بعد محاولات لإنقاذ حياة يسري الطريقي بالتدخل عند السّلطات العراقية . خلّف تنفيذ حكم الإعدام – في المأسوف على شبابه – لوعة و ألم عميقين في قلوب أفراد عائلته . كما صدمت هذه الفاجعة الرأي العام و كان لها الوقع الكبير في نفسه. وقد خيّم الحزن على موطنه صفاقس يوم جنازته و بدا التأثر و الذهول واضحان على وجوه معارفه و أقربائه و كل من رافقه إلى مثواه الأخيرة. و إن تعالت أصوات تبرّأ الشاب من تُهم القتل و التفجير الموجّه إليه و أخرى تحيي فيه المناهض للاحتلال في العراق و المناضل من أجل حريّة هذا البلد . و بغض النظر عن مدى تمتّع يسري الطريقي بشروط المحاكمة العادلة التي لا نراها توفرت في ظروف العراق المعروفة . فإنّ عمليّة الإعدام في ذاتها و إزهاق نفس بشريّة بتلك السّهولة ٫ إنما يعتبر عمليّة قتل موصوفة تثير السخط و الاشمئزاز. و لا يسع الضمائر الحيّة إلا استنكارها و شجبها . و حيال مشهد مأساوي آخر. عبّر الرأي العام التونسي أيضا عن حسّ مدني و وعي راق عندما تضجّر من تصفية الطاغيّة القذافي بتلك الطريقة السمجة. لكن مع الاستمرار في التعبير عن موقفه المبدئي الساخط من نظامه الأرعن البائد. إنّ ما أقترف في حق الشاب يسري الطريقي و حتى للقذافي ليس تطبيقا للعدالة . فليست العدالة التي تُميت و لا توصف بالعدالة التي تنتهك الحق في الحياة. و لا تعني العدالة – أيضا – السقوط في منطق الانتقام و القصاص. فعندما يسيطر الرعب و الخوف على العدالة و يقودها إلى القطع و الفصل. فذلك بالمُحصلة تجسيدا لنوع من العدالة هي دمويّة بالأساس . تُمارسها الدولة باطلا باسم الشعب. ذلك يتعلق ببلد جار و آخر شقيق ٫ أما بالنسبة لبلادنا فلقد حان الوقت لوضع قانون عقوبة الإعدام على بساط الدرس خاصة و نحن في مرحلة تأسيسية لمجتمع جديد و في مرحلة بناء لنظام مدني ديمقراطي متحضّر يحترم مبادئ حقوق الإنسان. لهذا تُوجه رسالة واضحة إلى كل واحد من أعضاء المجلس التأسيسي ٫ بغض النظر عن انتمائه الفكري و لونه السياسي . فالموضوع له طابع أخلاقي و قِيمي . و لهذا لا يمكن أن تكون الإجابة على السؤال التالي إلا شخصيّة : هل يتناسب بقاء هذه العقوبة الوحشية مع زمن الثورة ؟ ألا ترى أن الوقت حان لشطبها من قائمة العقوبات بعد تجميد تنفيذها و بالتالي إنقاذ الذين صدرت في حقهم أحكام بالإعدام من شبح الموت و عذابات الانتظار ؟ إنّ الوجه الإنساني و الحضاري للثورة التونسيّة يستوجب إلغاء عقوبة الإعدام ٫ حتى نواصل مسار سابق لبلادنا كان طابعه تحرري . إذ سبق لتونس عبر تاريخها التقدمي المبادرة بإلغاء الرّق منذ 1846 و سنّ دستور في 1861 و الكفّ عن تنفيذ الحدود . كما شُطبت الأشغال الشاقة كعقوبة بدنيّة من النصّ القانوني منذ أول التسعينات و أبطل تنفيذ عقوبة الإعدام منذ 3 199. إن الثورة في فلسفتها العامة تعني التقدم و التطلع إلى الأمام لذا نرجو أن تكون توجهات المجلس التأسيسي مُجسمة لهذا المبدأ . و لهذا ندفع و نحث على تضمين مبدأ الحق في الحياة في الدستور القادم. فتكريس مبادئ حقوق الإنسان و تجسيم غاياتها النبيلة يلتقي مع أهداف الثورة و شعاراتها في الحريّة و الكرامة. إذ أن المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تُؤكد على حق كل شخص في الحياة أما المادة الخامسة فتقول ” لا يُعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المُحطة بالكرامة “. فعقوبة الإعدام من هذا المنظور انتهاكا للحق المقدس في الحياة و يعتبر إلغائها احتراما للحرمة الجسدية للإنسان و محافظة على كرامته و إعلاء لقيمته. ولهذا تدعو الأممالمتحدة إلى فرض حظر على استخدام عقوبة الإعدام ٬ بعد أن تبنت أربع معاهدات دوليّة ذات صلة بالموضوع. و لقد بيّنت التجربة و دراسات الجهات المختصة (انظر تقارير منظمة العفو الدولية). أنه لا علاقة بين تطبيق هذه العقوبة البشعة و مؤشرات نسبة الجريمة. فتطبيق الإعدام لم ينفع في الحدّ من الجريمة إضافة إلى أن تنفيذه غير قابل للتدارك في صورة صدور حكم قضائي خاطئ (قضية يسري الطريقي) . لهذا لم تظهر أبدا أراء تدعو ٬ في البلدان التي أبطلت عقوبة الإعدام ٬ إلى العودة عن قرار الإلغاء. إنّ الاحتفاظ بالمذنب في السجن عوض قيادته للمقصلة لا يضير المجتمع في شيء. إنما في ذلك إنقاذ لحياة بشريّة. و لا نعتقد أن الفاجعة لا تتساوى بالنسبة للعائلة التي فقدت ابنها الضحية بسبب جريمة أو التي غيّب الموت ابنها ” الفاعل ” بسبب الإعدام (يسري الطريقي في هذه الحالة). فمتى تلتحق بلادنا بركب البلدان التي شطبت عقوبة الإعدام نهائيا أي قانونيا و عمليا ؟ ومتى نكون البلد العربي الثاني بعد جيبوني و البلد رقم 194 الذي يسقط من نصه القانوني هذا العقاب غير الإنساني؟ فتحي الهمامي عضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان