الاطاحة بشبكة لترويج المخدرات بباردو..وهذه التفاصيل..    عميد البياطرة: ''اجعل غذاءك دواءك''    عاجل/ عصابة منظمة تستدرج قاصرات وتغتصبهن..تفاصيل ومعطيات صادمة..    باردو: عامل بمحطة غسيل سيارات ينسخ مفاتيح الحرفاء ثم يستولي على سياراتهم ويفككها    حي النصر : أحكام سجنية لصاحبة مركز تدليك و4 متهمين    باردو: الإطاحة بفتاتين ضمن شبكة لتهريب وترويج مخدر الكوكايين    عاجل/ من أجل هذه التهمة..القضاء يصدر بطاقة ايداع بالسجن في حق قاض معزول..    في تجربة حديثة.. عيادات عن بعد لطبّ الأسنان بالمستشفيين الجهويين بقبلي وطبرقة    عاجل/ تنبيه لمتساكني هذه المناطق: لا تيار كهربائي غدا..    تونس: دعوة لتمكين ''المعاقين'' من جراية لا تقلّ عن ''السميغ''    وفد عن لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس الجهات والأقاليم يزور جندوبة    إيران تلوّح بتفعيل "الردع البحري"    تقارير اعلامية: فرنسا متورطة في اغتيال نجل القذافي بأمر من ماكرون    عاجل/ العثور على جثة امرأة بهذه المنطقة..    الفيديو أثار ضحة: صانعة محتوى تحاول الانتحار في بث مباشر..ما القصة؟!..    لمن يهمّه الأمر: عندك شهر بش تقدّم الوثائق اللازمة للحصول على مسكن بمقاسم ''الحنايا 1''!    ملتقى فرانكونفيل لالعاب القوى بفرنسا - التونسية نورهان هرمي تحرز المركز الثاني لمسابقة الوثب الطويل    عاجل: هذا ما تقرّر في حقّ شاب وفتاة قاما بالإعتداء على سائق تاكسي في دوّار هيشر    جلسة بوزارة الفلاحة لبحث آليات إنقاذ المزارع البحرية المتضررة من التقلبات الجوية    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    واشنطن تأمر مواطنيها بمغادرة إيران "فورا    ويُغيّر إسمه: مغنّي راب بريطاني يعتنق الإسلام    الرابطة الأولى: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الخامسة ذهابا    الترجي الرياضي - الملعب المالي: من أجل الانتصار وافتكاك الصدارة    بيان عاجل بعد ''منع'' الشعائر الرمضانية    الرابطة الأولى: تشكيلة الأولمبي الباجي في مواجهة مستقبل سليمان    الرابطة الأولى: تشكيلة الإتحاد المنستيري في مواجهة النجم الساحلي    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    انفراج مرتقب في النقل: دفعة أولى من الحافلات ترسو بحلق الوادي    رابطة أبطال إفريقيا - مولودية الجزائر تفوز على الهلال السوداني 2-1 وتعزز حظوظها في سباق التأهل    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    ترامب: أجرينا محادثات جيدة مع إيران ويبدو أنهم يريدون إبرام اتفاق    الصحفي الهاشمي نويرة في ذمة الله    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    مَأساة حمدي بابا تهزّ السّاحة الرياضية .. .نجومنا من وهج الشّهرة إلى جحيم الفَقر والاهمال    إصدار جديد .. «تأمّلات» مجلة أدبية جديدة يصدرها بيت الرواية    مدير أيام قرطاج لفنون العرائس عماد المديوني ل«الشروق» .. مهرجاننا لا يقل قيمة عن أيام قرطاج المسرحية والسينمائية    إنجاز طبي متقدّم في طبّ الأمراض الصدرية التداخّلي بمستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة    أيام 10 و11 و12 فيفري ...