أفلتا في المرة الاولى وقبض عليهما في الجريمة الثانية لصوص الsteg في قبضة الامن    منذ شهر نوفمبر: 3 بواخر محمّلة بالقمح والشعير غير قادرة على تفريغ حمولتها    النادي الافريقي : احمد خليل يمضي عقدا جديدا الى غاية 2023    صفاقس: انطلاق عملية رفع الفضلات المكدسة في شوارع المدينة    حوالي 75,5% من المكالمات التي ترد على الخط الأخضر تتعلق بالعنف الزوجي    آخر أخبار الحالة الصحية للاعب منتخب الجزائر بغداد بونجاح    بنزرت: توزيع 1200 لتر من الزيت المدعم بعدد من المناطق الشعبية بمعتمدية سجنان    وزارة العدل تدعو الى استكمال التلاقيح ضد كورونا قبل 22 ديسمبر 2021    يوسف بوزاخر "رئيس الجمهورية لم يتطرق مطلقا خلال لقاءاته مع ممثلي المجلس الاعلى للقضاء، الى حل المجلس او الغائه "    تطاوين: جولة جديدة من الحوار بين السلط الجهوية والوفد الجهوي المفاوض للحكومة من أجل تحيين اتفاق الكامور والالتزام بتنفيذه    صفاقس: القبض على شاب بحوزته كمية من الكوكايين لترويجها    رمضان بن عمر: خلال 10 سنوات تم ترحيل 10 آلاف مُواطن خاصة من ايطاليا    تعيين مستشار جديد لألمانيا خلفا لميركل    الشيء الوحيد الذي يستطيع سعيد الإعلان عنه يوم 17 ديسمبر حسب الزغيدي    معهد الإحصاء: هذه المواد شهدت ارتفاعا في الأسعار    جامعة الأطباء والصيادلة تتمسّك بالإضراب    متّهم في ''قضية خاشقجي'': السعودية تطالب فرنسا بالإفراج عن مواطن سعودي.. فورا    العوينة: القبض على رجل أعمال خليجي و4 فتيات داخل وكر دعارة    15 يوما في السنة: قائمة أيام الأعياد والعطل في تونس    عادل إمام يحسم الجدل حول حالته الصحية بعد غيابه الطويل عن الساحة    ليبيا: اقتحام مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس    جربة: توقف الدروس ب 3 مؤسسات تربوية بسبب كورونا    تونس: هل سيتم تطعيم أطفال ال5 سنوات فما فوق؟    القبض على المشتبه به في قتل عسكري    الكشف عن ملابسات اعتداء عون حرس على شقيقتين في القيروان    هيئة الخبراء المحاسبين تقدم وثيقة خاصة بتنقيح النظام الجبائي لبودن    عاجل: اجراءات هامّة توقيّا من كورونا إستعدادا للاحتفال برأس السنة الإداريّة    كأس العرب: ترتيب الهدافين الى حد الآن    فتح تحقيق والظاهرة محيّرة: انتحار 3 ضباط ... يُغضب النقابات الأمنية    كأس العرب: برنامج مباريات الدور ربع النهائي    هاني عمامو في الترجي التونسي لموسمين ونصف    القضية الفلسطينية في أشدّ الحاجة لرؤى نافذة وحلول حاسمة ..القضية الفلسطينية في متاهات القانون الدولي    "الثالوث المحرّم إضافة أم إضعاف للرواية العربية؟ شعار الدورة ال11 ل"مهرجان قافلة المحبة"    أيام قرطاج المسرحية : عروض فاترة في أجواء باردة    الدكتور محمد عبازة في بيت الرواية... المخرجون اغتالوا الكاتب المسرحي!    "صالون هدى ".. طرح آخر للأوضاع في فلسطين    هدفان لكل من مبابي وميسي في فوز سان جيرمان 4-1 على بروج    في الذكرى 34 للانتفاضة الأولى    نابل: لإنقاذ موسم القوارص .. دعوات إلى تشديد الرقابة على مسالك التوزيع    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    عاجل: إكتشاف نُسخ متحوّرة عن أوميكرون.. وعلماء يحذّرون    الطاقات البديلة الحل الذي غفلت عنه تونس لإنعاش اقتصادها    أخبار النادي الصفاقسي: ماذا في اجتماع خماخم والمدرب جيوفاني؟    قف: الصورة ترتعش!    تعاون في المجال المسرحي    طقس الأربعاء: درجات الحرارة في ارتفاع    صفاقس: فتح الجسر العلوي على مستوى تقاطع الطريق الحزامية كلم 4 مع الطريق الوطنية عدد 14    توقيع لزمة لترميم "الكراكة" بحلق الوادي وتحويلها إلى متحف للخزف الفني    بالصور: إطلالات محتشمة للتونسيات في مهرجان البحر الأحمر بالسعودية    هذه حصيلة نشاط وحدات الشرطة البلدية..    فلاحون في قبلي ينفذون وقفة احتجاجية ويطالبون بالتعويض بسبب تضرر منتوج التمور    كأس العرب فيفا 2021: الجالية التونسية في الدوحة تحتفي بتأهل المنتخب الوطني إلى ربع النهائي    "مُحمّد".. الاسم الأكثر شعبية بين المواليد الذكور في بريطانيا    عامر عيّاد: منعوني من السفر لعلاج مرض    الباب الخاطئ ...الزمان مكان سائل/ المكان زمان متجمّد    اذكروني اذكركم    التقشف والاعتدال في الإنفاق ضرورة عند الأزمات    كسوف كلي للشمس السبت المقبل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبْعِدوا السكِّينَ عَنْ عُنُقِي!
نشر في حقائق أون لاين يوم 15 - 09 - 2013

عندَما يكونُ الوطَنُ مُسْتَقِرّاً آمِناً يَسُودُهُ النّظامُ حتى الضَّجَر. فيُعَبِّرُ المُواطِنُ (وخاصّةً حين يكونُ المُواطِنُ فَتىً تُقْلِقُهُ أناهُ فَيُحَاوِلُ تَرْوِيضَها بِتَلَعْثُمِ الشِّعْر )عن ضَجَرِهِ بمُشاكَسَةِ تجَلِّياتِ ركائزِ النِّظامِ وأدَواتِ إرسائهِ كالشُّرَطيّ – بما في ذلكَ شرطيّ السَّيْر – وكرَجُلِ الأمْنِ الذي يَحْرَصُ على إظهار قبضةِ مُسَدَّسِهِ بَعْدَ إخفائهِ تَحْتَ قميصِهِ صَيْفاً أوْ سترَتِه شتاءً ، بحركاتٍ مَدْروسَةٍ يُنَفِّذُها بإتْقان فيَتَقَصَّدُ في الحَرِّ أنْ يفكّ أزرارَ قَميصِهِ ويَتَحَرَّك الحركةَ التي تجعَل الطَّرَفَ الذي يُخْفي قبضةَ المُسَدَّسِ يَنْحَسِرُ عَنْهُ مُتَظاهِراً بأنَّ الأمْرَ عَفْوِيٌّ وخارج إرادَتِهِ ، وفي القَرِّ غالباً ما يَرْفَع ذراعَهُ التي يقْبَعُ المُسَدَّسُ على موازاتِها تحْتَ السّترَةِ ، فيَرتَفِعُ طَرَفَ السّتْرَةِ كاشِفاً عَن التِماعَةِ قَبْضَة المُسَدَّس التي كانت تُبْهِر مُرْسِلَها أكثر ممّا تُبْهِرُ مَن يَتلقّاها، أو كذلك المُخْبِر السرّيّ الحريص على أن يَعْرِفَ القاصي والدّاني أنَّهُ "سريٌّ" . أمّا اسْتِهْداف الفتيات بهذهِ الألاعيبِ فكانَ مَحَلَّ تَفَكُّهِنا نَحْن الضَّجِرِينَ الذينَ لم نُدْرِكْ بَعْد أنانا العُليا مِن أنانا السُّفْلى.
