه الخطة بعمق الأزمة الأمريكية . حسب كريستينا رومر و جاريد بيرنشتاين، مستشارا اوباما في الاقتصاد، لن تتمكن هذه الخطة من احتواء البطالة سوى بنسبة 7٪ 7.5٪ في نهاية 2010 أي أكثر قليلا من معدل البطالة الراهن بدل 8.8٪ المتوقعة في حال انعدام الخطة. علاوة على أنه جرى، بضغط من الجمهوريين، خفض حصة النفقات العامة بمبلغ 91 مليار دولار، و رفع حصة خفض الضرائب بمبلغ 64 مليار.تدمج الخطط والقرارات الحكومية الأمريكية نفقات عامة جديدة في التعليم والإعانة الاجتماعية وبعض الأشغال الكبرى، لكن يتبين، بإضافة 2000 مليار الممنوحة للبنوك، وخفض ضرائب الأغنياء، ودعم الاستثمار في المؤسسات- لكن تحت أي رقابة؟- وحدود الإنعاش بالطلب، أن ثمة مسافة قبل الخروج من الأزمة. حسب باول كروغمان، لا يمكن إذن لخطة الإنعاش أن تغطي سوى نصف ما هو ممكن من النمو المفتقدة. وقياسا بالنمو المرتقب بحسب قوة العمل وقدرات الإنتاج المتوافرة، لن يكون ثمة سوى نصف النمو الممكن، مما يكلف اوباما منذ الآن نقدا حادا من يسار الحزب الديمقراطي.يشرح مقال تادوس باتو حول العلاقات بين السياسات الراهنة و سياسات كينز [2] كيف انه في نهاية سنوات 1960، كان وزير اشتراكي- ديمقراطي وضع خطة إنعاش كينزية . بلغت تلك الخطة 40 مليار مارك ألماني للاستثمار العمومي. يعادل هذا اليوم 400 مليار يورو. والحال أن الحكومة الألمانية لم تستثمر سوى 50 إلى 80 مليار يورو.جرى في الولايات المتحدة الأمريكية و أوربا الحديث مجددا عن »تأميم« البنوك. لا يمكن نظريا استبعاد »عمليات تأميم برجوازية« للبنوك. أي تأميما »مؤقتا وجزئيا« بقصد إنقاذ النظام البنكي الرأسمالي، لكن يجب ألا نخطأ معنى تدخلات الدولة. لم تكن ثمة في الواقع سوى تدخلات للدولة وإعانات كثيفة لإنقاذ النظام البنكي مع درجة معينة من الرقابة. يوجد بمجالس إدارة البنوك في بريطانيا ممثلون للحكومة. وعندما فكرت الحكومات أو الخبراء في »التأميم« لم يعتبر الأمر سوى إجراء مؤقتا وجزئيا. باختصار المقصود مرة أخرى تشريك الخسائر لإنقاذ النظام و خلق شروط إعادة خصخصة، في نهاية المطاف، وإعادة إطلاق السباق إلى الأرباح. ولم تعد أي حكومة النظر في الخصخصة التي جرت في السنوات الأخيرة. وتأكدت الهجمات على الخدمات العامة، وإلغاء فرص عمل الموظفين تم تدمير النسيج الصناعي بإتباع سياسات مملات من القوي علي الضعيف.إننا هنا أيضا بعيدون عن العلاقات الاقتصادية و السياسية التي سادت إبان عمليات التأميم أو الخدمات العامة لما بعد الحرب.إننا في الأطوار الأولى للأزمة. وقد يؤدي تفاقمها إلى قلب كل السياسات البرجوازية. قد تدفع العقلانية الاقتصادية والسياسية »إلى مزيد من الإنعاش، والتنازلات الأجرية والاجتماعية، ومزيد من النمو الأخضر«، و قد تحدث تغيرات جوهرية في سياسات الطبقات السائدة، بحسب موازين القوى الاجتماعية والسياسية لكن الرأسمالية ليست نظاما عقلانيا، إنها تنافس الرأسمالي الفردية لها مصالحها الخاصة، وشركات متعددة الجنسيات لها مصالحها الخاصة، ودول لها أيضا مصالحها الخاصة... وقد يفضي هذا كله إلى توترات جديدة ومواجهات جديدة. والراجح اليوم في مطلق الأحوال هو المصالح الاجتماعية و السياسية للطبقات السائدة الساعية بكل الوسائل إلى الحفاظ على مصالحها.
3.2، سؤال آخر: »هل بوسع« الرأسمالية الخضراء أن تعيد إطلاق الآلة؟ هل يمكن قيام رأسمالية تتكفل بالمشاكل البيئية و تفتح في الآن ذاته مجالات تراكم جديدة وأسواقا جديدة؟
ثمة بهذا الصدد خطاب بكامله حول بعض مقترحات أوباما : الرأسمالية الخضراء أمر ممكن نظريا. و كما يشير التقارير حول تغير المناخ، المعروض على النقاش, تبدو رأسمالية قائمة على موارد الطاقة المتجددة قابلة للتصور على نحو مجرد، لأن المخزون التقني للطاقات المتجددة يعادل 8 إلى 10 أضعاف الاستهلاك العالمي للطاقة. لكن الانتقال إلى هذه الرأسمالية أو التقنية، انطلاقا من الرأسمالية القائمة فعلا المعتمدة بنسبة 80٪ على الموارد الاحفورية، مناقض كليا لمتطلبات إنقاذ المناخ. يستحيل إعادة إطلاق الرأسمالية الراهنة دون إعادة إطلاق انبعاث الغازات الدفيئة و خاصة ثاني أكسيد الكربون. لا تأخذ الرأسمالية بالحسبان سوى المؤشر الكمي لخفض انبعاث الغازات بينما يستدعي الإشراف على الانتقال مؤشرات نوعية عديدة وهنا يوجد مشكل. سيجري اعتماد تكنول »توقيت«.ة، ورسوم بيئية، وتغيرات في مجال النقل و السكن و عادات الاستهلاك و نمطه. لكن الحديث عن »فوردية خضراء« أو »حل أخضر للأزمة« ينم عن عدم فهم حدود قدرة الرأسمالية على تسوية المشاكل البيئية فالدول التي تترقب من النظام الحالي لحل أزمة التغيرات المناخية أقول) لمن تتزينين يا زوجة فاقد نعمة البصر).
أ) ثمة أولا مشكل »توقيت«الأزمة ماثلة و آنية. و تدني الطلب، وتقلص الائتمان، ومشاكل الميزانية، كلها تحد من نفقات الطاقة الجديدة. والإجابات، حتى من طراز »رأسمالية خضراء« إجابات أمد متوسط وطويل. بينما الأزمة تتطلب إجابات فورية، واستعجاليه ومكونات المجتمع المدني ليس لها القدرة الكافية علي التغيير باعتبار أن الرأسمالية لم تنهزم سياسيا.
ب) لا بد من ربحية كافية. تطرح كلفة التكنولوجية الجديدة والرسوم البيئية مشاكل مردو دية. وهذا يكلف غاليا على نحو فائق بعدة قطاعات. وليس مؤكدا أن تكون مكاسب الإنتاجية في قطاعات الاستثمار الأخضر القوي مرتفعة كفاية ومستدامة لا بد من نسب نمو كبيرة و من الأسواق أيضا. والحال أن الضغوط على الأجور تحد من الأسواق اللازمة لهذا النمو الأخضر...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.