تونس تحتضن أول مؤتمر دولي للطبّ الاهتزازي    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    البنك الدولي يواصل معاضدة جهود وزارة الصناعة في انجاز المشاريع الطاقية    عاجل: دولة عربية عندها مخزون قمح يكفي حتى 2027    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    وزارة الصحة تؤكّد فعالية لقاح HPV!    القصرين: المشروع البحثي الأوروبي "فينوس" يراهن على نبتة التين الشوكي لتحويل الأراضي الهامشية إلى فضاءات ذات قيمة مضافة    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    تحويل وقتي لحركة المرور بالطريق الجهوية رقم 31 على مستوى منطقة المنيهلة    الأيام الرومانية بالجم يومي 28 و29 مارس 2026    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    عاجل : قبل كأس العالم 2026.. قرار صادم من مدرب المنتخب المغربي    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    يهم شهر رمضان..بشرى للتونسيين..    تونس والجزائر تعززان التعاون في مجال الصيد المستدام بدعم من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي "جيكا"    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. زينب التوجاني:"المفتي عثمان بطيخ المستنير الشجاع في زمن كورونا ،خطاب واقعي يحترم سلطة الدولة
نشر في الشروق يوم 09 - 04 - 2020

كشفت الكورونا أهميّة تنوير الخطاب الديني وأهميّة الفاعلين في الحقل الدينيّ ففي حين علت أصوات دعاة وعوامّ رددوا ترديدا عصابيا دون اتخاذ مسافة تفكير بأن الإسلام في خطر بغلق المساجد وتعليق الشعائر الدينية وفي حين انتشرت موجة من مشاعر التّشكيك والاستهزاء منذ بداية شهر مارس حين تمّ الإعلان عن أوّل إصابة بالكورونا في تونس وضرورة ملازمة الحذر فإنّدار الإفتاء التونسيّة ممثّلة في شخص السيّد عثمان بطيّخ أصدرت أوّل إجراء وقائي بتعليق إجراءات اعتناق الإسلام توقيّا من العدوى وكان ذلك القرار صادما للرأي العامّ بشكل من الأشكال. وواجهه المواطنون بعضهم بالغضب والتكفير وآخرون بكثير من السّخرية و"التنبير".
ولكنّ الأيام أثبتت أن ذلك القرار في تلك اللّحظة يوم 9 مارس 2020 فيه حكمة بليغة أوّلا لأن الإيمان لا يتطلب وساطة مؤسّسة وثانيا لأن النسق السريع للوباء وعدد الوفيات بايطاليا وبفرنسا وباسبانيا بعد أسبوعين من ذلك القرار أي في نهاية شهر مارس، يؤكد أنّه لولا الحزم الذي به جرت الأمور في بداية الأزمة والتوقي من المرض ومحاولة تطويقه بالتّباعد الاجتماعي قبل أن يستفحل لولا تلك الإجراءات التي بدت غريبة وغير مفهومة لأنّها قطعت فجأة مع النّسق العادي لليوميّ ربما كنّا الآن في وضع صعب ولا يُطاق.
لذلك يجدر بنا أن ننتبه لمميّزات هذه الشخصيّة الرسميّة التي أعلت مبادئ العقل والسّلامة قبل الانفعالات الجانبية واتّسمت بالحكمة والانضباط والمسؤولية في مواجهة خطر يهدّد المجموعة. وإنانكتب هذا لأجل التاريخ ولإنصاف الفاعلين الذين بذلوا قصارى جهدهم لأجل الصالح العامّ بصرف النظر عن المآل الذي ستنتهي إليه الأزمة والذي نرجو أن يكون بأقل الأضرار. فهذه المقالة شهادة وهي في نفس الوقت رسالة تقدير وامتنان وشكر.