(عندما اندَلَعَتْ حَرْبُ تشْرين كُنْتُ في السّابِعَةِ عَشَرَةَ مِن عُمْرِي ، بَعْدَها بأسابيع غادَرْتُ نهائيّاً إلى بيروت. الحربُ بالنسبة إلى مُتَسكّعٍ في شوارع دمشق ، هَديرُ طائراتٍ حربيّة يقطَع عليهِ أحلامَ يقظتهِ و طبيعيّ أنه لم يكن يُفَرِّقُ بينَ هَدير "الميغ " وَنَعيقِ "الميراج " إلا عندما تُقَنْبِل الأخيرةُ كما فَعَلَتْ مَرَّةً بالقُرْبِ مِن المَركز الثقافي السوفييتي في حيّ "أبي رمّانة" آنذاك. في تلك الأيّامِ وفي الساعاتِ الأخيرة مِن الصباح وعلى مقعدٍ تحت شجرة في حَديقةٍ عالية التّربَةِ تُطِلُّ على مَجْرى صَديقي العَجُوز "بَرَدى" عند "الجسْر الأبيض"كتبتُ قصيدَةً عن الحرب اخترْتُ لها "اللعبة" عنواناً، وباحتفاءٍ نشَرَها العزيز الراحل الشاعر صدر الدّين الماغوط في الصفحة الثقافية لجريدة "صوت الفلاحين" الأسبوعيّة ، قبل أن أجلسَ لكتابةِ هذه السطور قرأتُها ، هي القصيدة قبل الأخيرة من مجموعتي "رؤى الفتى". وأنا أسيرُ على رصيفٍ في شارع الصالحيّة ، ناداني شَخْصٌ طويل القامة ، كان يُمكنُ أن نقول إنّه جميل الوجْه لَولا تلك المسْحَة الرّسميّة التي تَجْعَلَهُ يَبْدو شَمْعِيّاً، مسْحَة نَحْنُ الذينَ خَلَعْناها على وجه الرّاحل "كريم الشّيباني" صاحب كتاب "حافظ الأسد شخصيّة تاريخيّة "الذي يُذَكِّرُني به الآن "خالد عبّود" نَجْمُ برلماننا وفضائياتنا ، ولا أدري لماذا أتذكّره أيضا كلّما قرأت في صحيفة "الثورة" الغرّاء خاطِرَةً للشاعر "عماد الجنيدي". المُهِمّ كانَ "كريم الشيباني" شاعِراً يُشْرِفُ على الصفحة الثقافية بجريدة البعث ، قَبْل أن تؤولَ إلى المُعارِضِ الحالي "خلدون الشّمعة". ناداني "الشيباني" الواقِف على الرصيف الآخَر باسمي ولَقَبي دفعةً واحِدَة ، نظرتُ باتّجاهِ الصَّوت ، رأيتُهُ ينظر إليّ ، فتابَعْتُ طريقي ، لأنه لم يخطُرْ بذِهْنِي أنّ الصَّوْت الذي سَمعتُه يُناديني قد يكون صادِراً عَنْه ، أنا أعرفه عَن بُعْد لكن لم يسبُق أن تَحَدّثَ واحدُنا إلى الآخَر، فَناداني ثانيةً ولوَّحَ إليَّ بيَدِهِ . تَوَقَّفْتُ مُرْتَبِكاً ، فاجْتازَ الشارِعَ نحويَ ، وحين صار في مُواجَهتي مَدَّ إليَّ يَدَهُ ثُمَّ سَحَبَها بسُرْعَة مِن يَدِي ، وسارَ إلى جانبي. وبَعْدَ دَقائق مِنَ السَّيْرِ بصَمْت رَفَعْتُ رأسي ورَشَقْتُهُ بنَظْرَةٍ جانبيّةٍ ، فوَجَدْتُهُ رافِعاً رأسَهُ باتجاه السّماء.فَوَقَفْتُ أنظُرُ إليه بِحَيْرَةٍ : ماذا يُريدُ منّي ؟ ، كنتُ أحسبُه يُريدُ أن يدعوني إلى استئنافِ نشر قصائدي في صفحة البعث الثقافيّة كما كنتُ أفعَلُ حين كان الشاعر "علي الجندي " يُشرِف عليها… المُهمّ أعادَ رأسَه مِن السّماء ونَظَرَ إليّ ، وقال بنبرةِ عتابٍ مازلْتُ أستَحضِرُها ، وكأنّ ذلك حَصَلَ أمْس : " أنت ربما لا تعرفني . أنا كريم الشيباني ، صديق بندر عبد الحميد وممدوح عدوان، تحدّثنا عنك أكثر من مرّة ، أنا أقرأ ما تكتبه وما يكتبه غيرك مِن الشيوعيين على سبيل الفضول ، وأعترف أنّ الحسّ الطّبقي في شِعْرِكَ غيْر مُفْتَعَل – على عكس غيرك ، وأعرفُ أنّ صدرالدين الماغوطَ وَجَدَكَ هديّة مِن السّماء كي يُناكِفنا ، ولكن يا أخي قل ما الذي تريدونه ؟ في هزيمة حزيران أشبعتمونا انتقادا فتفهّمنا ذلك ، لأننا كنا مَهزومين. ولكن الآن انتصرنا ، العالم كلّه يعترف بأننا انتَصرْنا ، وأنتُم وَحْدَكُم تعتبرونَ ما حَدثَ "لُعْبَة" ، حَرام عليكم .. هذا ما أردتُ أن أقوله لك وأرجو أن تُبلغَهُ لرفاقك.." ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إليّ واسترجَعَها ما أن لامَسَتْ كفّي ، وتَرَكَني .
تابَعْتُ تَسَكُّعي وأنا أتَفَكَّرُ في كلماتِهِ ، وكي أكونَ دقيقاً في واحدةٍ مِن كلماته، فقد وصفني وصنّفني بأنني شيوعيّ .أنا شيوعي إذن . معنى هذا أنّ كلّ الناس تعرف أنني شيوعيّ إلا أنا.وماذا سيكون موقفي إذا سألني أحد ما عن معنى أن أكون شيوعيّاً؟، وكلّ ما أعرفه بهذا الشأن حتى ذلك الحين بعض ما علق بذاكرتي عندما قرأت رواية "الأم" للكاتب الروسي السوفياتي "مكسيم غوركي". كانَ لقائيَ الأوّل والأخير بالشاعر الراحل "كريم الشيباني". بعد ذلك بسنوات عديدة وفي مكتبة بالرّباط وجدْتُ نسخةً من مجموعة شعرية له بعنوان "شمس الهندباء" ، كما تذكّرتُ أنني قرأت له قبلَ حادثةِ محادثتِنا مُداخلةً أو أكثر تتعلّق بالتجربةِ الناصريّةِ في مجلة "مواقف" التي كان يُصدرها الشاعر أدونيس في بيروت.
