بالقنابل والرصاص.. عملية سطو ''هوليودية'' على شاحنة نقل أموال في إيطاليا (فيديو)    مع الشروق : غزّة مقابل ايران !    رسميا.. النادي الصفاقسي يقاضي حكمي الفار بمباراته أمام الإفريقي    عاجل/ تقديرات فلكية تحسمها بخصوص موعد أول يوم من شهر رمضان..    قادما من المكسيك.. الولايات المتحدة تواجه طفيليا آكلا للحوم    نمو الاستثمارات المصرح بها بنسبة 39،3 بالمائة خلال سنة 2025    تونس وكندا تعزّزان شراكتهما: مذكرة تفاهم مع مقاطعة نيوبرنزويك في التعليم والصحة والتشغيل    عاجل: والي بنزرت يعلن تحويل حركة المرور بعد فيضان وادي سجنان    محطات رصد الزلازل تسجل رجة أرضية شمال شرق ولاية تطاوين بقوة 3.2 درجة على سلم ريشتر    ايام قرطاج لفنون العرائس: أكثر من مائة تلميذ يلتحقون بمسابقة المطالعة    مواعيد جديدة لسفينة ''قرطاج'' بسبب سوء الأحوال الجوية    سليانة: الأمطار تعيد الحياة للسدود و هذه التفاصيل    المنستير: وفاة تلميذ بعد تعرّضه للطعن داخل معهد    مصالح الديوانة بالمعبر الحدودي برأس جدير تحبط محاولة تهريب ما يناهز 5.5 كيلوغرام من مخدر الكوكايين    من غير مصاريف زايدة: حلّ جديد للمؤسسات الصغرى في الفوترة الإلكترونية    أيام الدعم المسرحي بصفاقس من 9 إلى 12 فيفري 2026    عاجل : النادي الصفاقسي يطالب بتسجيلات الVAR كاملة ويهدد بتعليق نشاطه!    عاجل/ "الصوناد" تصدر بلاغ هام للمواطنين..    فيتامينات ماتجيش مع القهوة...دراسة علمية تكشف    تحذير طبي عاجل: لا تستخدموا المناديل المبللة على الجروح أبدا!    زيت الزيتون التونسي: كنزٌ عمره آلاف السنين يُهان ويُباع بثمن بخس ب3.5 يورو للتر الواحد، وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز    تظاهرة الاكلة الصحية من 10 الى 15 فيفري 2026 بدار الثقافة فندق الحدادين بالمدينة العتيقة    لبنان: مصرع 14 شخصا جراء انهيار مبنى في طرابلس    رمضان 2026: تجميد أسعار المواد الأساسية وضبط أرباح الخضر واللحوم والأسماك    مركز النهوض بالصادرات ينظم لقاء لتقييم وتثمين المشاركة التونسية في التّظاهرة الكونيّة "إكسبو أوساكا "    أبطال إفريقيا: فرضيات تأهل الترجي الرياضي إلى الدور القادم من المسابقة    بعد أزمة مسلسلها الرمضاني: شكون هي مها نصار اللي شعّلت الجدل مع هند صبري؟    يهم التلاميذ..التوقيت المدرسي لشهر رمضان..#خبر_عاجل    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    تونس تحتضن الدورة الدولية المفتوحة للجودو من 13 الى 15 فيفري بمشاركة 33 دولة    عاجل/ عقوبات تصل الى السجن ضد مرتكبي هذه المخالفات..    بطولة النخبة: النتائج الكاملة لمنافسات الجولة التاسعة ذهابا من مرحلة التتويج    هجرة التوانسة إلى كندا: هذه الإختصاصات المطلوبة    عاجل : وفاة ملكة جمال بعد حادث أمام سكنها الجامعي    عاجل/ تحذير من هبوب رياح قوية: منخفض جوي يهدد هذه المناطق التونسية..    عاجل/ في بلاغ رسمي..الجامعة التونسية لكرة القدم تعلن..    صداع "اليوم الأول".. خطوات هامة لتصالح مع فنجان قهوتك قبل حلول رمضان..    رمضان : أفضل وقت وماكلة للإفطار عند ارتفاع الكوليسترول    أمطار غزيرة بأقصى الشمال الغربي:مرصد سلامة المرور يُحذّر مستعملي الطريق    عاجل: هذه الدولة تعلن أن 18 فيفري هو أول أيام رمضان فلكيًا    عاجل/ قضية المسامرة..تزامنا مع محاكمة الغنوشي وقيادات من النهضة..المعارضة توجه هذه الرسالة لأنصارها..    "لست نادما"..اعترافات صادمة لقاتل زوجته وابنته..وهذا ما قرره القضاء في حقه..    رمضان 2026: رامز جلال في مقلب صادم يشبه Squid Game    وفاة الإعلامية والأديبة هند التونسي    عاجل/ من بينهم رضيعان: غرق مركب حرقة قبالة هذه السواحل..وهذه حصيلة الضحايا..    بطولة بو الفرنسية للتنس - معز الشرقي يفتتح مشاركته غدا الثلاثاء بملاقاة الالماني جوستين انجل    الاعلان عن تنظيم مسابقة للهواة في اطار مهرجان مساكن لفيلم التراث من 17 الى 19 افريل 2026    عاجل/ فضيحة جديدة..وثائق ابستين تطيح بهذه الوزيرة..    الإعلان عن التركيبة الجديدة للمكتب التنفيذي المنتخب لجمعية القضاة التونسيين    عاجل: الأمطار تتركّز اليوم على نابل وتونس الكبرى    بنزرت: وفاة امرأة أضرمت النار في جسدها    عاجل/ خفايا جديدة تكشف لأول مرة عن بشار الأسد وليلة هروبه..    الترجي الرياضي يعلن انهاء العلاقة التعاقدية مع المدرب ماهر الكنزاري    تواصل عمليات البحث عن الشاب حمزة غريق نفزة    بسبب القيود الأمريكية.. كوبا تبلغ شركات طيران بتعليق إمدادات الكيروسين لمدة شهر    من «سدوم» إلى إبستين ... عورات الحضارة وتكرار سنن السقوط    أيام قرطاج لفنون العرائس .. فسيفساء عرائسية بصرية ملهمة فكريا وجماليا    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حديث الأحد: الأمين العام للجبهة الشعبية يتحدث من سجنه بأريحا ل»الشروق»... الرئيس صدام وقيادته سجناء الحق والحرية
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005


حوار: فاطمة بن عبد الله الكرّاي
هل يجوز أن تسأل سجينا سياسيا عن ظروف سجنه هل هي مريحة أم لا في حين يتعرض كذات وكفكر وكتوجه الى ما يشبه المحظور؟... وهل يعقل أن يؤدي بك الأمر وأنت على الطرف الآخر من خيط الهاتف الذي أوصلك الى مسامع سجين هادىء ومناضل يشهد له أعداؤه بذلك قبل أصدقائه الى أن تدخل معه في السؤال والتساؤل عن الكتاب وعن الاعلام وعن التلفزيون وهو سجين بقرار محتل، وبلا حكم محكمة، ويحرس سجنه أمريكيون وبريطانيون هذه مجموعة أسئلة، علقت في ذهني وأنا أسأل نفسي لماذا أسأل د. أحمد سعدات من سجنه بأريجا، مثل هذه الأسئلة؟ فجاءت الاجابة في شكل صور متداخلة، دفعتني إليها الأنباء والصور الواردة من سجن «أبو غريب» العراق، وألح علي بسطها على مسامع «سعدات» ذاك اللقاء الذي خص به «الشروق» الأستاذ الدليمي محامي صدام، والذي قال ان الرئيس العراقي لا يتمتع بأدنى حقوق السجين وهي الكتاب والجريدة والأخبار....
كان لقاء عبر الهاتف مبرمجا منذ أيام، ولم أستطع الحصول عليه، إلا ساعة أفرجت، أو هي غفلت سلطات الاحتلال عن الهاتف الجوال الذي تمكن منه رفيق له بالسجن حتى تجري معه «الشروق» هذا اللقاء الفريد من نوعه والذي تناول كل القضايا التي يمكن أن يطرحها صحفي أمام أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين السيد أحمد سعدات... هو فلسطيني من الداخل، يتحدث الجميع حتى في فصائل أخرى عن دماثة أخلاقه، وعن بأس موقفه المستند إلى مرجعية فكرية ونضالية لا يشق لها غبار... منذ ثلاث سنوات أودع المناضل السجن، فلم يفرط في حقه ولم تفرط الجبهة في حقها عليه كأمين عام لها... القصة بدأت بالقاء القبض عليه وبالانتفاضة التي تساهم فيها الشعبية بشكل نضالي ملفت ومتنوع، من السلطة الفلسطينية لحمايته من بطش الاحتلال، لكن سعدات ولما سألته عن الموضوع قال جهارا : لا يجوز حماية المناضلين بالاعتقال...
