بقلم الدكتور منذر عافي (باحث في علم الاجتماع) يكمن الهدف الرئيسي لهذا المقال في تقديم البحوث والأفكار التي تتناول الأبعاد الثقافية وقضايا التعليم المدرسي، مع التركيز في الوقت نفسه على المعلم كفاعل ثقافي ووسيط. بين الثقافة والتلاميذ. لذلك، فإن السؤال المحوري هو كيفية تقدير مهنة التدريس وتقييم المدرسين من منطلق التجربة الثقافية والخطاب والممارسة؟ ويهدف هذا التمشي لإظهار صلة الربط بين الفعل الثقافي والاهتمامات النظرية والعملية لعلوم التربية في العقود الأخيرة، شهد مفهوم التعليم المدرسي تنويعات كبرى وتفرعات منهجية؛ حيث تم ربطه بالنشاط المهني أو التكنولوجي والمعرفي. وبالتالي فلسنا في حاجة الى مزيد من الشرح. فيكفي أن نطالع كتابًا في العلوم الاجتماعية والإنسانية أو في علوم التربية لنحصل على تعريف لأحدث المفاهيم ذات الصلة بالنشاط التعليمي، ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الكم الوفير من التعاريف، دعونا نتذكر أنه، بالمعنى الأكثر تقليدية للمصطلح، يعتبر التعليم أولاً وقبل كل شيء نشاطًا ذهنيًا يهدف في الوقت نفسه إلى نقل الثقافة والرموز الثقافية الى التلاميذ. بمعنى آخر، فإن التعليم هو العمل، بطريقة أو بأخرى على نشر الثقافة وفقًا لعلاقة الوساطة الثقافية التي يقيمها المدرس مع تلاميذه. ففي المقام الأول، يتمثل دور المدرس في التوسط لنقل الثقافة الوطنية والمحلية ثقافة وتقديمها الى تلاميذه في شكل "تراث" أو "موروث حضاري" ينبغي المحافظة والعمل على احيائه. وتعتبر الموارد المدرسية والاوعية البيداغوجية وأساليب التبليغ، إذا جاز التعبير، المحتوى الملموس لهذا التراث الثقافي. ويتم تعريف التعليم حينئذ وفقًا للرؤية التي يمكن للمرء أن يصفها بأنها "تراثية" للثقافة: هذا المستوى من الخوض المعمق في سجل إنجازات الأجيال السابقة والتي تستحق الترويج لها وحفظها، يدفع الى جمع هذا السجل وتخزينه وإعادة إرساله من قبل المدرسة الى التلاميذ باعتبارهم متقبلين ومتلقين مباشرين ومع ذلك، فإن الرؤية التراثية الخاصة بالثقافة تعزز توجها غير محايد، وبالتالي لا ينبغي جمع الرموز الثقافية، ولا نقلها بشكل سلبي من قبل المدرسة والمعلمين. حيث أن المدرسة لا تستطيع الحفاظ على كل شيء ونقل كل شيء؛ فهي مدعوة الى ان تنتقي وتختار بالضرورة، في خضم التراكمات الثقافية العالمية والمحلية، ثقافة جزئية ونموذجية، والتي تعتبرها مثالية وواعدة في مجال الثقافة المدرسية ويحسن تقديمها للتلاميذ. ليست الثقافة المدرسية، استنساخًا بسيطًا للثقافة الاجتماعية أو حتى التراثية: فهي تبدو إلى حد كبير إنتاجًا للمدرسة نفسها، وإنتاجًا مستقلًا نسبيًا، لأنه يخضع لاعتبارات بيداغوجية ومنطق أكاديمي بحت. ولقد بينت التحاليل أن المواد الدراسية مستقلة إلى حد كبير عن التراث الفكري، في بنائه واستخدامه، حيث يخضع لمنطق مختلف جدا عن ذلك المستخدم في المؤسسات التعليمية. وإذا كان صحيحًا أن التدريس هو القيام بعمل ثقافي بالمعنى التراثي للمصطلح، فإنه أيضًا تنفيذ لقواعد ثقافة معينة، عبر