وبَعْدَ ذلك بأسابيع أصبحْتُ عضوا في حلقة الأنصار بحيّ القابون عن طريق عامل فلسطيني، وكان المشرفُ عليّ عاملا في الشركة الخماسية للنسيج التي يعمل فيها والدي ، وأشْهَدُ أنني في تلك الفترة ساهَمْتُ في إلصاق صُوَر الرّفيق الرّاحل خالد بكداش على جدران مَنازلِ حيّ القابون وأعمدةِ الكهرباءِ بموازاةِ ساقيةِ يَزيد التي تملأها الأمطارُ شتاءً وتركدُ فيها السّوائلُ التي ترْشَحُ عن منازِلِ الأهالي صيفاً ، عَلَّقتُ بل ألصَقْتُ صُوَر الرفيق خالد بكداش كمُرَشَّح لعضويّة البرلمان أو مجلس الشعب ، وأذكُرُ أنني حضرتُ بالمناسبة مهرجاناً خطابيًّاً في بَهْوِ منزِلِهِ ألقى خلالَهُ الشاعر "أيْمَن أبوشَعْر" بَعْضَ شِعْرِهِ ، ودامت عضويّتي أشهُراً، ذلكَ سرعان ما كُدْتُ أصبح عضوا عاملا لولا خطأ منهجيّ ارتكبوه: لَقَدْ قرأوا علينا في الإجتماع الثاني مَنْشُوراً خُلاصَتُهُ أنَّ الطائفة الدينيّة التي أنتمي إليها – عائليّاً – تُعَدُّ في رؤية الحزب الشيوعي السوري مِن قوى الثورة لأنّ هذه الطائفة مُضطهَدَة تاريخيّاً، وعلى الرّغمِ مِن أنّ صديقي العجوز في قريتنا الجبليّة "أبو أيوب" كان قد حَدَّثني وأنا أساعدهم في عمليّة "شكّ " أوراق التبغ الأخضر في خيوط القنّب بغية نشره وتجفيفه في الشمس والهواء في فصل الصّيف ، عن تجربته المُرَّة في صفوف الجيش الإنكشاري التي يتخللها حرْصُهُ على إخفاء مذهبه والتزامه بما يأمر به الجيشُ العثماني ، حيْث فاضَ وجدانُهُ عن مقطَعٍ زَجَليّ ، يقول :"صَلّيْت صْلاة الخشْتَمْري / بْأمْر الضابط ما بأمْري/ الله يلْعَنْ هالزّمانْ/طَوْرَزْني بآخِر عُمْري"، وهو مَقطَعٌ يُعَبِّرُ عَن جانبٍ نفسيٍّ مِن مُعاناةِ الأقليّاتِ السوريّة تحت وطأة الحكم العثماني ، التي كانوا يَسْتَقوونَ عليها بروح الفكاهة السوداء . أعني بهذا أنّني لم أفْتَقِدْ وَعْياً أوّليّاً بما عانتْه الأقليّةُ التي أنسَبُ إليها- بدون اختيارشخصيّ ولكن أيضاً بدونِ تَنَكُّرٍ مُبْتَذَل تَحْتَ وطأة الإبتزاز الرخيص – إنّما أنايَ الشّعريّة بنزوعِها الطبيعيّ إلى النُّبْل والمثاليّة أو الطّهرانيّة الثوريّة دَفَعَتْني إلى التّعبير – بفجاجةٍ ربّما – عَن قَرَفي مِن هذا "التعميم الحزبي" الذي لا أظنّ أنّه قُرئ في غير الحلقة التي تشملني ، لأنّه في أحْسَنِ حالاتِهِ تَمَلُّقٌ لا يليقُ بحزبٍ شيوعيّ وفي أسوأها عندي تشكيكٌ أمْنِيٌّ بي مفادُهُ أنّ كُلَّ مَن ينتمي إلى هذه الطائفة "الثوريّة موضوعيّاً" هُو عنصرٌ أو ضابطٌ في أجهزةِ " الُمخابراتِ" بالضرورة ، وأذكر أنني اكْتَفَيْتُ بتَعْلِيقٍ كان جبيني ينْضَحُ حَبّةَ عَرَقٍ مَع كُلّ حَرْفٍ تكوّنتْ منه كلماتُ هذا التعليق ، ومَفادُه " إذا كُنْتُم تَرَوْنَ في هذهِ الطائفة قُوَّة ثَوريّة مَوضوعيّاً ، لماذا لم تَذْهَبُوا إلى قُراها الجَّبَليّة وتنظِّموا شَبابَها ، أنا لا أذكُر أنني رأيتُ شيوعيّاً في قُرانا ، مُعظَمُ شَبابنا إمّا ينتمون إلى حزب البعث أو الحزب القومي السوري ومنهم مَن يقول إنّهُ ناصريّ ، شبابُ قُرانا الذينَ أصبحوا شيوعيين حَدَثَ لهُم ذلك في المُدُن ، هُم الذينَ جاؤوا إلى الحزب في مُدُنِهِ وليس هو الذي ذَهَبَ إليهِم في قُراهُم ، قريتنا مَثَلاً مُنْقَسِمَة بين أعمامي البعثيين وأخوالي الناصريين " وصَمَتُّ.. مُحَدِّقاً بين قَدَمَيَّ اللتين كانتا ترتجفان . ثُمَّ رَفَعْتُ رأسي ورَكَّزْتُ عَيْنَيَّ على شَفَتَيّ أمين الحلقة – هكذا كانَ يُسَمّى حزبيّاً إن لم تَخُنّي الذاكرة – كانتا رقيقتَيْن يعلوهما شاربان مُشَذَّبان جيّدا ، قال لي وهو يُنَقِّلُ ناظِرَيْهِ بين الرَّفيقَين الآخَرين وبيني ، وهما في عمرِهِ تقريباً " ملاحظتُكَ مُهِمّة يارفيق وسأرفَعُها إلى القيادة كي نتلقّى جواباً عنها ، أكيد للحزب مُبَرِّراته.." وكان هذا الإجتماع آخرَ عهدي بالحزب الشيوعي السوري ، ذلك أنّ بعدَه بأسبوعين ذَهَبْتُ إلى بيروت بطريقة غير شرعيّة لأنني لم أبلغ السن" القانونيّة" التي تجعلني أدْعى إلى خدمةِ العَلَم ، وكان آخر صديقٍ ألْتَقِي بهِ قبل ساعاتٍ مِن ذهابي إلى "كراج" السيارات الذاهبة إلى بيروت ، حيث تناولنا وجبة فطور في منزله وسلّمني مخطوط مسرحيّة له لأسلّمها إلى المسرحي اللبناني "ريمون جبارة" لكنني لأسباب قاهرة لم أتمكّن خلال إقامتي تسْع سنوات في "بيروت الغربيّة" آنذاك مِن رؤيةِ "جبارة" وتسليمه المخطوط الذي صار كتابا مطبوعاً في ما بعد ، بل صار"رياض عصمتْ" صديقي و صاحبه لاحقاً وزير ثقافة ، بعد أن أقيلَ سَمِيُّهُ "رياض نعسان آغا" لأنّ أصحابَ القرار عندَنا لم يَفْهَمُوا مُبَكِّراً معنى أن يكون المرْء ذا هوىً خليجيّ ، فَخَلَفَ "رياضٌ رياضاً " في وزارةِ الثّقافَةِ التي لمْ يُدْرِكْ النّجاحَ فيها وزيرٌ أو وزيرةٌ بَعْد أن غادَرتْها "نجاحُ العطّار" ، بما في ذلكَ صديقيَ السابق "رياض عصمت" الذي أنكرني ثلاثاً في تونس وكان حينئذ مُديرَ تلفزيونٍ أوشيئاً مِن هذا القبيل ، وما أنا بيسوع ولا هو ببطرس. وَما كانَ يَدْفَعُني إلى التقَرُّبِ إليهِ غيْر الحنين إلى تلك اللحظاتِ الدّمشقيّة بينما كانت تسوقه أمامَها قَوّادَةٌ دردبيسٌ لَم يُعْرَفْ بَعْدُ عَدَدُ المُخابرات العربيّة والأجنبيّة التي توظّفها.).
