الأمن زادة فيه طبّ... اختصاصات شبه طبيّة تخدم مع الوحدات في الميدان    رسالة من ترامب لمادورو في عيد الحب..وهذا ما جاء فيها..!    تحذير: رياح وأمطار غزيرة بداية من الليلة    شتاء استثنائي: جانفي 2026 يسجل أمطاراً غير معهودة..الرصد الجوي يكشف..    بعد واقعة إذلال مهينة.. مصر تحظر تداول محتوى واقعة صادمة    الجوية الجزائرية تعيد هيكلة رحلاتها نحو الشرق الأوسط وآسيا    توزر: تكثيف برامج المراقبة الصحية للتاكد من جودة المنتجات المعروضة استعدادا لشهر رمضان    بين الرومانسية والأصالة.. لطفي بوشناق يفتتح "غيبوبة" برمضان    استعدادا لرمضان: وزارة التجارة تعلن..#خبر_عاجل    المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" يكرّم الباحثة ليلى دربال بن حمد    الإعلان عن نتائج الأعمال المقبولة في الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية    صدور كتاب جماعي حول الأدب المقارن والنقد والترجمة تكريما للأستاذ الفقيد منجي الشملي    القصرين: إجراء 31 عملية لإزالة الماء الأبيض في العين في إطار قافلة صحية تضامنية بالمستشفى الجامعي بدر الدّين العلوي    جندوبة: حجز أطنان من الخضر في مخزن عشوائي    بلاغ هام لوزارة المالية..#خبر_عاجل    عاجل : الصين تتجه لتطبيق إعفاء ديواني على الواردات من 53 دولة أفريقية    نادي السويحلي الليبي يعلن تعاقده مع الدولي التونسي نادر الغندري    بطولة افريقيا للووشو كونغ فو للشباب - تونس تنهي مشاركتها ب22 ميدالية منها 8 ذهبيات    تأجيل النظر في ملف فساد مالي يشمل لزهر سطا وبلحسن الطرابلسي إلى 16 مارس    رسميا: قائمة وليد بن محمد تفوز بإنتخابات مكتب الرابطة الوطنية لكرة القدم المحترفة    فاجعة "طفل حي النصر" تهز تونس وتفتح ملف الجرائم الجنسية ضد الأطفال: ما هي العقوبات حسب القانون التونسي..؟    تنبيه/ اتقطاع التيار الكهربائي غدا بهذه المناطق..#خبر_عاجل    عرض خاص بشهر الصيام: لحوم محلية بأسعار تراعي القدرة الشرائية    كان عمرك 45 فما فوق..هذه شويا فحوصات لازمك تعملهم قبل صيام رمضان    عاجل/ فاجعة تهز هذه المنطقة..    الرابطة الأولى: مستقبل سليمان يواجه اليوم مستقبل المرسى    ورد اسمه اكثر من 9400 مرة في وثائق إبستين.. إقالة سلطان بن سليم من رئاسة موانئ دبي    حماس تعلن شروطا لقوات حفظ السلام في غزة    بعد ربع قرن.. رمضان يعود لفصل الشتاء    عاجل: القبض على شبكة مخدرات بين نابل والحمامات    وزير التجهيز يوصي بالتسريع في تسليم المساكن الاجتماعية الجاهزة إلى مستحقيها في أقرب الآجال    عاجل: وفاة فريد بن تنفوس... تونس تفقد أحد أبرز بناة القطاع البنكي    انتعاشة مائية في تونس: سدود تبلغ الامتلاء الكامل..والنسبة العامة قد تصل الى 54 بالمائة..#خبر_عاجل    عاجل من 15 إلى 20 عام: مقترح في البرلمان لتشديد العقوبات على مرتكبي ''البراكاجات''    مصر: تطورات جديدة في واقعة الاعتداء على شاب بمدينة بنها وإجباره على ارتداء ملابس نسائية    رمضان 2026 في الشتاء.. أول مرة منذ ديسمبر 1999    أحكام بالسجن لمتورطين في قضية تهريب مخدرات بمطار تونس قرطاج..