الإهداء: إلى الماسكين بتلابيب آخر بسمة صادقة من القلب ضدّ العبث والغثيان، احتجاجا على آلة الموت الجهنّميّة الشبقة... إلى العابرين في زمن الغياب: الطيّب صالح ومحمود درويش و... كلّ الشموس التي أضاءت سماءنا... ... ليلتها لم ينم... كانت خيالاته قد طوّحت به عبر آلاف السنوات الضوئيّة رأى فيها عبر تهويماته ملايين الرؤوس تقطع لتشاد بها عمارات من الوهم والنسيان... أنصت إلى تراتيل الملائكة و تضرّعات الأنبياء والرسل واستمع إلى سيمفونيات الألم والأنين والشكوى... تسكّع في دروب الحضارات ومتاهات الأزمنة الغابرة... ولكي يتأكّد للمرّة الألف أنّه لم يتفسّخ، واجه المرآة ... كانت قسماته باهتة... ووجهه الرماديّ نحول موميائي يطبق على الفكّين... والشعر جزر يفتح الجبهة السمراء العريضة أمام احتمالات عري جديد... تراجع إلى الخلف... تشظى الوجه... وتمازجت القسمات... وضاعت الملامح والتفاصيل ..وعندما تقهقر أكثر حدّ الهزيمة والاستسلام أصبح احتمالا.... خيالا... أو سرابا...أو شبه إنسان... كسر المرآة... واجه الفراغ... ظنّ بذلك أنّه تبرّأ من ملامحه ومن هويّته وطلّق وجهه إلى الأبد... حوالي الصباح، كانت الطبيعة قد تطهّرت وتعمّدت، لتستأنف طقوسها الأزليّة وهي تستقبل آلهة الحياة وربّة الأكوان وهي تخرج من خدرها لتمشّط شعرها النورانيّ على صفحة الأفق الفضيّ... كلّ الكائنات تهيّأت لتبدأ تراتيلها وصلواتها في حظرتها... بين الإمكان والعدم تتسربل كلّ الأشياء لحظة الموت... الموت وحده القادر على إقناعنا باعتباطيّة الأشياء ... الموت هو الحقيقة الوحيدة التي تقنعنا عندما تختلط علينا تفاصيل الحياة... قل هو صخرة العدم التي تتحطّم على نتوءاتها آمال البشريّة... هكذا وصفه أجدادك الصعاليك حين أخذوا الدنيا غلابا، وسيأتي اليوم الذي يصير فيه الموت عند أحفادهم الأمل الوحيد الذي يمكن أن يناضلوا من أجله وهم يدركون أنّه حتما لن يخذلهم... مالفرق بين توقّع الموت ومواجهته ؟؟ الفرق أنّ توقّعه إمكان حياة، ومواجهته حياة حقيقيّة»...كلّنا سنموت» هذه اللازمة ستظلّ تتكرّر وتلح علينا مع كلّ انسحاب جديد... قباني، البيّاتي، منيف، المسعدي، الماغوط، درويش... وبقدر حضورها المكثّف والعميق يكون انسحابها في غفلة من الجميع... فبجرّد التأكّد أنّنا لم نمت بعد، وبأنّ ملاك الأرواح أخطأنا مرّة أخرى، ننسى اللازمة ونوغل في العيش... وكأنّنا بالحياة قصيدة غنائيّة طويلة مهما تعدّدت أوزانها وأغراضها وقوافيها وعللها وزحافاتها يبقى الموت لازمتها الأصيلة... حسبك أن تولّد من هذه اللازمة ما شاءت لك الحياة من الصور والأشكال، كأن يكون موتك مرضا أو قتلا، حرقا أو غرقا أو عطبا، جوعا أو شبعا، فرحا أو كمدا، بطلا شهما أو نذلا، شرفا أو ذلا، قدرا أو غدرا، سرا أو علنا... أو قد يكون موتك لمجرّد الموت!! تنويعا لحياتك الرتيبة ..!