في سباق مع الزمن الهارب من كلّ تقويم، تأخذنا دروب الأيّام، نتشاطر على التفاصيل المكرورة التي تغرقنا حدّ الإختناق... لكنّنا شيئا فشيئا نفقد حواسنا تباعا، يضيع الملمس بين عربات القطارات وزحمة الحافلات واختناقات المرور ونحن نُحشر ضمن خلق اللّه اللاهثين وراء لقمة العيش... وينطفئ مدى البصر المطعون بالحواجز عند تخوم وزوايا مدن الإسفلت والحديد، ويفتر السمع ذلولا تحت قصف منبهات السيارات وسيل الأصوات الناشزة التي تقتحم آذاننا من غير استئذان وبلا رحمة، وينسحب الذوق في انكسارة موجعة تحكي عفونة الهواء المتأكسد المشبع بحرائق الطاقات والغازات المستبيحة لفطرة الطبيعة... تتملكنا الأشياء وتأسرنا في رتابتها القاتلة، وتقيّدنا التفاصيل الباهتة الخاوية من المعنى... نتشيأ ونتموضع ونبدو أشباحا هائمة بلا روح وبلا معنى... آلات مبرمجة... وعبيدا للعادة... وبراغي صدئة في طاحونة الاغتراب واللاجدوى... في سباق مع الزمن الهارب من بين أيدينا، نجهد المخيلة لنستحضر بقايا إنسانيّة تنوء تحث ثقل أوزار عالم المادة والتفاصيل... بقايا خيال ساذج وبريء متسربل في أصقاع طفولة مغدورة... وأشلاء أحلام موءودة أو مؤجلة إلى زمن قد لا يأتي مع راهن ينوء تحت كوابيس الحاجة وعنف الإغواء... في سباق مع العمر المصلوب على خشبة الانتظار، يفاجئنا رسل البشريّة، فقراء الأرض بنشيد موجع يعيد لنا بعض عواطفنا الذابلة ويذكرنا بأصالة البدء وكبرياء الإناسة الكامنة في أصقاع النفس البشريّة... ياسين أحد النفحات وبقايا حشرجة الإنسان المسحول على قضبان قطار الزمن، ذاك الزمن الهارب من كلّ الأحياء... ياسين طفل قذف به القدر إلى الحياة حيث طاحونة الزمن الرتيبة العرجاء يوم 25 ديسمبر 1989... هو لا يملك من وسخ الدنيا سوى طفولة في مهبّ عربات الميترو وورقة هويّة صفراء يشهرها سيفا في حربه مع الزمن الرابح لكلّ نزال، كتب عليها بحروف شاحبة كئيبة بطاقة معاق... هكذا هو ياسين: هويّته معاق وعنوانه أحد الجمعيات الاجتماعية المهتمة بأصحاب الاحتياجات الخاصة... يومها كان يوم راحتك من ضغط الحاجات الخاصة، فاخترت عربات القطار فضاء لممارسة هواياتك المفضلة... أليس يوم الراحة موعدا مع ممارسة هواياتنا الخاصة : التزلج على الجليد، صيد السمك، لعب الغولف، تشجيب أشجار حديقة البيت وجزّ العشب، فسحة مع الكلاب في إحدى المنتزهات، الذهاب إلى مدينة الألعاب، زيارة السيرك أو حديقة الحيوانات... كان لياسين هوايته أيضا، فقرّر أن يمارسها بكلّ عفويّة... بين عربات المترو رقم 2 الرابط بين تونس وأريانة قرّر أن يتجوّل بين الناس سائلا صدقة من المحسنين والمسيئين، سيان الأمر عنده... يتقدّم ببراءة الطفل وبتلقائيّة الممارس لهواياته ملقيا تعاليم الفقراء، عيال اللّه وأحبابه الصالحين: »عاونوني... راني زوّالي...« يتفحصك مليّا يواجهك بملامحه التي تقطر طفولة، وإن ضحكت أو عبست في وجهه يبادرك بالقول ... »واللّه زوّالي..« وإن أشحت بوجهك إلى أقرب شبّاك هاربا بنظرك من عنف المفارقة، لن يتركك وشأنك، يحاججك كمن يقول: ألم تصدّق بطاقتي وهويّتي التي كتب عليها معاق ؟؟ فهاك الدليل إذن! وبانحناءة لا تعلم في أيّ معاهد المسرح تعلمها (لعلّه معهد الحياة) ينحني حتّى يكاد يلامس الأرض ويقول حجّته الدامغة... »يخي ما تصدقوش ؟ شوفولي هاني زوّالي...