#خبر_عاجل    منوبة: تواصل الحملة الجهوية لتلقيح الماشية من اجل بلوغ اهداف حمايتها من الامراض    اثارت موجة غضب كبيرة.. بن غفير يقتحم سجن "عوفر" ويشرف على انتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين    اليوم.. صناديق الاقتراع تحسم مصير مكتب الرابطة الوطنية لكرة القدم المحترفة    طقس بارد وصيام قصير... رمضان يعود للشتاء بعد 26 عاماً..    دورة تونس الدولية للجيدو - المنتخب التونسي للاواسط يحرز 13 ميدالية منها ذهبيتان    اليوم: الترجي أمام بترو أتلتيكو لحسم التأهل في دوري أبطال أفريقيا...هذه فرص التأهل    من القديس فالنتاين إلى محلات الهدايا: حكاية يوم عيد الحب    هذه هي كميات الأمطار المتوقعة...وين باش تصّب؟    رويترز: ويتكوف وكوشنير يعقدان اجتماعا مع مسؤولين إيرانيين في جنيف الثلاثاء    وزير الصحة يتحادث مع نظيرته الإثيوبية ويؤكد الاتفاق على دفع التعاون الصحي نحو مشاريع عملية    رياح قوية و مدمّرة .. نمط مناخي جديد في تونس !    اللحوم الحمراء ستتجاوز 70 دينارا للكلغ في رمضان! .. غرفة القصّابين تستنجد بالرئيس للحدّ من الأسعار    "غيبوبة" في شهر رمضان على تلفزة تي في    مجموعة "نحب نغني" تحتفل بعيد الحب    الشاب مامي، ناس الغيوان وكارول سماحة في الدورة السادسة ل''رمضان في المدينة''    لقاح ثلاثي لكلّ إمرأة حامل في تونس...علاش؟    أقل عدد ساعات صيام تسجّل في هذه الدول    الرابطة الأولى: برنامج المباريات والبث التلفزي المباشر..    زوز مواد في الكوجينة متاعك يرتحوك من الكحة    اليك دعاء آخر جمعة في شهر شعبان    طقس اليوم: تواصل هبوب رياح قوبة و ارتفاع في الحرارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تونس والفساد، من يحارب من؟
نشر في الشروق يوم 01 - 11 - 2019

الفساد كلمة فضفاضة وحمالة لعديد المعاني والمفاهيم فضلا عن كونها مسألة زئبقية إلى حد بعيد ذلك أنها مشتقة من الكلمة اللاتينية currumpere والتي تعني الرشوة بالأساس ولكنها تعني كذلك التدمير، وهل هناك تدمير أكثر من تدمير الفساد للمجتمعات؟
وبالمعنى الشامل للكلمة فإن الفساد يعني الرشوة والمحسوبية والاحتيال والإبتزاز وشراء أصوات الناخبين وغيرها من الوسائل التي تؤدي إلى الإثراء بدون سبب وهي عديدة ومتنوعة.
تشير تقديرات الأمم المتحدة أن الفساد يضيف رسما إضافيا يعادل 10 % على تكلفة أداء الأعمال والخدمات في أماكن كثيرة من العالم الشيء الذي يربك التنمية فيها ويشجع الجريمة بما في ذلك جرائم المخدرات والإرهاب.
الفساد بالمعنى الواسع كان ولايزال كالملح في الطعام، لم يترك مجالا إلا واقتحمه والإقتراحات الدونكيشوطية لمحاربته، كما هو الشأن في تونس، تعتبر هزيلة المردود وفي حكم المعدوم.
حسب تقرير منظمة الشفافية والنزاهة الدولية لسنة 2018 فإن تونس تحتل المركز 73 ودولة الإمارات العربية المتحدة تحتل المركز 23 أي أنها أفضل دولة عربية في مكافحة الفساد، دولة الدانمارك هي الأولى عالميا والصومال هي الأخيرة.