له ملاحظات ومواقف مبدئية من الاحتلال ومن الانتفاضة ومن الحق الوطني ومن الأخوة ومن الأصدقاء ومن الأعداء... لا يداري موقفا بموقف، ولا يتوقف عن سؤال مهما كان معقدا ومهما كنت لا تشاطره الرأي في بعض التفاصيل... به وفاء السمّوأل لمن ناضلوا وقابلوا وجه ربهم وهم شهداء، يقبض على الجمر ولا يتراجع عن موقف، يشكل الفكر السياسي فيرسمه لوحة واقعية بها مفاتيح الأبواب المغلقة، ولا ينتابه شعور الكفر بالشقيق أو التعب والأرق من طول الانتظار... لأن قضية فلسطين بالنسبة له وللشعبية هي جزء من كل والكل بدوره سرعان ما يتحول الى جزء آخر من «كل» أشمل... تحدث عن الامبريالية المعولمة وعن جبهة النضال العالمي، التي تنطلق من ميادين فلسطين والعراق كما انطلقت ماضيا من ساحات أخرى في العالم...
هو ابن الجهة الشعبية بالداخل وصار حوله اجماع من كل مراتب وهيئات الجهة في الأرض المحتلة والشتات والطوق... أحمد سعدات معروف كمناضل من الخمسينات في الحركة النضالية منذ كان الجميع قوميون عرب... وهو «رجل لا غبار عليه اطلاقا في كل مسيرته العربية والفلسطينية»، وكذلك هو «يشبه أبو علي مصطفى الشهيد، والحكيم أمدّ الله في أنفساه، وهما من تداول على الامانة العامة قبله وكذلك وديع حداد الشهيد» هذا فريق من المتماسكين عاهدوا الله والوطن والتاريخ على الصمود بمبررات البداية وما زالوا ملتزمين بنفس المبررات... قسم منهم استشهد لأنه لم يساوم على المبدإ...
هذه شهادات من أصدقاء ومن رفاق في فصائل فلسطينية أخرى، قدّمتها كما هي، وحاولت أن أجمعها قبل نشر اللقاء، لاعتقاد مني أن اللقاء الصحفي عبر الهاتف، لشخصية لم أقابلها، ليس كافيا، فاذا بهم يؤكدون لي ما انتابني من احساس وأنا أضع السؤال وراء السؤال في هذا اللقاء الذي أسوقه في «حديث الأحد» لهذا الأسبوع...
قلت للأستاذ أحمد سعدات وقد رحّب ب»الشروق» وبتونس:
هل لك أن تقدّم لنا قصة اعتقالك، وظروف اعتقالك، والهدف من اعتقالك منذ ثلاث سنوات؟
فقال:
«.. الاعتقال هو الذي يحدّد شكل وجودنا هنا. هو اعتقال سياسي فيه استجابة للضغوطات الأمريكية الاسرائيلية. أنا هنا في سجن أريحا مع رفاقي الأربعة، لا أقدر أن أتحث عن وضعيتي ووضعيتهم المادية. فبمقاييس السجون، هنا «الحياة» مريحة بلا تعقيدات لا في المعاملة ولا في الحاجيات... والاحتياجات، وطبعا أقصد احتياجات السجين وليس الانسان الحر... الزيارات غير ممنوعة... والهاتف هو الممنوع... لكن بالنظر إلى طبيعة وشروط الاعتقال، كما تتذكرين ويتذكر الجميع منذ 3 سنوات، فمضمون الاعتقال هو مطلب اسرائيلي... بسجني واستمرار حجزي هنا... طبعا هذا أمر غير مسبوق والاعتقال هذا غير محدد بفترة زمنية محددة... وهناك طبعا، قرارات محكمة باطلاق سراحنا أنا وفؤاد الشويكي ومعنا الصديق عاهد أبو طلمي الذي أنهى مدة حكمه ولم تقدر السلطة الافراج عنه.
