دخل العدوان الذي تقوده أمريكا والصهاينة ضد إيران مرحلة معقدة عنوانها الأبرز هو غياب الحسم، بل وفشل الإدارة الأمريكية بشكل لا لبس فيه في تحقيق او ترويج أي نصر واضح يمكن تسويقه داخليًا أو خارجيًا. فبعد أسابيع من العمليات العسكرية المكلفة، لم يتمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من إعلان نهاية ناجحة للحرب، بل وجد نفسه محاصرًا في مأزق استراتيجي تتزايد تعقيداته يومًا بعد يوم، خاصة مع وصول تكلفة الحرب إلى ما يقارب 42 مليار دولار حتى الآن. هذا الرقم الضخم لا يعكس فقط عبئًا اقتصاديًا ثقيلاً على الخزينة الأمريكية، بل يكشف أيضًا عن محدودية النتائج العسكرية المحقّقة مقارنة بحجم الإنفاق، فالعمليات الجوية والضربات الصاروخية، رغم كثافتها، لم تنجح في كسر الإرادة الإيرانية الصلبة أو إضعاف قدراتها بالشكل الذي كانت تأمله واشنطن. و على العكس تماما أظهرت إيران قدرة لافتة على الصمود وامتصاص الضربات، وإعادة ترتيب صفوفها وتعبئة الجبهة الداخلية، والاستمرار في الرد بطرق متعددة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها في المنطقة. في هذا السياق، تحولت الحرب إلى ما يشبه «حرب استنزاف» مفتوحة، تستنزف الموارد الأمريكية دون تحقيق اختراق حاسم، ومع مرور الوقت بدأت الأصوات داخل الولاياتالمتحدة تتعالى، منتقدة استمرار العدوان دون أفق واضح، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الداخلية التي تجعل من كل دولار يُصرف في الخارج محل جدل سياسي حاد. في المقابل، لم تُظهر إيران أي استعداد للتراجع أو تقديم تنازلات جوهرية، بل اعتمدت استراتيجية الصمود الطويل والصبر الاستراتيجي، مستفيدة من خبرتها التاريخية في إدارة الحروب غير المتكافئة. هذا الصمود لم يكن فقط عسكريًا، بل سياسيًا وشعبيا وإعلاميًا أيضًا، حيث نجحت طهران في تقديم نفسها كطرف يتعرّض لعدوان خارجي، مما عزز من تماسك جبهتها الداخلية وأكسبها تعاطفًا في بعض الأوساط الدولية. ومع تعثّر الخيار العسكري، برزت مسارات دبلوماسية غير مباشرة، تقودها أطراف إقليمية، من بينها باكستان، التي تحاول لعب دور الوسيط لاحتواء التصعيد، غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال تصطدم بتصلب مواقف الطرفين. فواشنطن تريد تركيع ايران واستسلامها وتسعى إلى فرض شروط قاسية تتعلّق بالبرنامج النووي الإيراني والصاروخي ونفوذها الإقليمي، بينما ترفض طهران أي اتفاق لا يضمن رفعًا كاملاً للعقوبات واحترام سيادتها. هذا التباعد في المواقف يجعل من وقف الحرب أمرًا صعب المنال في المرحلة الحالية، ويُبقي المنطقة على حافة تصعيد أوسع قد يجرّ أطرافًا جديدة إلى الصراع، ومع كل يوم يمر ترتفع الكلفة-ليس فقط ماديًا، بل أيضًا بشريًا وسياسيًا-ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الخروج منه أكثر صعوبة. في خضم هذا الوضع المتأزم، بدا واضحًا أن الضغط النفسي والسياسي بدأ يؤثّر على الرئيس الأمريكي نفسه، فقد صدرت عنه تصريحات حادة وغير معتادة، تضمنت شتائم مباشرة للإيرانيين، في خطاب وصفه كثيرون بأنه «سوقي» ويعكس حالة من التوتر واليأس. في النهاية، تبدو الولاياتالمتحدة اليوم أمام معادلة صعبة: الاستمرار في حرب مكلفة دون أفق واضح، أو القبول بتسوية قد تُفسر داخليًا كتنازل أو هزيمة، وبين هذا وذاك تواصل إيران استثمار الوقت والصمود، مدركة أن طول أمد الصراع قد يكون في حد ذاته أحد أهم أدواتها لتحقيق توازن مع قوة عظمى مثل الولاياتالمتحدة. وهكذا، يتحول المشهد من حرب خاطفة في شكل نزهة كان يُراد لها أن تنتهي بانتصار سريع، إلى مستنقع استنزاف مفتوح، يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تخرج منها واشنطن إلا بخسائر سياسية ومعنوية كبيرة(فيتنام). بدرالدّين السّيّاري