ومسألة محاربة الفساد رغم صعوبتها ليست بالمستحيلة، على المستوى الدولي هناك أربعة تجارب ناجحة في مقاومة الفساد وهي: سنغافورة، ماليزيا، جورجيا وبلغاريا ويمكن الإستئناس بها إذا توفرت الإرادة السياسية والرغبة المجتمعية باعتبار أن مقاومة الفساد ليست شأنا سياسيا فحسب بل شأنا عاما مجتمعيا.
والفساد أنواع ودرجات فمنه الصغير ومنه الكبير الذي يربك سيرورة الشعوب ويعطل نموها الاقتصادي حتى أنه هناك من يعتبر مقاومته كمن يطارد السراب ليجمعه بناصيته فإذا سئم المطاردة رجع إلى نفسه مدحورا بدلالة كون المقاومة تكون في أغلب الأحيان في قالب حملات موسمية لا تدوم طويلا وتكون جعجعتها أكثر من طحينها بمقولة أن «حساب البيدر لا يناسب دائما حساب الحقل».
محاربة الفساد في تونس غداة الثورة كانت هاجسا ومطلبا ثوريا عالي الكعب ثم أصبحت شيئا فشيئا «علكة» تلوكها جميع الأفواه بما في ذلك الأفواه القذرة المتورطة في الفساد لدرء الشبهة عنها حتى كدنا نعتبر عملية المقاومة المدعى بها ليست سوى مسرحية ومن قبيل الفنتازيا السياسية إن لم تكن لتصفية حسابات شخصية.
وتأتي من حين لآخر مواسم الإنتخابات فتبرز مسألة مقاومة الفساد في الخطاب السياسي شعارا براقا سرعان ما يخبو بريقه بمجرد انتهاء العرس الإنتخابي.
ألم يقع إستخدام شعار مكافحة الفساد منذ 2016 من طرف الحكومة الحالية وتم إيقاف بعض المشتبه بهم وفق معايير ملتبسة، غير واضحة المعالم دون الشروع في إصلاح هيكلي حتى أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لازالت هيئة وقتية بسبب المحاصصات داخل مجلس نواب الشعب، فضلا عن كونها لم تقدم إلى يوم الناس هذا إنجازا باهرا يطفئ لهيب اللهفة لدى المواطن الذي أصبح يشكك في صدقية مسار المقاومة أصلا أمام مئات المليارات التي ترصد للهيئة من جيوب دافعي الضرائب حتى أن حملة التصريح بالمكاسب كانت معيبة إلى أبعد الحدود وغير عادلة بالأساس.
حقيقة المعطلات كانت عديدة وأخص بالذكر منها قانون المصالحة الإداري الذي حصل في إطار طبخة سياسية نسفت مفهوم مكافحة جدية وفاعلة للفساد ولم تجن منها الدولة سوى الفتات.
كذلك فإن آلية النفاذ إلى المعلومة بغاية تعزيز مبدئي الشفافية والمساءلة فيما يتعلق بالتصرف في المال العام، رغم عدم انسحابها على المال الخاص، تبقى محدودة النتائج خاصة وأن الحكومة تعمدت التضييق من حق النفاذ إلى المعلومة بموجب عديد الآليات وخاصة المنشور سيئ الذكر عدد 4 المؤرخ في 16 جانفي 2017 المتعلق بخلايا الإعلام والاتصال الراجعة بالنظر إلى الوزارات والمؤسسات والمنشآت العمومية فضلا عن كون عديد الوزارات والإدارات العمومية لا تحترم واجب توفير المعلومة وهذا فيه خرقا واضحا لمبدأ الشفافية بما يتماشى ومعايير النزاهة الدولية.
كذلك فإن القطب القضائي الإقتصادي والمالي والذي رحبنا به كل الترحيب عند تركيزه لم يكن في مستوى تطلعات الشعب والمجتمع المدني لعدة أسباب منها بالخصوص قانون المصالحة الإدارية الواقع الإلماع إليه والذي عطل المسار القضائي التصحيحي كثيرا.
المواطن عموما ودافع الضرائب خصوصا سئم التسويف والتعمية والتضليل والتساهل في معاملة الفاسدين حتى أن المسألة أصبحت تبعث على الإندهاش والريبة إلى حد كبير.