هل هذا يعني أن السجن فلسطيني شكلا، ومضمونا هو نمط من أنماط سجون الاحتلال الاسرائيلي؟
بل إني أقول انه نمط من أنماط سجون الاحتلال والامبريالية، بحكم ان القرار اسرائيلي أمريكي، في هذا الاطار هناك مسألة مهمة لابد من اثارتها في شقين:
أولا استمرار اعتقال كهذا غير قانوني وليس نتيجة محاكمة أو قرار من محكمة، يعدّ أمرا يضرب بشدة مصداقية الفصل بين السلطات، وسيادة واحترام القانون.
وهنا شدّد الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على أن سيادة القانون، وإذا ما اختزلت في «الأمن» فإنها تصبح كارثة مشيرا إلى ان وضعا كهذا يفتقد لاحترام القانون يعد أمرا مفزعا وكارثيا... كما عبر عن استغرابه من هذه المعاملة التي تطاله، حيث تطالب قوات الاحتلال الاسرائيلي باستمرار «ضمان» اعتقال سعدات... «كهذا وبدون محاكمة».
وهنا ذكرت د. سعدات بما قدمته السلطة الوطنية الفلسطينية من تبرير إزاء اعتقاله من أنها تحميه من يد الغدر الاسرائيلي، وأن في الأمر درءا لمخاطر محدقة به شخصيا كأمين عام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني، ردّ محدثي بالقول إنه «لا يجوز حماية المناضلين بالاعتقال»! كاشفا النقاب عن عملية ايقافه المتواصلة سجنا منذ ثلاث سنوات، لم تكن وفق «لائحة اتهام» وان توقيفه لا يستند لا إلى القانون الفلسطيني ولا إلى قانون الاحتلال... وهنا علّق سعدات على أن أي واحد يكون بالسجن وفي نظام يستند إلى القانون ويحترم نفسه يكون الأمر استنادا لنصوص القانون... وقال الأمين العام للشعبية ان محكمة العدل الفلسطيني أصدرت قرارا بتسريحه فورا وذلك يوم 3 جوان 2002، «لكنه قرار لم ينفذ».
هنا سألت محدثي، بعد أن انقطع خط الهاتف بيننا للحظات، عن هيئة الدفاع وهل أن المحامين الذين أوكلت لهم مهمة الدفاع عن «سعدات» طالبوا بالافراج عنه، وبتطبيق قرار محكمة العدل الفلسطيني، شدّد الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ان هذا المطلب متواصل وأن المحامين ومنظمات حقوق الانسان لها مجموعة من الطلبات التي وضعتها وتضعها أمام المجلس التشريعي الفلسيطيني (البرلمان).
ثم سألت محدثي:
هل هناك تغير في مسألة استمرار الاعتقال هذه، خاصة وان انتخابات فلسطينية أتت بالرئيس «أبي مازن» وأن هناك تغيرات تمس أو تحلحل الملف الفلسطيني كقضية؟
في الحقيقة لا يوجد تغير إلى الآن، كل ما هو مطروح، يقف عند «خارطة الطريق» شارون (ما يسمى بالانسحاب من غزة).
وفي كلا المشروعين أو الخطتين، نجد أن موضوع الأمن هو الأساسس.. ثم إن الاحتلال مافتئ ومنذ وفاة الرئيس عرفات، يقدّم مطالب أمنية «كشرط» و»اختبار لحسن نوايا السلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية»، لكن لا بدّ من التأكيد هنا بأن السلطة لديها رغبة وتطالب بالإفراج عنّي وعن بقية المعتقلين..
وعن سؤال آخر حول الحراسة البريطانية الأمريكية لسجن أريحا الذي يقبع فيه «سعدات» قال محدّثي انه اتفاق تمّ «في الظلام» ونتج عنه وجود بريطاني أمريكي يحرس السّجن.. وذلك قصد التأكد من تطبيق «القانون» رغم أن هذا الحبس الذي أتعرّض له ليست له علاقة بالقانون..