لَقَد شَطَّ بنا وَجَعُ الوَطَنِ قليلاً . لابأس ، لِنَعُدْ إلى ضَجَرِنا مِنَ بَطَرِ الإستِقرار الأمْنيّ ، الذي رُبّما كانَ أيضاً دافِعاً لأنْ يَتَسَلّى بنا بَعْضُ الأجْهِزَةِ الأمْنِيّة . أنا هُنا أتحَدَّثُ مَثَلاً عن الشاعر بندر عبد الحميد و الرسام جليدان الجاسم اللذين تمَّ اعتِقالَهُما وعنّي ، الأوّلانِ كانا بَعْثِيَّيْن ، بشكلٍ أو بآخَر ، أي لم يكونا على أيّ قَدْرٍ مِن ذلك الإنضباط الحزبيّ المَقِيت والمؤذي أحياناً الذي كان عليه عبد الله أبوهيف مَثَلاً ، وأنا كنتُ كما أسْلَفْتُ سابقاً . بَعْدَ عقودٍ مِن الحادِثَة فَهِمْتُ أنَّ صديقاً لوالدي في القيادة القوميّة لحزب البعث العربي الإشتراكي حَذّرَهُ مِن أنني قد أعْتَقَل ، فقال له والدي :"يا ريت منذ أشهُر ونحن لا نعرف أين هو ، حيّاً أم مَيْتا".
كُنتُ حينَها ، أتسكّع في الصباح في شوارع بيروت ، وفي المساء أقوم لساعاتٍ مَعدوداتٍ بواجب حراسة المكتب الرئيس للجبهة الثوريّة لتحرير فلسطينفي ضاحيةِ الفاكهاني، الكلاشنكوف في كتفي وأمامي كتابٌ ما أقرأه.(في أوائل 1974 عُدْتُ إلى دمشق بسيارة للجبهة الثورية على الطريق التي كان يستخدمها الفدائيون في تنقّلهِم بين دمشق وبيروت ومكثتُ أشْهُراً تنقّلتُ خلالها بين دمشقَ وحمْص واللاذقيّة، رأيتُ خلالها صديقي القديم بندر عبد الحميد ، ونحْن نسير في الشارع قال لي باقتضابٍ وابتسامة ساخرة "منذ أشهُر خرجتُ من السجن ، نَظَرَ إليّ باندِهاشهِ المعهود: قالوا إننا كنا ضحيّةَ مؤامرةٍ شيوعيّة"وابتسَمَ ، ثمّ قَهْقَهَ تللَ القهقهَة المُقْتَضَبَة أيضاً..بَعْدَ أشْهُر عُدْتُ إلى بيروت عن طريق الجبهة نفسها، ولكن حين وصَلْتُ المكتب ، فوجئتُ أنّ جبهتي التي كانت انشَقَّتْ قبلَ وصُولي الأوّل إلى بيروت عن الجّبهة الشعيبيّة لتحرير فلسطين قد شهدَت انشقاقاً آخَر ، فانضَمَمْتُ إلى المُنْشَقِّين الجُّدُد ، لسببٍ بسيطٍ وحاسِم في تلك الفترة ، هُو أنّ أقرب الأصدقاء إليّ كانوا منهم.
إذَنْ بَعْدَ لقائي كريم الشيباني، وكنتُ حينَها هاجراً منزلَ العائلة وأنامُ في منزلِ الشاعر والرسام النبيل "زهير غانم" – وكانَ قَبْواً لعمارة قديمة يتقاسَمه مع الرسام العراقي صالح الكردي – تناهَتْ إلى أذني تَعْليقاتٌ بشأنِ أيقونتي الشعريّة الثانية بعد ممدوح عدوان ، أعني "محمّد الماغوط" ، قيلَ إنّه يعمل في مجلة وزارة الدّاخليّة "الشرطة" ، ويكتب صفحتها الأخيرة. كُنتُ أصْغي صامِتاً إلى "لَسْعَاتِ" صَدْر الدّين في حقّ ابنِ عَمِّهِ مُحَمَّد ، وأعدّها تعبيراً عن غيرةٍ ليس إلاّ .. وللأمانة لم يُشِرْ صَدْر الدّين إطلاقاً إلى كتابة ابن عمّه في مجلّةِ الشرطة، لكنني الآن ألاحِظُ أنّه ليس أمْراً بدونِ معنى أن يكتب "محمد الماغوط" وابنُ عمّه "صدر الدّين الماغوط" في مَنشورين نظَريّاً متضارِبَين وعمليّاً يصدران عن مؤسسات الدولة نفسها:مجلة الشرطة ، وجريدة صوت الفلاحين. قَبْل سَفَري إلى بيروت بثلاثةِ أيّام أرَدْتُ التأكُّدَ مِن أنَّ الشاعر محمد الماغوط يعمل في مجلّة وزارة الدّاخليّة. لم يكن بمقدوري شراء مجلّة ، فأنا عازم على السفر إلى بيروت وبحاجة لأيّ قرش. وقفت أمام "كشْك" لبيع الجرائد ، كان قد تبَقّى عدد واحد من مجلة "الشرطة" تَجَعَّدَغلافُهُ قليلا بين مجلات مثل "جيش الشعب" و"جيل الثورة" و"الشبيبة" و"الطليعة" و"صوت فلسطين " و"الطلائع" ، التَقَطْتُهُ بلهْفَةٍ ، وبدأتُ تصَفُّحَهُ مِن الخلف اقتِداءً بأصدقائي المثقّفين ، ليس تقليداً مُبْتَذلاً لمُثَقَّفيّ الغَرْب الذينَ تبدأ مطبوعاتُهُم كسطور أبجديّتهم مِن اليسار إلى اليمين ، إنّما نزولاً عندَ أمْرٍ واقِعٍ – كي لا نقول ساقطاً – وهو أنّ صفحات الشأن الثقافي في صُحُفِنا ومجلاّتنا هي الصفحات الأخيرة عادة. المُهمّ آخر صفحة مِن عدد مجلة "الشرطة" الذي حَمَلْتُهُ بين يدَيّ ، أعني الصفحة الأخيرة- قبْلَ صفحَتيّ الغلافِ منه تحمل نصّاً بقلم "محمّد الماغوط".
في اليوم التالي ، ما أن نهَضْتُ مِن النوم حتى توجّهْتُ إلى "مقهى الهافانا" – تذكّرتُ أنّ أحَداً ما كان قدقال أمامي إنَّ محمّد الماغوط يجلس هناك كُلّ صباح – وفي نيّتي أن أستفسرَهُ عَن مَعْنى ذلك : كيفَ لِمَن يكتب قصائد مجموعة "الفَرَح ليس مهنتي" أن يكون على علاقة ما بوزارة الداخليّة ومنشوراتها؟.
مِن خارج المَقهى ، وجَدْتُه جالساً خلف الطاولة الأولى على يمين الباب مُباشَرَةً ، في فمه سيجارة وأمامه مِنْفَضَة وجريدة وفنجان قهوة وكأس فارغة. لم أدخُل المَقهى. اقتَرَبْتُ مِن الزُّجاج ، ربّما حسبني مُتَسَوِّلاً ، ليس مُهِمّاً – قلتُ لنفسي. نظَرْتُ إليه بفضول. صَمَدَ قليلاً في تجاهُلي ثُمَّ نَظَرَ إليّ بفتور. غَرَزْتُ عَينَيَّ في عَيْنَيه ، ارتَعَشَ جفناه وابتَسَمَ ابتِسامةً غريبةً أربَكَتْني. نَظَرَ إليّ وكأنّهُ كادَ يدعوني إلى طاولته – أو هكذا خُيِّلَ إليّ – وفي تلك اللحظة ، أدرتُ ظَهْري له مُبْتَعِداً بِخُطىً واسِعة.
بَعْدَ أشْهُر ، أصْدَرْتُ في بيروت أولى مجموعاتي الشعريّة "بَرَدى .. ووفود الجوع" ، وفاجأني النّاقد السوريّ اللمّاح "محمّد جمعة حمادة" بمقالٍ نقديّ في مجلة "الثائر العربي" يُقارن فيه بين قصائدي وقصائد شاعرنا الكبير الراحل "محمّد الماغوط" . الذي لم أفهمه حينها أنّ الناقدَ لم يتوقَّفْ عندَ كون قصائدي جميعها تعتمد التفعيلةَ شكلاً إيقاعيّاً بينما شاعرنا الماغوط منذ نعومة أظفارِ قصائده لم يعرف أويعترف بتفعيلةٍ أوقافية. أينَ أنتَ ياابْنَ الشَّهْباء ؟ ، كم اشتقتُ إليكَ يا صديقي ، أمس قلَّبْتُ أوراقي فطالَعَني مَقالٌ لي في مجلّة"الهدف" عن كتابٍ لك. لقد حدَّثَني حينها سليم بركات -في بيروت -عن كُلّ شيء ، ولا أعرف لماذا قلتُ له "يبقى صديقي" فابتسمَ سليم وقال "وصديقي أيضاً".