لقد أثبت الشيخ عثمان بطيخ قدرة الخطاب الديني عموما والتونسي خصوصا على أن يكون تنويريا بل وحداثيّا حين أيّد بلا تردّد قرار تعليق الصلوات الجماعية في الوقت المناسب واستجاب لدعوات الإعلاميين ففسّر ذلك بما تيسر من حجج شرعيّة وعقليّة لم تستحسنها جهات عديدة من بينها الأشدّ تعصّبا وانطلقت على المواقع الافتراضية حملة لتشويهه وتكفيره واتّهامه بالجهل والتواطؤ والاستغفار وسرعان ما رأينا بعض الجماعات من الشبّان يخرقون الحظر ليلا مكبرين في الشوارع المظلمة في رد فعل قد يكون عفويا وقد يكون بفعل فاعل جراء توقف الشعائر العادية فجأة بما يمثّل بكلّ تأكيد صدمة للمؤمنين لا يتقبّلها الجميع بنفس الدرجة من المعقولية. ومع ذلكالانفجار لانفعالات المتدينين والمتعصبين المتوقع لم يتوانى المفتي عن إعلان دعمه لإجراءات البروتوكول الاستثنائي في دفن ضحايا الكورونا بعدم تغسيلهم وعدم الصلاة عليهم جماعة والاكتفاء بصلاة الغائب أو بصلاة يقيمها المكلفون بالدفن على باب المقبرة، لقد تحمّل المفتي مسؤوليته التاريخية كاملة فدعم بخطابه حاجة المجموعة إلى النظام والتقيد بالإجراءات التي تقررها سلطة علمية طبية وأعلن بوضوح عشية مروره لدعم تعليق صلوات الجماعة أن على المسلمين والمواطنين التقيد والإصغاء لنصائح الأطباء واتباع ما يملونه عليهم وقد نبه بذلك إلى أن السلطة العليا هي سلطة المعرفة العلمية التجريبية النسبية التي يملكها الطبيب، معتبرا أن اللحظة لا تحتمل أن يتشبث الناس بسلطة غير تلك السلطة ومكرّسا سلطته الرمزية ذات الطابع الديني لخدمة سلطة الطبيب المعرفيّة.
لقد قدّم المفتي نموذجا لجدلية النصّ والواقع في الفقه، وعبّر بكلّ وضوح أن الفتوى تكون دائما بين النصّ الشرعي المنطَلق وبين الواقع الذي تتوجّه نحوه فمارس الاجتهاد العقليّ بكلّ ما في الكلمة من عمق ليكون ذلك النصّ المنطلق قابلا لأن يتطوّع في خدمة الواقع الصّعب الذي يتطلب سلطة المعرفة العلمية ولا غير.
لقد برهن المفتي عثمان بطيخ عن الحياة التي لا تزال تنبض داخل الثقافة الإسلامية وتلك الحياة التي بشر بها الحداد في مجموع آثاره إذ أشار إلى الطريق الذي لا تتناقض فيه الشريعة مع المجتمع من خلال اختيار التجديد على الجمود والمضي في إعمال العقل ونبذ الترديد الجاهز للممارسات المتكلسة وللشعائر التي لا تنبض بروح الحياة وحاجيات الناس ومصالحهم الأساسية. إن الثقافة الإسلامية ليست ثقافة موت هكذا قال عثمان بطيخ وهو يحاول أن يقنع الناس بأن البقاء في البيوت وتعليق الشعائر الدينية بما فيها الصلوات الجماعية لا تهدف إلى تعطيل الإسلام كما زعم أحد الدعاة المتطرفين الذين اعتبروا أن إيقاف الصلوات إعلان أن دار الإسلام أمست دار حرب وكفر بل هي ضرورة لحفظ النفس وللبقاء وللتعبد كذلك. بل عبر عن استيائه بوضوح من الذين صلوا خلسة وكسروا الحجر الصحي، وعبر أيضا عن استيائه من الذين رفضوا دفن الموتى في المقابر بحجة الخوف من العدوى وذكّرهم بأصل الرحمة في الدين واصل إكرام الموتى بدفنهم. ودل كل ذلك على شجاعة رجل مسؤول أمام ضميره وربّه والمجتمع والتاريخ.
لقد لعب خطاب عثمان بطيخ دورا مهدئا في لحظة اجتماعية ونفسية صعبة وضرب بذلك الدليل على قدرة الاجتهاد الديني في التلاؤم مع الحياة وإمكانية أن يكون الدين الإسلامي في خدمة الإنسان والإنسانية والحياة والأمل والرحمة وأن لا يتناقض مع القانون ومصلحة البشر باختلاف معتقداتهم. مذكرا بروح الإسلام الحية المتمثلة في حفظ النفس حتى على العبادات والطقوس الدينية.