كيف يمكن أن تصف لنا وضعك اليومي بالملموس وهل تغادر المستشفى أم لا؟
يكون الخروج فقط للتداوي، للمستشفى قصد العلاج، والحراس الأمريكان والبريطانيون يرافقوننا حيث نذهب.
بما أن وجود القوات الأمريكية والبريطانية «لتأمين» سجنكم والتأكّد منه، هل أثارت جنسية الحراس البريطانيين والأمريكان ضجّة احتجاجية لدى مكوّنات المجتمع المدني من منظمات حقوقية وإنسانية؟
طبعا هذه المنظمات وهؤلاءالحقوقيين، وفي اطار رؤيتهم، يتعاطفون، لكن لا يجب أن ننسى أن هؤلاء الغربيين يقعون تحت طائلة فكرة يروّجها الاحتلال بمعية الأمريكان، من أننا إرهابيون ولسنا مقاومين.
قلت لمحدّثي وهو يقبع في سجن بقرار من الاحتلال وبحراسة أمريكية بريطانية: هل شاهدت فظاعات «أبو غريب» السجن الفضيحة الذي أدانت صوره الاحتلال؟ وماذا تقول عن تلك الفظاعات من هناك، من سجنك، من سجن أريحا؟
فقال: ما يحدث في سجن «أبو غريب» وفي السجون الأمريكية ليس غريبا عن الاحتلال وعن السلطة العميلة له هناك..
«أبو غريب»، يا سيدتي، ليس غريبا عنا نحن الفلسطينيون فقد اعتدنا على ما شاهدت من صور فظيعة مورست في حقّ السجناء والمعتقلين العراقيين من قبل قوات الاحتلال الأمريكي. في «أبو غريب» تسرّبت للعالم صور متناثرة عن سوء المعاملة التي تصل حدّ الجريمة، وانتهاكات حقوق الإنسان وتنكيل بالمعتقلين، وكل ذلك بفظاعاته، هو جزء صغير من البطش البريطاني الأمريكي ضدّشعبنا في العراق..
انتقلت بمحدّثي، بعد أن قطع الخط مرّة أخرى، الى المشهد السياسي الفلسطيني وكيف يراه كأمين عام لثاني أكبر فصيل في منظمة التحرير الفلسطينية طوال السبعينات والثمانينات أيضا، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ترى الطريق الى القدس عبر فوهة البدنقية والنضال السياسي مع الكفاح المسلّح، لا ينفصلان فشدّد بالقول:
الزاوية الأولى التي أرى منها المشهد، تتمثل في وقوفي كما الجميع على صمود غير مسبوق من الشعب الفلسطيني تجاه الاحتلال بكل آلية وغطرسته..
لقد أكد شعبنا الفلسطيني أن الاحتلال لم يقدر على هزم الشعب. المشهد الثاني الذي أراه هو قدرة شعبنا المناضل في احتواء المشاريع المشبوهة التي لا تستجيب الى حقوقنا الوطنية.. من ذلك أن أي حلّ لا يعطي ثلاثية حق العودة والدولة المستقلة والقدس، لا يمكن أن يدعه الشعب الفلسطيني يمرّ.. فمثلا مشروع شارون هذا، «بالانسحاب» من غزة يهدف الى فرض الرؤية الاسرائيلية المتمثلة في أن تكون لفلسطين دولة مؤقتة على مساحة 42 من فلسطين. مع فصل الضفة عن غزّة، وسلخ وتهويد القدس، مع فرض الأمر الواقع على شعبنا، بأن تكون دولته ضمن تكريس الاستيطان ويحوّل مشروع غزة الى سجن كبير ويحوّل الضفة إلى كنتونات وجدار الفصل هو الذي يغرّقها.. اسرائيل ورغم حديثها عن عوامل مثل الثقة وعطاءات وإجراءات تطلبها من السلطة الفلسطينية غير أنها كجهة محتلة لا تقدّم البتة على أي استحقاق مماثل..
كأمين عام للجبهة الشعبية، تقبع في السجن، ومازلت على صفته تلك حتى داخل المعتقل، كيف تمارس مهامك وأنت على غير صلة مباشرة بالمكتب السياسي ولا بأعضاء الجبهة؟
عمليا أقوم بجزء من دوري ولي دوري كاملا، على اعتبار وكما ذكرت، أنني سجين.. فوجودي بالسجن يمنع عني الالتقاء برفاقي وكوادر الجبهة.. طبعا أحاول أن أقوم بدوري، بما يتوفر لي من امكانيات للمشاركة في الهيئات.. أستطيع أن أقول إن ما أقوم به إنما هو جزء يسير من مهامي..