والأمل معقود على تفعيل دور الهيئات الرقابية جميعها بدون إستثناء وخصوصا محكمة المحاسبات باعتبارها هيئة قضائية عديدة الاختصاصات الرقابية وتشتغل في كنف الاستقلالية بدلالة قانونها الأساسي الجديد الذي يدخل حيز التنفيذ في بداية العام القادم.
وهيئات الرقابة، التي معظمها تابعة للسلطة التنفيذية على مستوى الإشراف، فهي متعددة ومتداخلة الشيء الذي يربك عملها ومردوديتها بصرف النظر عن المعطلات الأخرى وهي على النحو التالي:
- هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية وهي تشتغل تحت إشراف رئيس الحكومة وتباشر عملها بموجب مأموريات تصدر عنه.
- هيئة الرقابة العامة للمالية وتعمل تحت إشراف وزير المالية.
- هيئة الرقابة العامة لاملاك الدولة وتشتغل تحت إشراف وزير أملاك الدولة.
- الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية وتشتغل تحت إشراف رئيس الجمهورية وهي التي نعول عليها كثيرا تحت إشراف الرئيس الجديد رغم محدودية تدخلها.
وإلى جانب هيئات الرقابة العامة المذكورة هناك هيئات خصوصية من ذلك لجنة التحاليل المالية لمكافحة الإرهاب وغسيل الأموال التابعة للبنك المركزي وهيئة مراقبي الدولة برئاسة الحكومة والهيئة العامة لمراقبي المصاريف العمومية ولجان مراقبة الصفقات العمومية وغيرها...
لكن ورغم تعدد الهياكل الرقابية فإن مردودها في مكافحة الفساد يبقى محتشما ودون المأمول فلا يسد رمقا ولا يشبع حاجة وأن كثرتها حالة مرضية فضلا عن تداخل اختصاصها إضافة إلى عدم نشر تقاريرها للرأي العام الشيء الذي يفقدها الشفافية المطلوبة وخصوصا عدم استقلاليتها ضرورة أن تداخل الإداري بالسياسي يربك عملها لا محالة وبالتالي وجب فك الارتباط بين هيئات الرقابة وبين السلطة التنفيذية وإطلاق يدها بما يتماشى والمعايير الدولية حتى تكون ذات جدوى وفعالية.
حقيقة الفساد ينخر البلاد في القطاع العام كما في القطاع الخاص ولا بد من مسح شامل ومحاربة جميع الثروات الغامضة «السوداء» التي لا تتناسب مع مصادر دخل أصحابها طالما هناك تهرب ضريبي وعجزت الدولة عن محاربته بالأدوات الجبائية المتاحة هذا بصرف النظر عن التهريب والاقتصاد الموازي الذي يرهق الإقتصاد الرسمي أيما إرهاق ويعطل تطوره.
أمام استشراء ظاهرة الفساد أصبحت ضرورة استئصال شأفته بكل أدوات الرقابة والعقاب من اوكد الواجبات المحمولة على الدولة وخصوصا على رئيس الجمهورية باعتباره حامي الأمن القومي كل ذلك في إطار ما منحه الدستور من صلاحيات خاصة وأن له حزاما شعبيا لم يظفر به غيره ممن سبقوه إلى قصر قرطاج بعد الثورة وبإمكانه الخروج من ديجور الأحزاب جميعها.
لكن، خوفي كل خوفي أن تصبح مسألة مقاومة الفساد من آخر اهتمامات الدولة بالنظر إلى تفشيه وتغوله أو أن تصبح عملا فولكلوريا من حين لآخر لذر الرماد على العيون كما حصل مع الحكومة الحالية وأن يقع التطبيع معه إجتماعيا في النهاية «normalisation» فيصبح مشتركا قيميا وأمرا مألوفا «banalisation» وتخبو الرغبة الشعبية الملحة في مقاومته يوما فيوما...
من أراد مكافحة الفساد فينطلق من مراقبة الصفقات العمومية بداية من المناقصة وصولا إلى التنفيذ...
القاضي الطاهر بن تركية
(رئيس دائرة جنائية بمحكمة الإستئناف بتونس)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.