تحويلها إلى مجموعة من المبادئ الخاصة بالمدرسة. يتم التوسط في التعليم من خلال ثقافة الحاضر، وهي وساطة ضرورية كمهمة لتثقيف الأجيال الجديدة على المعرفة والأعراف الاجتماعية المعاصرة التي تحكم ممارسة المواطنة. وهذا يعني، أن المعلم وهو في الوقت نفسه فاعل ثقافي يشارك حتما في ثقافة الحاضر وفاعل في مواجهة التحولات الثقافية والرقمية المتنامية باستمرار في العالم المعاصر. ولكن ماذا عن هذه الثقافة في وضعها الراهن؟ وما هي الثقافة؟ لا نتعامل مع الثقافة بالضرورة في صيغة الجمع بل نجزئها الى وحدات فرعية: الثقافة العلمية، ثقافة الكتاب، ثقافة الشباب، ثقافة التلفزيون، ثقافة السوق الاستهلاك والأزياء، والثقافة التكنولوجية، والاتصالات، والإنترنت، وثقافة الصورة، والهيئات، والملابس، والمواقف، وطرق المحبة، والانتقال، والرقص، وثقافة العنف، ولكن، أين يستقر المعلّم في، هذا الخضم من الانتشار التصاعدي للثقافات الفرعية وفي هذا الاختراق الرهيب للثقافات المحلية وللخصوصيات الثقافية؟ ما هي ثقافة هذا المعلم الفاعل، أو بالأحرى ما هي ثقافته الشخصية والمهنية في المدرسة، وكيف ترتبط ثقافته مع الثقافات الأخرى، بدءاً بثقافات التلاميذ واوليائهم وصولا الى ثقافة الانترنيت؟ هذه هي بعض القضايا الثقافية الرئيسية التي تطرح هنا. ونجد انه من الضروري التأكيد عليها، إن هذه الأسئلة تشكل التحدي الرئيسي لجميع إصلاحات أنظمة التدريس والبرامج المدرسية ليست استثناء من هذه القاعدة. يلعب المعلم دور الوسيط الثقافي، لأن مهمته العملية، من خلال الاستراتيجيات التربوية والمفاهيم التعليمية والبيداغوجية، والمحتويات والقيم والقواعد، تكمن في توجيه التدريس والتعلم. في المدرسة واضفاء الصبغة الثقافية عليه. ان الثقافة في مفترق طرق العلوم الاجتماعية والإنسانية وتقليديا يعني مفهوم الثقافة حقيقتين. أولا، بالمعنى الفلسفي والأوسع نطاقا "الكلاسيكية"، تشير الثقافة في وقت واحد إلى عملية تكوين الأفراد ونتيجة هذه العملية، أن تكون إنسانًا، مثقفا ثقافة عالية من خلال مجموعة من الفضائل الأخلاقية (الاستقلال، الانفتاح، الإحساس بالحقيقة والجمال، الإحساس بالوئام، التوازن والعدالة، إلخ) ومن خلال القدرات الفكرية الفائقة (العقلانية، التفكير النقدي، وما إلى ذلك). في هذا الصدد، ولم يتم اختزال الثقافة في الفكر الخالص أو في سعة الاطلاع التراكمي على المعارف والعلوم، ولكنها تشمل كل حياة وشخص الإنسان المثقف. كانت هذه الحياة موجهة بشكل مثالي من خلال أنشطة ذات غرض ثقافي (التعلم، الدراسة، القراءة، التأمل الملاحظة، الحوار، وما إلى ذلك)، والتي كانت لها قيمة جوهرية، وهذا يعني، انها صالحة في حد ذاتها. وهذا الامر يتوافق مع تركيبة الإنسان المثقف، حيث تعتبر المدرسة أن اكتساب الثقافة أمر جيد ومحبذ ولذلك فهي تشجع عليه وتستحث كل الفاعلين الى التزود بأكبر كم من المعارف والالتصاق برموز الثقافة والتشبع بها. لكن هل ومهدت هذه المدرسة السبل الحقيقية للفعل الثقافي؟.. مجرد سؤال لا أملك حقيقة إجابة ضافية عنه.