في ظرف ثلاث سنوات من الزمن، هناك أشياء كثيرة تغيّرت ومعطيات انقلبت، أصبح المناضل والمقاوم ارهابيا والاحتلال الذي يمارس الارهاب المنظّم ارهاب الدولة، هو المدافع عن نفسه، سؤالي، أستاذ سعدات، يتمثل في تأثير هذه التقلّبات في المرجعيات الفكرية، والتي يروّج لها الاحتلال وأذنابه وحلفاؤه، الشيء الذي صبغ الفعل المقام بالضعف احيانا وبالحذر وربّما بشكل عام، بالانتكاسة، وطبعا هذا على مستوى عربي وليس فلسطيني بذاته او عراقي بمفرده؟
أنا أستطيع ان أشخّص الوضع في المنطقة العربية فأصفه بالعدوان الامبريالي الشامل، اتخذت فيه الامبريالية المتحدة اسم العولمة. ان العدوان هو تكريس للسيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية... ما يحدث للوطن العربي الآن هو ترتيب اقليمي جديد تحت عنوان «الشرق الاوسط الكبير». كل مقدّرات الامة باتت مستهدفة... مقدّرات بشرية ومقدّرات مادية. والنضال ضدّه ودرء اخطاره لا يكون بالادوات القطريّة او بالفكر السياسي القطري، بل يجب ان يعاد بالادوات العربية التي توحّد وتشرك الجماهير اعتبارها ودورها، لأنه لا يمكن ان ننتصر الا من خلال التوحيد والتوحّد، والزج بكل العراق للعراقيين وحدهم هذا خاطئ والشيء نفسه في فلسطين كل الأمة عليها وزر التحرير والتحرر في فلسطين كما العراق... كما لا بد وأن يكون توحيد النضال العربي تحت رؤية وبرنامج...
فتاريخ حركات التحرر الوطني طرحت تجارب قد تكون اكثر تعقيدا مما يقع لنا اليوم، لكن بعدالة القضية وتوحّد شعوب الامة نستطيع ادراك النصر. النضال ضد الامبريالية لم يعد اليوم قضية قومية او وطنية فحسب، بل قضية عالمية انسانية... كما ان فرض شريعة الغاب وتكريس الامبريالية اهدافها المتمثلة في عولمة الامبريالية للحرب تنتج بالضرورة عولمة النضال ضدّها. هكذا هي الحياة النضالية اليوم، خندق يولّد نقيضه وهكذا...
في اطار الحركات الشعبية وعلى امتداد العالم، نجد هذا المنطق سائدا في نشأة المنتديات العالمية... فقد أصبحت هذه المنتديات العالمية أداة التواصل لعولمة النضال ضد الامبريالية... صحيح ان عملها ليس ممركزا، لكن هناك محاولات ونهضة انسانية عارمة ضد عولمة الحرب والامبريالية.
نستطيع ان نقول إنها المقدّمات التي تنشأ في مواجهة الامبريالية تعيد ترابط الشعوب بعضها ببعض سينشأ دون شك، مركز ديمقراطي لتوحيد وادارة نضال الشعوب والامم والطبقات ضد العولمة الامبريالية المتوحّشة تقوم على نبذ كل اشكال العنصرية والحروب وتحقيق الاستقرار للجميع.