« يحاججك بمبدأ الهويّة (ما يكون به الشيء هو هو ) أحد المقولات الثلاثة للمنطق بعد عدم التناقض والثالث المرفوع... بين الضحك والاستغراب والتعجّب والحيرة والحزن الذي يقطر شفقة تجد نفسك أمام ياسين... تدسّ يدك في جيبك، بل قل هو جيبك يسبقك إلى يدك، رغبة في التخلّص من وزر اللحظة، تنتابك مشاعر لا تعرف كيف تجمعت لتشكّل داخلك زلزالا، تودّ لو تختفي من على سطح الكون لحظتها، لو تنشقّ أرضيّة الميترو لتبتلعك، ترى نفسك صورة من ياسين، أو تخاف أن تكونها بل تراك كنتها في يوم من الأيّام، تهرب فتجد نفسك تجثو على ركبتيك لتقبله على جبينه، أو لتطلب منه الصفح والمغفرة لجرم لا تدري كيف ومتى ارتكبته في حقّه، وفي حقّ طفولته المهدورة بين القضبان والعربات والمحطّات .. لا يسعفك ياسين بلحظة الاعتراف هذه لأنّه يرفض أي شفقة منك، يتجاوزك إلى حديث آخر مع شخص آخر، وكأنّ الأمر يعنيك ولا يعنيه... تلك مشكلتكم وليس مشكلتي فأنا سعيد أدرس في أحد المدارس الخاصة بأصحاب الاحتياجات الخاصة وأتفرّغ ليوم أو ليومين لممارسة هوايتي... وماهي هوايتك يا ياسين... لعلّه سيجيبك ببساطة الواثق من نفسه... إقناع الناس بأنّني زوّالي... مضى ياسين دون أن ينسى أمام إلحاحي لمعرفة إسمه ولقبه وعنوانه كما يلحّ الهاوي على أخذ إمضاء نجمه المفضّل، أو لعلّني اعتقدت للحظة أنّه بإمكاني أن أقدّم له شيئا، ونسيت لحماقتي أنّ فاقد الشيء لا يعطيه لم ينس أن حمّلني وزرا حين واجهني قائلا... »تمشيش تقول عليّ... راني واللّه مانسامحكش...« مضى ياسين كما يمضي الزمن الهارب من كلّ تقويم، وبقيت انحناءته الفطريّة المحترفة تصفع بصري، ورائحة اللبن الطفولي التي تفوح من جسده اليافع تجتاح أنفي وصدى لازمته المربكة »زوّالي..زوّالي ..زوّالي«، يتردّد في أذني... جعلني أسأل من أين أشتقت هذه العبارة زوّالي؟، إلى أن أسعفني صديقي ناجي الخشناوي بجذرها اللغوي أو تحديدا بإحالتها الممكنة في مثل حالة ياسين وأمثاله من عيال اللّه: زال، يزول، زوال، فهو زائل (زوّالي) وهي زائلة (زوّاليّة ) وهم زائلون (زواولة)... إنّهم الفقراء والمساكين الذين يطلقون صرخة استغاثة في وجه طاحونة العدم الرأسمالي التي لا ترحم، ومنهم طفلنا ياسين... مضى ياسين لكنّ صورته تملّكتني وأثقلت عقلي، ليس بسبب كونه يمثّل حالة اجتماعيّة تستحقّ التدخّل لتسكين مأساتها، فالمتسولون قد ضاقت بهم عربات المترو وهم على كلّ الألوان والأشكال والعاهات، وأنا لست بأحسن منهم حالا مع تأجيل التنفيذ... وإنّما لعلّة مكينة تركها في نفسي ولسؤال مربك أفسد عليّ متعة الاستمتاع بأغنية صوفيّة صادق (بالأمن والأمان) التي تجتاح إذاعاتنا وقنواتنا في مناسبات التجييش الوطني فقد وجدت نفسي كلّما ردّدتها بانتشاء تتسلّل صورة ياسين وهو يضحك هازئا منّي بشقاوته الطفولية... فتتداخل الكلمات وتتنافر، فأجدني أغنّي بصوت متهدّج نشاز... (وتشحذ الطفولة والشيب والشباب...). ملاحظة: ياسين طفل حقيقي وليس من نسج خيال مريض، لعلّه لا يزال يمارس هوايته المفضلة بين عربات المترو قانعا بحظّه وقدره الاجتماعي: إقناع الناس بأنّه (زوّالي)... أمّا المؤكد فأنّه أفسد عليّ وبشكل نهائي متعة الإستمتاع بأغنية صوفيّة صادق... يبقى سؤال آخر لايزال يحيّرني : أيّ الإعاقات العضويّة يشكو ياسين؟؟ ما أخشاه فعلا أن تكون إعاقة اجتماعية؟؟