رغم أن المرسوم الجديد لمكافحة المضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار لم يُحقق ما انتظره منه التونسيون على الوجه الأكمل، خاصة خلال شهر رمضان، إلا أنه ساهم في الأيام الأخيرة في هدوء نسبي للأسعار وفي عودة توفر بعض المواد بشكل عادي في انتظار أن يتحسن الوضع أكثر في الفترة القادمة كلما تقدم تطبيقه. ويؤكد ذلك أنه كلما كانت القوانين والإجراءات صارمة والعقوبات مشددة إلا وارتدع المجرمون وساد الانضباط وتراجع منسوب الفوضى، وهو ما ينطبق على كل المجالات. وتبدو البلاد اليوم في حاجة إلى مزيد من الخطوات في اتجاه تشديد القوانين والعقوبات في مجالات أخرى غير المضاربة والاحتكار والأسعار وذلك للقطع مع مختلف مظاهر الفوضى وخرق القوانين التي أصبحت سائدة في أكثر من مجال. فمنذ 2011 إلى اليوم، استغل كثيرون ضعف وهشاشة العقوبات في بعض القوانين وضعف الدور الرقابي والرادع للدولة للتمادي في ارتكاب الجرائم المختلفة وفي تعميم الفوضى في البلاد غير عابئين بهيبة القانون وأجهزة الرقابة وغير مكترثين للعقوبات التي تنتظرهم. فالمتابع اليوم لتطور الجريمة في تونس يلاحِظ أن عدد مرتكبي جرائم السرقة و"البراكاجات" والاعتداء بالعنف في تزايد ملحوظ فضلا عن بشاعة الجرائم المرتكبة وتحولها إلى كابوس وهاجس مخيف لدى كثيرين. وقد أصبحت هذه المظاهر تحدث بشكل عادي في الطريق العام وفي وسائل النقل العمومي وأمام المؤسسات التربوية وفي الفضاءات العامة على مرأى ومسمع من الجميع. ويؤكد ذلك أن مرتكبي هذه الجرائم أصبحوا لا يخشون القانون ولا يخافون العقوبات التي تنتظرهم بما انها ضعيفة ولا تحقق الردع المطلوب. والملاحظ لِمَا أصبحت عليه حالة حركة المرور يكتشف اتساع رقعة الفوضى وخرق قوانين السياقة الآمنة على طرقاتنا وما يرافق ذلك من عنف لفظي وجسدي وأحيانا من جرائم فظيعة في حق بعض مستعملي الطريق. وهو ما يؤكد أيضا أن مرتكبي هذه الخروقات والجرائم أصبحوا بدورهم غير عابئين بما يفرضه قانون الطرقات وقوانين الحق العام من سلوك سليم وانضباط أثناء السياقة ولا يخشون العقوبات التي تنتظرهم بحكم ضعفها وليونتها وعدم تناسبها مع الجرم المرتكب ويتمادون في ارتكاب المحظورات. وفي الأعوام الأخيرة، ارتفع أيضا منسوب جرائم التحيّل والتدليس والإثراء غير المشروع وتجارة الممنوعات والاستيلاء على الملك العام وهضم الحقوق، رغم ترسانة النصوص القانونية السارية. وإن دلّ ذلك على شيء إنما يدل على أن هذه القوانين ضعيفة وغير مواكبة لتطور "تقنيات" بعض الجرائم، وأن العقوبات المُضمنة بها هشة ولا تُحقق الردع المطلوب وتُشجّع كثيرين على العودة لارتكاب الجريمة نفسها بعد قضاء عقوبة أولى. في عديد الدول، بما في ذلك بعض الدول العربية والافريقية، يسود الانضباط والاحترام المتبادل داخل المجتمع ولا مكان للفوضى وخرق القوانين في مختلف مجالات الحياة، وذلك بفضل العقوبات المتشددة والصارمة وغياب التساهل في تطبيق القانون وبفضل عدم تمكين مرتكبي الجرائم الخطيرة من أية ظروف تخفيف.. فمجرد جريمة "براكاج" لافتكاك هاتف جوال أو حقيبة يدوية أو مجرد جريمة عنف او انتهاك حرمة أو مخالفة مرورية بسيطة أو جريمة تحيل تكون عقوبتها صارمة بالنسبة لمرتكبها ورادعة لكل من يفكر في ارتكابها. وهو ما تحتاجه بلادنا اليوم في عديد المجالات بعد أن عمّت الفوضى واستشرى عدم الاكتراث بالقانون، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بمراجعة عديد النصوص القانونية وتطويرها وجعلها مواكبة لتطور الجريمة وتضمينها عقوبات مشددة تحقق الردع المطلوب. فاضل الطياشي