معروف عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أنها جهة سياسية مناضلة وحركة لها «ازدواجية» ان شئنا، في المرجعية الفكرية، قليلا ما نجد اثرا لها على الساحة السياسية العربية. فمن ناحية انتم قوميون عرب من حيث الخلفية وماركسيون من حيث المجعية، فهل لكم تفضيل بين الفكر القومي والفكر الماركسي، خاصة وان عديد الحركات العربية ذات المشرب الفكري الماركسي نجدها اليوم في نفس خندق الفكر الليبرالي الامريكي الغربي، تضرب الفكر القومي تارة وتتفصّى من انتمائها الايديولوجي الماركسي تارة اخرى، فهل لك تفسير فكري سياسي لهذا الامر، خاصة وأن الجبهة على حد علمي لم تتلوّث بمثل هذه «الاسكيزوفرينيا»؟
أولا أنا لا استطيع ان افصل بين الفكر القومي والفكر الماركسي. فالماركسية فكر شامل يتضمّن تعبيرا عن الطموحات القومية والاجتماعية للشعوب. الماركسية ليست مذهبا او عقيدة بل ادوات للتحليل ومنهج للعمل، وهي ايضا رؤية للمجتمع تستند الى قوانين، لا ننظر اليها بمعزل عن انتصار امريكا عن النظم الاشتراكية بعد الحرب الباردة... لكن امريكا لم تهزم فكرا او نظرية، لأنها لم تحل كامبريالية ليبرالية (امريكا) التناقضات داخل النظم الرأسمالية وبينها وبين نفسها... الاطار الفكري الماركسي شخّص هذه التناقضات ولكن لا يمكن استبدال اي هنات او تناقضات في الماركسية كنظام، بالرأسمالية بل بالاشتراكية.
الآن، نجد الماركسيين العرب وغيرهم من الماركسيين داخل القوميات الاخرى، يتعاملون معها وبها كمنهج وليس كنظرية مسقطة...
الذي يحدث الآن على الساحة العربية، هو اضعاف لكل مقوّمات الفكر المناضل قوميا او ماركسيا، بأن تجدي اخطاء لدى هذا او ذاك، وهذا الواقع يدفع هذه القوى السياسية في الوطن العربي، سواء المتصادمة مع الامبريالية في اطار سياسي واحد موحّد او المتصادمة مع حلفاء الامبريالية مثل الصهيونية... ان يكونوا في اطار اشمل من ذلك، فهناك قواسم مشتركة عديدة بين قوى سياسية غربية عديدة، يمكن ان تسهم في بناء جبهة متحّدة... ضد الامبريالية والاحتلال.
بالنسبة لنا في الجبهة الشعبية بشكل خاص ننظر الى المشهد الفكري السياسي على النحو الذي ذكرته، لأننا لا نستطيع ان نفصل الوطن عن النضال الاجتماعي فهذا يكرّس الاستقلال السياسي ويحفظ المواطنة في أفضل معانيها.
أستطيع أن أقول أننا نحتاج لتوحيد الجهود العربية التي تعبّر عن مصالح الأمة بتعزيز التواصل حتى نرسم معا نظرية الثورة العربية في واقعها الجديد. نضالنا العربي وكافة نضالات الشعوب والأمم في كل العالم، لها ما يوحدها ولها ما يجعلها في خندق واحد، لأن العولمة وحّدت الامبريالية والاستغلال والاحتلال. فالنضال الأممي أعيد له الاعتبار وليس العكس... (وهنا أشار الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الى تلك المظاهرات والتظاهرات ضد العولمة وضد الحرب على العراق وضد محرقة جنين ، والتي ملأت لأيام وأسابيع شوارع العواصم الغربية الكبرى...)
الآن، لو ننتقل قليلا في شكل عودة الى الملف العراقي لأسأل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن الانتخابات العراقية من حيث الاسلوب والاهداف والطريقة، ما هو رأيك وكيف تعلق على الحدث وهو يحصل تحت راية الاحتلال؟
الانتخابات في العراق هي جزء من مسرحية نقل السلطة للعراقيين... هي غطاء للمشروع الاستعمار الأمريكي والبريطاني في العراق، بالضبط كما اصطبغ مشروع الشرق الاوسط الكبير بالديمقراطية وحقوق الانسان...! وطبعا، في هذه الحالة، يكون النظام الذي تفرزه تلك الانتخابات دمية وأداة في أيدي الأمبريالية الأمريكية، وهو نظام لن يدفع على كل حال باتجاه انهاء الاحتلال وتكريس الهيمنة الأمريكية، هذا ان لم نقل تقسيم العراق كما تريد الامبريالية الأمريكية، وفي كل المنطقة انطلاقا من العراق.
الانتخابات العراقية بقدر ما تعبّر عن محاولات لتكريس الاحتلال وكأن الدور الأمريكي الامبريالي هو عبارة عن دور وليس لنهب خيرات العراق واستغلالها، بقدر ما نجد ان الحيلة لا تنطلي على أهل العراق وعلى العالم.