لِنَعُدْ إلى موضوعنا : في فَيضٍ مِن الإستقرار الإجتِماعيّ والأمنيّ كُنّا نتبادَلُ مع الأجهزة الأمنيّةِ الحماقات – الخطيرة أحياناً – لكننا الآن : نفتَقِدُ تلك الحماقات كما نفتَقِدُ أمْننا الشخصيّ.
ليتَ الواحدَ مِنّا نحن المُهَدَّدِين بالذَّبْحِ يُتاحُ له أن يُقيمَ في مَركَزِ شرطة . لَسْتُ وَحْدِي مَن يَشعر ويتَمنّى في أعماقهِ ذلك ، وإلا كيف نُفَسِّرُ هذا التعاطُف مِن الرّموز اليساريّةِ والليبراليّةِ في الأحزاب والمؤسساتِ الإعلاميّةِ والمُجتَمَعِ المدَنيّ التونسيّ، مع رجالِ الأمْن بخاصّة؟.
كانَ يُفْتَرَضُ بهذا النّصّ أن يكونَ إنجازاً لقصيدَةٍ بعنوانِ "ثورة القرباط" ، لكنّهم اقتربوا منّي كثيراً ، في الشقّةِ التي قَبْلَ شقّتي . أحَدَهم بلحيةٍ سَوداء وَعَيْنَيْنِ فاجِرَتَيْن ، ألقى عليَّ تَحيّةً ليتأكَّدَ مِن أنّني مَن تطلبُهُ سكّينُهُ الجّهادِيّة ، أجبْتُهُ :"وعليكَ السلام".
للحظةٍ : رأيْتُ دَمي يُنَوْفِرُ مِن عُنُقي ، وكدتُ أصْرَخُ : أريدُ بلاداً تحكمها وزارة الدّاخليّة وأكتبُ في مجلّتها بحريّةٍ كالتي خَبِرَها شاعرُنا الكبير الذي حاوَلَ مُرْتَزَقَةُ "ثورة القرباط" الإيحاءَ بأنّه أيقونَتُهُم ، أريدُ شرطيّاً على بابِ شقّتي بيني وبينَ تلكَ اللحيةِ/المِشْنَقَة ،مُطْمَئنّاً على عُنُقي.
عندَما يكونُ الوطَنُ مُسْتَقِرّاً آمِناً يَسُودُهُ النّظامُ حتى الضَّجَر. فيُعَبِّرُ المُواطِنُ (وخاصّةً حين يكونُ المُواطِنُ فَتىً تُقْلِقُهُ أناهُ فَيُحَاوِلُ تَرْوِيضَها بِتَلَعْثُمِ الشِّعْر )عن ضَجَرِهِ بمُشاكَسَةِ تجَلِّياتِ ركائزِ النِّظامِ وأدَواتِ إرسائهِ كالشُّرَطيّ – بما في ذلكَ شرطيّ السَّيْر – وكرَجُلِ الأمْنِ الذي يَحْرَصُ على إظهار قبضةِ مُسَدَّسِهِ بَعْدَ إخفائهِ تَحْتَ قميصِهِ صَيْفاً أوْ سترَتِه شتاءً ، بحركاتٍ مَدْروسَةٍ يُنَفِّذُها بإتْقان فيَتَقَصَّدُ في الحَرِّ أنْ يفكّ أزرارَ قَميصِهِ ويَتَحَرَّك الحركةَ التي تجعَل الطَّرَفَ الذي يُخْفي قبضةَ المُسَدَّسِ يَنْحَسِرُ عَنْهُ مُتَظاهِراً بأنَّ الأمْرَ عَفْوِيٌّ وخارج إرادَتِهِ ، وفي القَرِّ غالباً ما يَرْفَع ذراعَهُ التي يقْبَعُ المُسَدَّسُ على موازاتِها تحْتَ السّترَةِ ، فيَرتَفِعُ طَرَفَ السّتْرَةِ كاشِفاً عَن التِماعَةِ قَبْضَة المُسَدَّس التي كانت تُبْهِر مُرْسِلَها أكثر ممّا تُبْهِرُ مَن يَتلقّاها، أو كذلك المُخْبِر السرّيّ الحريص على أن يَعْرِفَ القاصي والدّاني أنَّهُ "سريٌّ" . أمّا اسْتِهْداف الفتيات بهذهِ الألاعيبِ فكانَ مَحَلَّ تَفَكُّهِنا نَحْن الضَّجِرِينَ الذينَ لم نُدْرِكْ بَعْد أنانا العُليا مِن أنانا السُّفْلى.
(عندما اندَلَعَتْ حَرْبُ تشْرين كُنْتُ في السّابِعَةِ عَشَرَةَ مِن عُمْرِي ، بَعْدَها بأسابيع غادَرْتُ نهائيّاً إلى بيروت. الحربُ بالنسبة إلى مُتَسكّعٍ في شوارع دمشق ، هَديرُ طائراتٍ حربيّة يقطَع عليهِ أحلامَ يقظتهِ و طبيعيّ أنه لم يكن يُفَرِّقُ بينَ هَدير "الميغ " وَنَعيقِ "الميراج " إلا عندما تُقَنْبِل الأخيرةُ كما فَعَلَتْ مَرَّةً بالقُرْبِ مِن المَركز الثقافي السوفييتي في حيّ "أبي رمّانة" آنذاك. في تلك الأيّامِ وفي الساعاتِ الأخيرة مِن الصباح وعلى مقعدٍ تحت شجرة في حَديقةٍ عالية التّربَةِ تُطِلُّ على مَجْرى صَديقي العَجُوز "بَرَدى" عند "الجسْر الأبيض"كتبتُ قصيدَةً عن الحرب اخترْتُ لها "اللعبة" عنواناً، وباحتفاءٍ نشَرَها العزيز الراحل الشاعر صدر الدّين الماغوط في الصفحة الثقافية لجريدة "صوت الفلاحين" الأسبوعيّة ، قبل أن أجلسَ لكتابةِ هذه السطور قرأتُها ، هي القصيدة قبل الأخيرة من مجموعتي "رؤى الفتى". وأنا أسيرُ على رصيفٍ في شارع الصالحيّة ، ناداني شَخْصٌ طويل القامة ، كان يُمكنُ أن نقول إنّه جميل الوجْه لَولا تلك المسْحَة الرّسميّة التي تَجْعَلَهُ يَبْدو شَمْعِيّاً، مسْحَة نَحْنُ الذينَ خَلَعْناها على وجه الرّاحل "كريم الشّيباني" صاحب كتاب "حافظ الأسد شخصيّة تاريخيّة "الذي يُذَكِّرُني به الآن "خالد عبّود" نَجْمُ برلماننا وفضائياتنا ، ولا أدري لماذا أتذكّره أيضا كلّما قرأت في صحيفة "الثورة" الغرّاء خاطِرَةً للشاعر "عماد الجنيدي". المُهِمّ كانَ "كريم الشيباني" شاعِراً يُشْرِفُ على الصفحة الثقافية بجريدة البعث ، قَبْل أن تؤولَ إلى المُعارِضِ الحالي "خلدون الشّمعة". ناداني "الشيباني" الواقِف على الرصيف الآخَر باسمي ولَقَبي دفعةً واحِدَة ، نظرتُ باتّجاهِ الصَّوت ، رأيتُهُ ينظر إليّ ، فتابَعْتُ طريقي ، لأنه لم يخطُرْ بذِهْنِي أنّ الصَّوْت الذي سَمعتُه يُناديني قد يكون صادِراً عَنْه ، أنا أعرفه عَن بُعْد لكن لم يسبُق أن تَحَدّثَ واحدُنا إلى الآخَر، فَناداني ثانيةً ولوَّحَ إليَّ بيَدِهِ . تَوَقَّفْتُ مُرْتَبِكاً ، فاجْتازَ الشارِعَ نحويَ ، وحين صار في مُواجَهتي مَدَّ إليَّ يَدَهُ ثُمَّ سَحَبَها بسُرْعَة مِن يَدِي ، وسارَ إلى جانبي. وبَعْدَ دَقائق مِنَ السَّيْرِ بصَمْت رَفَعْتُ رأسي ورَشَقْتُهُ بنَظْرَةٍ جانبيّةٍ ، فوَجَدْتُهُ رافِعاً رأسَهُ باتجاه السّماء.