بلاغ مروري.. توخي الحذر لمستعملي الطريق بسبب التقلبات الجوية    الشاهد يسلّم الرئيس الفرنسي ماكرون رسالة من رئيس الجمهوريّة قيس سعيد    المهدية: إيقاف خاطفة الرضيعة من المستشفى    بعد اعلان التيار امكانية سحب مرشحه لرئاسة البرلمان، الغنوشي يلتقي عبّو للمرة الثالثة    والية نابل: الوضع عادي في الجهة وتم تسخير كل الإمكانيات    نقل الرئيس الأمريكي الأسبق إلى المستشفى    التقلبات الجوية تبلغ ذروتها اليوم والرصد الجوي يُحذر    فجر اليوم: انزلاق سيارتين بسبب رداءة الأحوال الجوية    كميات الأمطار المسجلة على امتداد ال24 ساعة الأخيرة    حظك ليوم الثلاثاء    صندوق دعم المؤسسات الناشئة يتمكن من تعبئة 65 مليون دينار من البنك الافريقي للتنمية    عملية طعن خلال عرض مسرحي بالرياض: الشرطة السعودية تكشف عن التفاصيل    غزة : إستشهاد قيادي بارز في "سرايا القدس" والمقاومة تتوعد بالردّ    طقس بارد مع أمطار غزيرة ورياح قوية    بعد استعادتها من إسرائيل.. الملك الأردني عبد الله الثاني يصل إلى الباقورة    دوار هيشر: حجز 15 طنا من السكر المدعم و10 أطنان من مادة السميد في مخزن عشوائي    سهى عرفات: لو كان أبو عمار على قيد الحياة ماذا كان سيقول؟    توضيح بلدية تونس حول ''مجسّم للكعبة في شارع الحبيب بورقيبة ''    خاص: نجم المتلوّي: عملية جراحية وراحة ببضعة أسابيع للّاعب عماد المنياوي    مستشفى روما للأطفال تقدم دورة لاكتشاف النظام الغذائي الكيتوني    صندوق دعم المؤسسات الناشئة يحصل على زهاء 65 مليون دينار من البنك الإفريقي للتنمية    من 16 إلى 22 نوفمبر 2019.. الدورة الثانية من أيام قرطاج للفن المعاصر    رغم بلوغها 61 سنة.. إطلالات سميرة سعيد شبابية    تحيين من المعهد الوطني للرصد الجوي: الحرارة تتواصل في الانخفاض    مروان العباسي يدعو الحكومة الى ضرورة تحسين مناخ الأعمال وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية    القطب القضائي لمكافحة الإرهاب يفتح تحقيقا في مزاعم كشف مخزن أسلحة ومخططات إرهابية    المنستير: المترو يدهس كهلا ويرديه قتيلا    تغيير في توقيت الرحلات البحرية على متن الباخرة "قرطاج" بسبب سوء الأحوال الجوية    هكذا سيكون سعر لتر زيت الزيتون بعد تحقيق صابة قياسيّة هذه السنة    توننداكس يغلق على تراجع طفيف بنسبة 0،09 بالمائة    برنامج أشغال الجلسة الافتتاحية للمدة النيابية الثانية 2019–2024    بسبب التقلبات الجوية المرتقبة: وزارة الفلاحة تدعو البحارة الى عدم المجازفة والإبحار    محمد عبو يؤرق النهضة..و"تكتيك" ذكي من الغنوشي لضمان رئاسة البرلمان مقابل مفاجآت في الحكومة    الأهلي المصري يتضامن مع النجم الساحلي ويوافق على تاجيل المواجهة بينهما    وفاة علاء علي لاعب الزمالك السابق عن 31 عاماً    أنيس العياري يقيّم جولات البطولة: هذه الفريق متميّزة .. بنزرت خيبة أمل ..وهؤلاء نجوم الجولات الأولى    وزارة الداخلية تنفي عودة مقاتلين ينتمون إلى تنظيمات إرهابيّة إلى تونس    المنستير: انطلاق الدورة السابعة لمهرجان الاِتحاد للإبداع من 14 إلى 16 توفمبر    المنتخب الوطني..انطلاق التحضيرات والسليتي يغيب    كرة اليد : برنامج مقابلات الجولة 9 لبطولة القسم الوطني (أ) وحكامها    رغم معارضة نتنياهو.. الأردن تستعيد منطقتي الباقورة والغمر من الكيان الصهيوني    الترجي الرياضي .. بن شريفيّة رجل الدربي ..ولا خوف على شمام    تونس: موجة برد في الكاف وسط غياب مادة البترول الأزرق المستعملة في التدفئة    في حملة أمنية بالجبل الاحمر وحي الزياتين : إيقاف 10 عناصر اجرامية وحجز دراجات نارية    اختتام معرض الشارقة الدولي للكتاب : 2.52 مليون زائر ودخول "غينيس للأرقام القياسية"    [فيديو ] وزير الثقافة يؤكد رصد حوالي 100 ألف دينار لترميم قصور وسط مدينة مدنين ويشرح سبب تأخر صرفها    الأيام الشعرية بكلية الآداب بمنوبة .