«وداعا أمريكا.. هذه هي النهاية.. أنتم تشاهدون الآن نهاية الامبراطورية الأمريكية العالمية.. لقد انتهى عالم القطب الواحد.. الشيء الذي كان عظيما في يوم من الأيام غير قابل الآن للتعرف عليه...» حين تصدر هذه الصرخة عن صحفي ومثقف أمريكي في حجم «تاكر كارلسون»، فإن الأمر يصبح بمثابة صيحة فزع أو صرخة نعي لامبراطورية سادت وبادت... وهي تعيش منذ فترة «سكرات» الانهيار النهائي... لماذا هذه الصرخة؟ وما هي الشواهد على قرب تحققها وعلى قرب حدوث الانهيار المدوي للامبراطورية الأمريكية؟ يقول شاعرنا العربي الكبير في قصيدته الخالدة «كبار الحوادث في وادي النيل».. «إنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا».. بيت من الشعر رائع هو بمثابة الحكمة الخالدة أو القاعدة الثابتة لصعود ونزول الدول.. ذلك أن القيم الأخلاقية تبقى العنصر الفاعل والمحدد في نشأة الدول وتطورها ومن ثم بقائها أو انهيارها بحسب تمسكها بثوابتها وبقيمها الأخلاقية التي انبنت عليها وبنت عليها تطورها وازدهارها.. والامبراطورية الأمريكية تخضع بالكامل لهذه القاعدة وتنطبق عليها بالكامل حكمة شاعرنا العربي الخالد.. بدايتها كانت حلما جميلا (The American Dream) ووصفة جميلة (نعم نستطيع Yes we can) وشعارات جذابة تحوم حول الحرية وحقوق الانسان.. وبدايتها كانت قوة عظمى لكن لها عقل تفكر به ومؤسسات تستشرف لها وقوانين تحكمها.. كانت قوة عظمى، لكنها تفكر بعقلها أولا وليس بعضلاتها بحيث استطاعت أن تنحاز لقيم الحق والعدل في أحيان كثيرة واستطاعت أن تنحاز لحق شعوب كثيرة في الحرية والانعتاق من براثن الاحتلال.. هذه ال«أمريكا» كانت قوة جاذبة وشكلت أملا وحلما وأنموذجا لشعوب كثيرة سعت إلى استنساخ هذا الأنموذج وسعت إلى بلورة أحلام تاقت إلى تحقيقها... ومع الزمن ومع تتالي العقود تعاظمت أمريكا وانتفخ الحلم الأمريكي ليأخذ شكل امبراطورية وليأخذ حجم قوة عظمى لا منافس لها، قوة تنفرد بالهيمنة على نظام دولي أحادي على مقاسها وعلى مقاس نزوعها للهيمنة على كل العالم والتحكم في مصير شعوب كل العالم... مع الزمن بدأت أمريكا تكبر وبدأت تفكّر بعقلها أقل وتفكّر بعضلاتها أكثر.. وشيئا فشيئا أغرتها غطرسة القوة وحب السيطرة والهيمنة بإلغاء عقلها نهائيا واستبعاد كل تعويل على القانون وعلى المؤسسة وبتفعيل عضلاتها كأداة للتفكير والتخطيط والتنفيذ.. تحوّل كان يعني أن أمريكا تتخلى عن الأسس الأخلاقية والسياسية وتحيل منظومة القيم التي بنيت عليها على المعاش.. أصبح دستورها الهيمنة والنزوع إلى القهر واستعباد كل الشعوب.. وصارت العصا الغليظة هي أداة الفعل ووسيلة التواصل مع كل دول وشعوب المعمورة.. سلوك حوّلها إلى ما يشبه دابة متوحشة تدوس كل شيء وتأكل كل شيء في طريقها.. دابة لا يضيرها أن تحرق الأرض بمن عليها كما حدث في هيروشيما وناغازاكي (اليابانيتان) اللتان ضربتا بالنووي. دابّة لا يخجلها أن تحرق الشعب الفيتنامي بنيران القنابل والصواريخ طيلة عقدين وخلّفت قرابة 4 ملايين ضحية ولا يرفّ لها جفن وهي تغزو بلدا مثل العراق وتعدم قيادته وتسقط مؤسساته وتغرقه في فتن طائفية هتكت أرواح مئات آلاف العراقيين. فلقد تحوّلت أمريكا مع الزمن إلى دابة نفطية تندفع حيث توجد رائحة النفط لا تعبأ بسيادة الدول وبحقوقها في ثرواتها.. ولا تجد حرجا في اختطاف رئيس دولة (فنزويلا أنموذجا) وفي وضع اليد على نفط بلاده.. ولا تتوانى عن مهاجمة إيران والمجاهرة برغبتها في وضع اليد على ثرواتها النفطية وفقا لما طرحه رئيسها ترامب قبل حوالي 40 سنة عندما قال «هناك نفط في إيران، اذهبوا وخذوه».. وهو الآن وقد أصبح رئيسا يضع شعاره موضع التنفيذ ويتحالف مع نصفه الآخر نتنياهو في العدوان على ايران لإقصائها من معادلات المنطقة ليتسنى السطو على النفط الايراني وفتح الطريق بالكامل أمام إقامة «اسرائيل الكبرى» وكذلك تتهيأ الأرضية وفق المعتقدات الصهيو مسيحية التي تحركهم لعودة «المسيح المخلص»... لم تدرك أمريكا أنها قد فقدت عقلها ومعه فقدت قيمها وقوّضت الأسس التي قامت عليها.. ولم تدرك أنها حين تفعل ذلك فإنما تقرّب ساعة الانهيار الكبير وتقرّب لحظة السقوط المدوي.. لم تدرك أنها بصدد فقدان كل شيء من حيث أرادت الاستئثار بكل شيء.. لأن اندفاعها المجنون إلى الهيمنة ونزوعها المفرط لاستعمال عضلاتها كأداة للتخاطب وسط المجتمع الدولي قد أفقداها مبررات وجودها ونسفا الأسس والقواعد الأخلاقية والقيمية التي تحكم صعود واستمرار الدول.. لم تدرك أنه لم يبق لها الا انتظار لحظة الانهيار الحتمي.. شأنها شأن كل القوى العظمى التي سبقتها والتي سادت ثم بادت عندما داست على القيم وعلى المبادئ وعلى الأسس الأخلاقية وتوغلت في نهج الظلم والغطرسة والترف وما يجلبه كل هذا من تفسخ وانحلال بانت كل أعراضه على أمريكا وعلى رئيس ترامب أمريكا وهو يقودها خطوة، خطوة نحو النهاية كما توقع لها «تاكر كارلسون» وقرع ناقوس الخطر بعبارة: «وداعا أمريكا وداعا للأحادية القطبية.. مرحبا بعالم متعدّد الأقطاب». عبد الحميد الرياحي