فَوَقَفْتُ أنظُرُ إليه بِحَيْرَةٍ : ماذا يُريدُ منّي ؟ ، كنتُ أحسبُه يُريدُ أن يدعوني إلى استئنافِ نشر قصائدي في صفحة البعث الثقافيّة كما كنتُ أفعَلُ حين كان الشاعر "علي الجندي " يُشرِف عليها… المُهمّ أعادَ رأسَه مِن السّماء ونَظَرَ إليّ ، وقال بنبرةِ عتابٍ مازلْتُ أستَحضِرُها ، وكأنّ ذلك حَصَلَ أمْس : " أنت ربما لا تعرفني . أنا كريم الشيباني ، صديق بندر عبد الحميد وممدوح عدوان، تحدّثنا عنك أكثر من مرّة ، أنا أقرأ ما تكتبه وما يكتبه غيرك مِن الشيوعيين على سبيل الفضول ، وأعترف أنّ الحسّ الطّبقي في شِعْرِكَ غيْر مُفْتَعَل – على عكس غيرك ، وأعرفُ أنّ صدرالدين الماغوطَ وَجَدَكَ هديّة مِن السّماء كي يُناكِفنا ، ولكن يا أخي قل ما الذي تريدونه ؟ في هزيمة حزيران أشبعتمونا انتقادا فتفهّمنا ذلك ، لأننا كنا مَهزومين. ولكن الآن انتصرنا ، العالم كلّه يعترف بأننا انتَصرْنا ، وأنتُم وَحْدَكُم تعتبرونَ ما حَدثَ "لُعْبَة" ، حَرام عليكم .. هذا ما أردتُ أن أقوله لك وأرجو أن تُبلغَهُ لرفاقك.." ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إليّ واسترجَعَها ما أن لامَسَتْ كفّي ، وتَرَكَني .
تابَعْتُ تَسَكُّعي وأنا أتَفَكَّرُ في كلماتِهِ ، وكي أكونَ دقيقاً في واحدةٍ مِن كلماته، فقد وصفني وصنّفني بأنني شيوعيّ .أنا شيوعي إذن . معنى هذا أنّ كلّ الناس تعرف أنني شيوعيّ إلا أنا.وماذا سيكون موقفي إذا سألني أحد ما عن معنى أن أكون شيوعيّاً؟، وكلّ ما أعرفه بهذا الشأن حتى ذلك الحين بعض ما علق بذاكرتي عندما قرأت رواية "الأم" للكاتب الروسي السوفياتي "مكسيم غوركي". كانَ لقائيَ الأوّل والأخير بالشاعر الراحل "كريم الشيباني". بعد ذلك بسنوات عديدة وفي مكتبة بالرّباط وجدْتُ نسخةً من مجموعة شعرية له بعنوان "شمس الهندباء" ، كما تذكّرتُ أنني قرأت له قبلَ حادثةِ محادثتِنا مُداخلةً أو أكثر تتعلّق بالتجربةِ الناصريّةِ في مجلة "مواقف" التي كان يُصدرها الشاعر أدونيس في بيروت.
وبَعْدَ ذلك بأسابيع أصبحْتُ عضوا في حلقة الأنصار بحيّ القابون عن طريق عامل فلسطيني، وكان المشرفُ عليّ عاملا في الشركة الخماسية للنسيج التي يعمل فيها والدي ، وأشْهَدُ أنني في تلك الفترة ساهَمْتُ في إلصاق صُوَر الرّفيق الرّاحل خالد بكداش على جدران مَنازلِ حيّ القابون وأعمدةِ الكهرباءِ بموازاةِ ساقيةِ يَزيد التي تملأها الأمطارُ شتاءً وتركدُ فيها السّوائلُ التي ترْشَحُ عن منازِلِ الأهالي صيفاً ، عَلَّقتُ بل ألصَقْتُ صُوَر الرفيق خالد بكداش كمُرَشَّح لعضويّة البرلمان أو مجلس الشعب ، وأذكُرُ أنني حضرتُ بالمناسبة مهرجاناً خطابيًّاً في بَهْوِ منزِلِهِ ألقى خلالَهُ الشاعر "أيْمَن أبوشَعْر" بَعْضَ شِعْرِهِ ، ودامت عضويّتي أشهُراً، ذلكَ سرعان ما كُدْتُ أصبح عضوا عاملا لولا خطأ منهجيّ ارتكبوه: لَقَدْ قرأوا علينا في الإجتماع الثاني مَنْشُوراً خُلاصَتُهُ أنَّ الطائفة الدينيّة التي أنتمي إليها – عائليّاً – تُعَدُّ في رؤية الحزب الشيوعي السوري مِن قوى الثورة لأنّ هذه الطائفة مُضطهَدَة تاريخيّاً، وعلى الرّغمِ مِن أنّ صديقي العجوز في قريتنا الجبليّة "أبو أيوب" كان قد حَدَّثني وأنا أساعدهم في عمليّة "شكّ " أوراق التبغ الأخضر في خيوط القنّب بغية نشره وتجفيفه في الشمس والهواء في فصل الصّيف ، عن تجربته المُرَّة في صفوف الجيش الإنكشاري التي يتخللها حرْصُهُ على إخفاء مذهبه والتزامه بما يأمر به الجيشُ العثماني ، حيْث فاضَ وجدانُهُ عن مقطَعٍ زَجَليّ ، يقول :"صَلّيْت صْلاة الخشْتَمْري / بْأمْر الضابط ما بأمْري/ الله يلْعَنْ هالزّمانْ/طَوْرَزْني بآخِر عُمْري"، وهو مَقطَعٌ يُعَبِّرُ عَن جانبٍ نفسيٍّ مِن مُعاناةِ الأقليّاتِ السوريّة تحت وطأة الحكم العثماني ، التي كانوا يَسْتَقوونَ عليها بروح الفكاهة السوداء . أعني بهذا أنّني لم أفْتَقِدْ وَعْياً أوّليّاً بما عانتْه الأقليّةُ التي أنسَبُ إليها- بدون اختيارشخصيّ ولكن أيضاً بدونِ تَنَكُّرٍ مُبْتَذَل تَحْتَ وطأة الإبتزاز الرخيص – إنّما أنايَ الشّعريّة بنزوعِها الطبيعيّ إلى النُّبْل والمثاليّة أو الطّهرانيّة الثوريّة دَفَعَتْني إلى التّعبير – بفجاجةٍ ربّما – عَن قَرَفي مِن هذا "التعميم الحزبي" الذي لا أظنّ أنّه قُرئ في غير الحلقة التي تشملني ، لأنّه في أحْسَنِ حالاتِهِ تَمَلُّقٌ لا يليقُ بحزبٍ شيوعيّ وفي أسوأها عندي تشكيكٌ أمْنِيٌّ بي مفادُهُ أنّ كُلَّ مَن ينتمي إلى