دراسات وقراءات في المتن الشعري التونسي الحديث    واشنطن تدعو لإجراء انتخابات مبكرة في العراق..    اليوم: تونس تعيش ظاهرة فلكية لن تتكرر قبل سنة 2032    اليوم: حدث فلكي نادر لن يتكرر إلاّ بعد 13 سنة    سارة محمد علي ..صوت طربي قادم على مهل    حظك ليوم الاثنين    طارق ثابت مدربا جديدا للاتحاد بن قردان    السعودية: حظر على مصابي الإيدز ممارسة الوظائف العسكرية ومهنة الحلاقة    7 نصائح للتغلّب على اضطرابات النوم    تقلصات الساقين خلال الحمل    نصائح تساعد على تنشيط الدورة الدموية    أولا وأخيرا..ديمقراطية بالشعب المشوي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من دائرة الحضارة التونسيّة .. المذهب الحنفي (2)
نشر في الشروق يوم 06 - 09 - 2019

أمّا الصراع بين المذهبين الحنفي و المالكي ( 234 – نهاية ق 4 ه ) فقد بدأ بتولي سحنون التنّوخي ( 160 – 240 ه ) القضاء سنة 234 ه. و لتركيز نفوذه قرّب منه رئيس المدرسة الحنفية بإفريقية بعد أسد بن الفرات، وهو سليمان بن عمران ( 183 – 270 ه ) فجعله على كتابته، ثم سمّاه قاضيا على باجة فقبل ذلك مضطرّا .قال الخشني: « فأظهر له ( أي لسحنون ) أنّ مذهبه مذهب المدنيين، و أنه تارك لمذهب العراقيين « ( ص 180)، لكنه حافظ على القضاء حسب أصول المذهب الحنفي. و لقد اشتكى به أهل باجة إلى سحنون لأنّه يحكم بمذهب أبي حنيفة. فقال لهم : « ما قدّمته عليكم إلاّ و أنا أعلم أنه يحكم بمذهبه، فانصرفوا. « ( معالم الإيمان، ج 2، ص 99 ) .
وفي عهد سحنون ( 234 – 240 ه ) اتّضح الصراع بين المذهب الحنفي الخافت والمذهب المالكي القوي. فقد قاوم سحنون أهل البدع و الضلالات، و أخفت كلّ نزعة عقليّة، وحرّم المناظرات في غير المذهب المالكي، إذ منع دروس الإباضيّة و الصفرية والمعتزلة التي كانت تلقى بجامع عقبة (ح. الجنحاني: القيروان ... – تونس 1968، ص 156 – 157). وبعد وفاة سحنون أفل نجم المالكية، و أشعّ مكانه نجم الحنفيّة الذين استغلوا انجفال المالكية من التعاون مع الحكّام، خشية ممالاتهم و التساهل في الأحكام، فسيطروا على منصب القضاء مرارا. فقد تجاذب القضاء في عهد إبراهيم الثاني : سليمان بن عمران و عبدالله بن طالب ( 217 – 275 ه) مرّتين، و كان الأوّل حنفيّا و الثاني مالكيّا ( طبقات أبي العرب و الخشني، ص 236 – 237 ) .و هكذا فقد تولّى سليمان القضاء من 240 إلى 257 ه، ثمّ انتقل إلى ابن طالب من 257 إلى 259 ه، ثمّ عاد إلى ابن عمران من 259 إلى 269 ه، و أخيرا بقي عند ابن طالب من 269 إلى وفاته سنة 275 ه، رغم دفاعه عن مالكيّته في وجه المعتزلة و الحنفية و حتّى في حضرة الأمير الأغلبي إبراهيم الثاني ( ورقات : 1 / 263 – 264 ؛ الخشني : 136، 198 ؛ المالكي : 1/375 ؛ معالم الإيمان : 2 / 105 ). وقد جدّ سليمان بن عمران في طلب محمد بن سحنون المالكي، فأمّنه محمد بن الأغلب خشية غضب المالكيّة، فصبّ نقمته على أصحاب ابن سحنون ( الخشني : 131).
وفي منتصف ق 3 ه أخذ الصراع السياسي شكل الجدل المذهبي.ومن أبرع المجادلين من الحنفيّة أبو العباس أحمد بن القيار ( ت حوالي 290 ه ) ( الخشني : 197 ؛ ورقات 1 / 254 – 255 ). وحين تولّى الحنفيّ المتعصّب ابن عبدون ( ت 297 ه) القضاء لإبراهيم الثاني، سنة 275 ه، بعد أن رفضه يحيى بن عمر ( 213 – 289 ه )، الذي كان « شديدا على العراقيين « ( محمد الطالبي : تراجم أغلبية مستخرجة من مدارك القاضي عياض.- تونس 1968، ص 268 )، اضطهد المالكيّة، و قتل الكثير منهم.