كان يمكن أن لا نتوقف لنشهد بأن المفتي التونسي قام بدوره الإيجابي على خير ما يرام في وباء الكورونا الذي أصاب البلاد التونسية عام 2020 لولا أن البديهيات أمست بحاجة إلى حجج وإلى براهين وأمست الغريزة المحبة للحياة بحاجة إلى من يحييها في النفوس، لان خطابا ظلاميا يلبس قناعا دينيا هيمن على تلك النفوس حتى قتل فيها غريزة الدّفاع عن النفس لصالح ثقافة الموت والظلام. ومن بين الاعتراضات التي وجّهت لهذا الخطاب المستنير أنه لم يستخدم الآيات قرآنيةفي خطاباته التي تتالت في الإذاعات والتلفزات ومن الاستنتاجات السخيفة أن ذلك يدل على أنهغير حافظ لكلام الله وغير مؤهل للإفتاء، غير أن عثمان بطيخ كان يستخدم الحجج المَثليّة والحججالعلمية والعقلية ليحث من يتوجه إليه بالخطاب من الفئة المعنية بتأثير خطابه الشرعي على الاعتناء بصحتهم وعدم تعريض أنفسهم وغيرهم للخطر وللموت، وآباؤنا وأمهاتنا كانوا يجدون حرجا في ترك الصلاة في المساجد فلما خرج عليهم بذلك الخطاب صدقوه ووثقوا به وعولوا عليه لان من مهام المفتي أن يأخذ على عاتقه جريرة الفتوى في حال أخطأ فهو الذي يحاسبه الله ويعاقبه لا الذين اتبعوه وبذلك فإن عثمان بطيخ أكد حسه المسؤول وحبه للناس وخوفه عليهم حين تحمل مسؤولية فتوى يُحاسب عليها وحده في المنظور الفقهي أمام الله. فهي فتوى للحياة وللحفاظ على النفس ولحماية المواطنين. وبذلك يتبين لنا أن خطابا كهذا الخطاب حقق شروطا حداثيّة:
- خطاب في الوقت المناسب حسب متطلبات الواقع والحداثة جوهرها مسألة توقيت.
- خطاب أعلى سلطة المعرفة العلمية الطبية العقلية التجريبية النسبية وتلك هي الحداثة المعرفية.
- خطاب أوقف الشعائر الدينية وعمل بمقاصد الشريعة وهذا هو روح الحداثة الدينية.
- خطاب إنساني حقوقي رحيم بكل البشر لا بالمسلمين فحسب، وخطاب إنسي بمعنى أن غاية الفتوى إعلاء مصلحة الإنسان والحداثة مركزها الإنسان.
- خطاب واقعي برغماتي ويحترم سلطة الدولة ويعضدها لا يعارضها ولا يشتت انتباهها في لحظة أزمة ولا يُنافسها بل يكرس سلطته لخدمة سلطتها وهذه هي الحداثة السياسية حيث لا ينافس الدين سلطة الدولة المدنية.
فهل كان مثل هذا الخطاب أن يصدر عن رجل دين يتحمل وظيفة رسمية في الدولة لو لم يكن في ثقافة هذا الرّجل ما انغرس في تقاليد التحديث التونسي الذي بدأ منذ القرن التاسع عشر؟فعثمان بطيخ الحفيد الشرعي لعمر المحجوب ولاسماعيل التميمي الذين واجها الوهابية في أواخر القرن الثامن عشر. وهو الحفيد الشّرعي للطاهر الحداد وهو الحفيد الشرعي لقرن من الحداثة التونسية برموزها ومفكريها وانجازاتها.
وأخيرا لن ننسى أنه لم يعارض مبادرة القايد الباجي السبسي للمساواة في المواريث بل ثمن المساواة وهنأ النساء التونسيات في 13 اوت 2017 بتلك المبادرة وبالمزيد من الحقوق. وإني بدوري أحييه وأرجو له الصحّة والسلامة لنخوض معا بعد انفراج المحنة المزيد من مواجهات التجديد والتحديث الفكريين والحقوقيين والدينيين لدحر التعصب والظلام والتمييز والظلم ولتكون الثقافة العربية الإسلامية في صف النهر الذي لا يمكن السباحة فيه مرتين، أي في صفّ الواقع والمعقولية والإنسان والتجدد الدائم. في صفّ الحياة.
فشكرا لك سيدي ولكل الذين يدركون أهمية التشبث بقيم الإنسان والحياة لجعل اللحظة الكورونيّةعميقة الإنسانيّة.
*أستاذة الحضارة في كلية الآداب والفنون والأنسانيات بمنوبة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.