هذه الطائفة "الثوريّة موضوعيّاً" هُو عنصرٌ أو ضابطٌ في أجهزةِ " الُمخابراتِ" بالضرورة ، وأذكر أنني اكْتَفَيْتُ بتَعْلِيقٍ كان جبيني ينْضَحُ حَبّةَ عَرَقٍ مَع كُلّ حَرْفٍ تكوّنتْ منه كلماتُ هذا التعليق ، ومَفادُه " إذا كُنْتُم تَرَوْنَ في هذهِ الطائفة قُوَّة ثَوريّة مَوضوعيّاً ، لماذا لم تَذْهَبُوا إلى قُراها الجَّبَليّة وتنظِّموا شَبابَها ، أنا لا أذكُر أنني رأيتُ شيوعيّاً في قُرانا ، مُعظَمُ شَبابنا إمّا ينتمون إلى حزب البعث أو الحزب القومي السوري ومنهم مَن يقول إنّهُ ناصريّ ، شبابُ قُرانا الذينَ أصبحوا شيوعيين حَدَثَ لهُم ذلك في المُدُن ، هُم الذينَ جاؤوا إلى الحزب في مُدُنِهِ وليس هو الذي ذَهَبَ إليهِم في قُراهُم ، قريتنا مَثَلاً مُنْقَسِمَة بين أعمامي البعثيين وأخوالي الناصريين " وصَمَتُّ.. مُحَدِّقاً بين قَدَمَيَّ اللتين كانتا ترتجفان . ثُمَّ رَفَعْتُ رأسي ورَكَّزْتُ عَيْنَيَّ على شَفَتَيّ أمين الحلقة – هكذا كانَ يُسَمّى حزبيّاً إن لم تَخُنّي الذاكرة – كانتا رقيقتَيْن يعلوهما شاربان مُشَذَّبان جيّدا ، قال لي وهو يُنَقِّلُ ناظِرَيْهِ بين الرَّفيقَين الآخَرين وبيني ، وهما في عمرِهِ تقريباً " ملاحظتُكَ مُهِمّة يارفيق وسأرفَعُها إلى القيادة كي نتلقّى جواباً عنها ، أكيد للحزب مُبَرِّراته.." وكان هذا الإجتماع آخرَ عهدي بالحزب الشيوعي السوري ، ذلك أنّ بعدَه بأسبوعين ذَهَبْتُ إلى بيروت بطريقة غير شرعيّة لأنني لم أبلغ السن" القانونيّة" التي تجعلني أدْعى إلى خدمةِ العَلَم ، وكان آخر صديقٍ ألْتَقِي بهِ قبل ساعاتٍ مِن ذهابي إلى "كراج" السيارات الذاهبة إلى بيروت ، حيث تناولنا وجبة فطور في منزله وسلّمني مخطوط مسرحيّة له لأسلّمها إلى المسرحي اللبناني "ريمون جبارة" لكنني لأسباب قاهرة لم أتمكّن خلال إقامتي تسْع سنوات في "بيروت الغربيّة" آنذاك مِن رؤيةِ "جبارة" وتسليمه المخطوط الذي صار كتابا مطبوعاً في ما بعد ، بل صار"رياض عصمتْ" صديقي و صاحبه لاحقاً وزير ثقافة ، بعد أن أقيلَ سَمِيُّهُ "رياض نعسان آغا" لأنّ أصحابَ القرار عندَنا لم يَفْهَمُوا مُبَكِّراً معنى أن يكون المرْء ذا هوىً خليجيّ ، فَخَلَفَ "رياضٌ رياضاً " في وزارةِ الثّقافَةِ التي لمْ يُدْرِكْ النّجاحَ فيها وزيرٌ أو وزيرةٌ بَعْد أن غادَرتْها "نجاحُ العطّار" ، بما في ذلكَ صديقيَ السابق "رياض عصمت" الذي أنكرني ثلاثاً في تونس وكان حينئذ مُديرَ تلفزيونٍ أوشيئاً مِن هذا القبيل ، وما أنا بيسوع ولا هو ببطرس. وَما كانَ يَدْفَعُني إلى التقَرُّبِ إليهِ غيْر الحنين إلى تلك اللحظاتِ الدّمشقيّة بينما كانت تسوقه أمامَها قَوّادَةٌ دردبيسٌ لَم يُعْرَفْ بَعْدُ عَدَدُ المُخابرات العربيّة والأجنبيّة التي توظّفها.).
لَقَد شَطَّ بنا وَجَعُ الوَطَنِ قليلاً . لابأس ، لِنَعُدْ إلى ضَجَرِنا مِنَ بَطَرِ الإستِقرار الأمْنيّ ، الذي رُبّما كانَ أيضاً دافِعاً لأنْ يَتَسَلّى بنا بَعْضُ الأجْهِزَةِ الأمْنِيّة . أنا هُنا أتحَدَّثُ مَثَلاً عن الشاعر بندر عبد الحميد و الرسام جليدان الجاسم اللذين تمَّ اعتِقالَهُما وعنّي ، الأوّلانِ كانا بَعْثِيَّيْن ، بشكلٍ أو بآخَر ، أي لم يكونا على أيّ قَدْرٍ مِن ذلك الإنضباط الحزبيّ المَقِيت والمؤذي أحياناً الذي كان عليه عبد الله أبوهيف مَثَلاً ، وأنا كنتُ كما أسْلَفْتُ سابقاً . بَعْدَ عقودٍ مِن الحادِثَة فَهِمْتُ أنَّ صديقاً لوالدي في القيادة القوميّة لحزب البعث العربي الإشتراكي حَذّرَهُ مِن أنني قد أعْتَقَل ، فقال له والدي :"يا ريت منذ أشهُر ونحن لا نعرف أين هو ، حيّاً أم مَيْتا".
كُنتُ حينَها ، أتسكّع في الصباح في شوارع بيروت ، وفي المساء أقوم لساعاتٍ مَعدوداتٍ بواجب حراسة المكتب الرئيس للجبهة الثوريّة لتحرير فلسطينفي ضاحيةِ الفاكهاني، الكلاشنكوف في كتفي وأمامي كتابٌ ما أقرأه.(في أوائل 1974 عُدْتُ إلى دمشق بسيارة للجبهة الثورية على الطريق التي كان يستخدمها الفدائيون في تنقّلهِم بين دمشق وبيروت ومكثتُ أشْهُراً تنقّلتُ خلالها بين دمشقَ وحمْص واللاذقيّة، رأيتُ خلالها صديقي القديم بندر عبد الحميد ، ونحْن نسير في الشارع قال لي باقتضابٍ وابتسامة ساخرة "منذ أشهُر خرجتُ من السجن ، نَظَرَ إليّ باندِهاشهِ المعهود: قالوا إننا كنا ضحيّةَ مؤامرةٍ شيوعيّة"وابتسَمَ ، ثمّ قَهْقَهَ تللَ القهقهَة المُقْتَضَبَة أيضاً..بَعْدَ أشْهُر عُدْتُ إلى بيروت عن طريق الجبهة نفسها، ولكن حين وصَلْتُ المكتب ، فوجئتُ أنّ جبهتي التي كانت انشَقَّتْ قبلَ وصُولي الأوّل إلى بيروت عن الجّبهة الشعيبيّة لتحرير فلسطين قد شهدَت انشقاقاً آخَر ، فانضَمَمْتُ إلى المُنْشَقِّين الجُّدُد ، لسببٍ بسيطٍ وحاسِم في تلك الفترة ، هُو أنّ أقرب الأصدقاء إليّ كانوا منهم.