و لم يستسلم المالكية لجور ابن عبدون و تنكيله بهم، بل جدّوا في القضاء عليه بواسطة حمديس القطّان. فعوّضه إبراهيم الثاني بالقاضي عبدالله السوداني من 278 إلى 280 ه، ثمّ عوّضه – لأنّه كوفي – بالقاضي العدل عيسى بن مسكين، من 280 إلى 290 ه .و توفّي ابن عبدون سنة 277 ه، بعد أن قضّى سنتين في القضاء. و بعد ابن مسكين آل القضاء إلى الصّدني، وهو حنفيّ متعصّب، ولاّه إيّاه أبو العباس عبدالله بن إبراهيم بن أحمد الأغلبي، و عزله ابنه زيادة الله، وولّى مكانه حماس بن مروان المالكي (ت 303 ه) (القاضي النعمان بن محمد : افتتاح الدعوة.- تح. وداد القاضي، بيروت 1970، ص 147، ح 2 ). و في سنة 295 ه ولّى زيادة الله أبا العباس محمد بن عبدالله بن جيمال القضاء. « و كان ممّن يذهب إلى مذهب العراقيين ... و أعرض عن حماس. « (الافتتاح : 180 – 181 ؛ الخشني : 196، 239 ).
وقد برزت العداوة بين المالكيين و الحنفيين في كلّ شيء. فبيت سحنون الذي بناه بالجامع للقضاء لم يسلم هو أيضا، فكان إذا ولي عراقيّ هدمه، و إذا ولي مدنيّ بناه من جديد (معالم الإيمان : 2 / 56). وإلى جانب ذلك تآمر المالكية لمقاومة نفوذ الحنفية مع بعض المقرّبين في القصر الأغلبي، لانتزاع خطة صاحب الصلاة ( الإمامة والخطابة) من الحنفية، فتمّ لهم ذلك بتدخل محمد بن سحنون، فأسندت هذه الخطة إلى أبي العباس عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي، من أقارب البيت الأغلبي. حينئذ جمع سليمان بن عمران شيوخ القيروان، و ساروا إلى الأمير لتزكية ابن أبي الحواجب لهذه الخطة، و لكنهم عندما وصلوا إلى القصر نهرهم الحضرمي، فانصرفوا (الخشني : 132).
وبعد مضيّ أكثر من قرن على المعارك الجليّة بين المذهبين، تلك المعارك التي غذّت الحركة الفكرية بإفريقية في ق 3 ه، تمكنّت المدرسة المالكية من الانتصار، في أواخر الدولة الأغلبية، لا سيما مع القاضي عيسى بن مسكين. إلاّ أنّ تلك الحال لم تدم طويلا، فبدخول المذهب الشيعي إفريقيّة مع الفاطميين، سنة 297 ه، انضمّ عدد كبير من الحنفيين إلى المذهب الجديد، فازداد غيظ المالكيّة عليهم، و اكتسى الصراع المالكي الشيعي صبغة دمويّة. ذلك أنّ بني عبيد اعتمدوا على كبار الحنفيّة، فولّوهم منصب القضاء لينكّلوا بالمالكيين. و تمثّل ردّ فعل المالكيّة خاصّة، و أهل المغرب عامة، في انضمام علمائهم سنة 333 ه إلى ثورة أبي يزيد صاحب الحمار، أملا في الإطاحة بالعبيديين .
وظلّ الصراع قائما بين الفئتين إلى أواخر ق 4 ه. أمّا في ق 5 ه فيشير المقدسي إلى أنّهم كانوا يعيشون في ألفة عجيبة (أحسن التقاسيم : 336 ). وبفقدان السند السياسي من الأمراء الأغالبة و تواطؤ الأحناف مع الشيعة و تقلص مذهبهم في النخبة دون العامّة بدأ مذهبهم يضمحلّ بإفريقية شيئا فشيئا منذ بداية ق 5 ه إلى أن أصبح المذهب المالكي بمثابة قوميّة الأفارقة خاصة و المغاربة عامة، بصفة نهائيّة، بقرار المعزّ بن باديس سنة 436 ه الذي أصدره إثر ثورة أهل القيروان على الشيعة .ومنذ ذلك التاريخ لم يعد المذهب الحنفي إلى إفريقية إلاّ أيّام الحكم العثماني. لكن المؤسف أنه لم يصلنا من آثارهم إلاّ القليل كالجزء الرابع الذي حقّقه فرحات الدشراوي كآخر ما بقي من كتاب « أدب القاضي و القضاء « لأبي المهلّب هيثم بن سليمان بن حمدون القيسي ( ت 275 ه). وهو – على صغره – كبير الفائدة كأثر حنفي لإفريقي كان في وقت ما قاضيا للقضاة، وهو يثبت – فعلا – منافسة مدينة تونس لمدينة القيروان منذ ق 2 ه في سؤدد السياسة و العلم (*).
(*) ملخص لما نشر في: الهداية، أكتوبر 1975، ص 67 – 72 ؛ و في : إقليم القيروان، ص 27 – 38 بعنوان « المذهب الحنفي بإفريقيّة من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الخامس هجريّا « .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.