إذَنْ بَعْدَ لقائي كريم الشيباني، وكنتُ حينَها هاجراً منزلَ العائلة وأنامُ في منزلِ الشاعر والرسام النبيل "زهير غانم" – وكانَ قَبْواً لعمارة قديمة يتقاسَمه مع الرسام العراقي صالح الكردي – تناهَتْ إلى أذني تَعْليقاتٌ بشأنِ أيقونتي الشعريّة الثانية بعد ممدوح عدوان ، أعني "محمّد الماغوط" ، قيلَ إنّه يعمل في مجلة وزارة الدّاخليّة "الشرطة" ، ويكتب صفحتها الأخيرة. كُنتُ أصْغي صامِتاً إلى "لَسْعَاتِ" صَدْر الدّين في حقّ ابنِ عَمِّهِ مُحَمَّد ، وأعدّها تعبيراً عن غيرةٍ ليس إلاّ .. وللأمانة لم يُشِرْ صَدْر الدّين إطلاقاً إلى كتابة ابن عمّه في مجلّةِ الشرطة، لكنني الآن ألاحِظُ أنّه ليس أمْراً بدونِ معنى أن يكتب "محمد الماغوط" وابنُ عمّه "صدر الدّين الماغوط" في مَنشورين نظَريّاً متضارِبَين وعمليّاً يصدران عن مؤسسات الدولة نفسها:مجلة الشرطة ، وجريدة صوت الفلاحين. قَبْل سَفَري إلى بيروت بثلاثةِ أيّام أرَدْتُ التأكُّدَ مِن أنَّ الشاعر محمد الماغوط يعمل في مجلّة وزارة الدّاخليّة. لم يكن بمقدوري شراء مجلّة ، فأنا عازم على السفر إلى بيروت وبحاجة لأيّ قرش. وقفت أمام "كشْك" لبيع الجرائد ، كان قد تبَقّى عدد واحد من مجلة "الشرطة" تَجَعَّدَغلافُهُ قليلا بين مجلات مثل "جيش الشعب" و"جيل الثورة" و"الشبيبة" و"الطليعة" و"صوت فلسطين " و"الطلائع" ، التَقَطْتُهُ بلهْفَةٍ ، وبدأتُ تصَفُّحَهُ مِن الخلف اقتِداءً بأصدقائي المثقّفين ، ليس تقليداً مُبْتَذلاً لمُثَقَّفيّ الغَرْب الذينَ تبدأ مطبوعاتُهُم كسطور أبجديّتهم مِن اليسار إلى اليمين ، إنّما نزولاً عندَ أمْرٍ واقِعٍ – كي لا نقول ساقطاً – وهو أنّ صفحات الشأن الثقافي في صُحُفِنا ومجلاّتنا هي الصفحات الأخيرة عادة. المُهمّ آخر صفحة مِن عدد مجلة "الشرطة" الذي حَمَلْتُهُ بين يدَيّ ، أعني الصفحة الأخيرة- قبْلَ صفحَتيّ الغلافِ منه تحمل نصّاً بقلم "محمّد الماغوط".
في اليوم التالي ، ما أن نهَضْتُ مِن النوم حتى توجّهْتُ إلى "مقهى الهافانا" – تذكّرتُ أنّ أحَداً ما كان قدقال أمامي إنَّ محمّد الماغوط يجلس هناك كُلّ صباح – وفي نيّتي أن أستفسرَهُ عَن مَعْنى ذلك : كيفَ لِمَن يكتب قصائد مجموعة "الفَرَح ليس مهنتي" أن يكون على علاقة ما بوزارة الداخليّة ومنشوراتها؟.
مِن خارج المَقهى ، وجَدْتُه جالساً خلف الطاولة الأولى على يمين الباب مُباشَرَةً ، في فمه سيجارة وأمامه مِنْفَضَة وجريدة وفنجان قهوة وكأس فارغة. لم أدخُل المَقهى. اقتَرَبْتُ مِن الزُّجاج ، ربّما حسبني مُتَسَوِّلاً ، ليس مُهِمّاً – قلتُ لنفسي. نظَرْتُ إليه بفضول. صَمَدَ قليلاً في تجاهُلي ثُمَّ نَظَرَ إليّ بفتور. غَرَزْتُ عَينَيَّ في عَيْنَيه ، ارتَعَشَ جفناه وابتَسَمَ ابتِسامةً غريبةً أربَكَتْني. نَظَرَ إليّ وكأنّهُ كادَ يدعوني إلى طاولته – أو هكذا خُيِّلَ إليّ – وفي تلك اللحظة ، أدرتُ ظَهْري له مُبْتَعِداً بِخُطىً واسِعة.
بَعْدَ أشْهُر ، أصْدَرْتُ في بيروت أولى مجموعاتي الشعريّة "بَرَدى .. ووفود الجوع" ، وفاجأني النّاقد السوريّ اللمّاح "محمّد جمعة حمادة" بمقالٍ نقديّ في مجلة "الثائر العربي" يُقارن فيه بين قصائدي وقصائد شاعرنا الكبير الراحل "محمّد الماغوط" . الذي لم أفهمه حينها أنّ الناقدَ لم يتوقَّفْ عندَ كون قصائدي جميعها تعتمد التفعيلةَ شكلاً إيقاعيّاً بينما شاعرنا الماغوط منذ نعومة أظفارِ قصائده لم يعرف أويعترف بتفعيلةٍ أوقافية. أينَ أنتَ ياابْنَ الشَّهْباء ؟ ، كم اشتقتُ إليكَ يا صديقي ، أمس قلَّبْتُ أوراقي فطالَعَني مَقالٌ لي في مجلّة"الهدف" عن كتابٍ لك. لقد حدَّثَني حينها سليم بركات -في بيروت -عن كُلّ شيء ، ولا أعرف لماذا قلتُ له "يبقى صديقي" فابتسمَ سليم وقال "وصديقي أيضاً".
لِنَعُدْ إلى موضوعنا : في فَيضٍ مِن الإستقرار الإجتِماعيّ والأمنيّ كُنّا نتبادَلُ مع الأجهزة الأمنيّةِ الحماقات – الخطيرة أحياناً – لكننا الآن : نفتَقِدُ تلك الحماقات كما نفتَقِدُ أمْننا الشخصيّ.
ليتَ الواحدَ مِنّا نحن المُهَدَّدِين بالذَّبْحِ يُتاحُ له أن يُقيمَ في مَركَزِ شرطة . لَسْتُ وَحْدِي مَن يَشعر ويتَمنّى في أعماقهِ ذلك ، وإلا كيف نُفَسِّرُ هذا التعاطُف مِن الرّموز اليساريّةِ والليبراليّةِ في الأحزاب والمؤسساتِ الإعلاميّةِ والمُجتَمَعِ المدَنيّ التونسيّ، مع رجالِ الأمْن بخاصّة؟.
كانَ يُفْتَرَضُ بهذا النّصّ أن يكونَ إنجازاً لقصيدَةٍ بعنوانِ "ثورة القرباط" ، لكنّهم اقتربوا منّي كثيراً ، في الشقّةِ التي قَبْلَ شقّتي . أحَدَهم بلحيةٍ سَوداء وَعَيْنَيْنِ فاجِرَتَيْن ، ألقى عليَّ تَحيّةً ليتأكَّدَ مِن أنّني مَن تطلبُهُ سكّينُهُ الجّهادِيّة ، أجبْتُهُ :"وعليكَ السلام".
للحظةٍ : رأيْتُ دَمي يُنَوْفِرُ مِن عُنُقي ، وكدتُ أصْرَخُ : أريدُ بلاداً تحكمها وزارة الدّاخليّة وأكتبُ في مجلّتها بحريّةٍ كالتي خَبِرَها شاعرُنا الكبير الذي حاوَلَ مُرْتَزَقَةُ "ثورة القرباط" الإيحاءَ بأنّه أيقونَتُهُم ، أريدُ شرطيّاً على بابِ شقّتي بيني وبينَ تلكَ اللحيةِ/المِشْنَقَة ،مُطْمَئنّاً على عُنُقي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.