الآن أسأل فيك السياسي المناضل السجين، ما هو احساسك والقيادة العراقية سجينة الاحتلال باتهام باطل وبقرار مزيّف، خاصة وأنك تقبع في سجن بقرار احتلال ويحرسك ورفاقك، بريطانيون وأمريكان يحتلون ويسجنون أشقاء لك في العراق؟
أنا أقول بمعزل عن الموقف في النظام العراقي في السابق، وهو موقف داخلي، أقول ان كافة المعتقلين بمن فيهم الرئيس صدام حسين هم مناضلو حرية ومعتقلين عند الاحتلال. وهم ضحايا الاستعمار الأمريكي البريطاني... فهو اعتقال غير شرعي ومخالف للقانون الدولي العام... فهو مظهر من مظاهر الامبريالية ووجود المعتقلات هو ايضا مظهر من مظاهر الغطرسة الامبريالية ليس فقط المقاومون هم الذين يقبعون في السجون بل النظام وأركانه أيضا... ان موضوع الاعتقال هو جزء من قمع الشعب العراقي وقمع انجازات المقاومة.
أخيرا وليس آخرا، ماذا يقول الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات في سجنه بأريحا للقيادة الفلسطينية الجديدة وللرئيس «أبي مازن» الجديد ولكل العرب وبقية الضمائر الحية والمفقودة في العالم؟
سأبدأ بالعام ثم آتي الى الخاص :
أنا أقول ان الحرب الامبريالية التي تقاد الآن ضد الشعوب هي موجهة لشعوب العالم بمن فيهم الشعبين الأمريكي والبريطاني هذه الحرب هي مظهر طبيعي للرأسمالية في مراحل تطورها.
في الفترة الماضية والحالية : العولمة، الآن طبقات وشعوب تنشد الحرية والحرية الكاملة... مهما زادت درجة العسف فإنها تواجه بنضال أشد وتعيد للانسان حريته، بل في عموم العالم لأن فيه منطقا انسانيا وهذا النظام يجب أن يُعمم المفاهيم الانسانية التي تساوي بين الجميع واحترام حق الشعوب في التحرر والانعتاق... أقول للأحرار في العالم ان قضيتنا عادلة وأنا واثق أنه باتحادنا سننتصر.
أما كلمة الوطني للقيادة الفلسطينية، فعليها ان تتعظ من تجربتها في المفاوضات ب»أوسلو» وان تتعظ من المشاريع التي استندت الى المعطى الأمني.
أما القضية بترابطها القومي فإني أقول إن ما يجري في فلسطين ليس منفصلا عن العراق، لابد من تعميم السيطرة على العراق تحت تعلة الانتخابات والوجه الآخر لها في فلسطين هي خارطة الطريق عليها ان تعلم كقيادة أن لا أمل في أن تحاول اعادتنا الى المربع الاول قبل الانتفاضة الذي عبّرت الانتفاضة عن رفضها لهذا المنهج وعن رفضها لأداء السلطة وأن تعمل كقيادة من خلال محيطها العربي بتحويل الضغط على اسرائيل بوصفها هي الخارقة للقانون الدولي لا أن تضغط على المقاومة الوطنية.
يوجد مشروع سياسي لاجهاض مقاومتنا وانتفاضتنا واملاء الشروط الاسرائيلية التي تنتقص من حقوقنا الوطنية وتوجد محاولة أمريكية لتعميم المشروع الأمريكي على فلسطين وايجاد ما ينسجم مع المشروع الشرق الأوسطي في كامل الوطن العربي.. أنا أقول ان الحل في المقاومة والانتفاضة وعلينا أن نستمر في مواقفنا الدولية عبر قرار المحكمة في لاهاي حول الجدار، وتسجيل كافة تجاوزت الاحتلال وعناء الجدار، نستطيع من خلال توثيق نضالنا والنضال العربي العالمي والديبلوماسي عزل اسرائيل ومحيطها الصهيوني نستطيع ان ندفع المجتمع الدولي الى حل سياسي فيه الحرية والدولة والعودة الى فلسطين... لتحقيق هذا الأمر لابد من الترابط بين النضالات الوطنية والقومية والانسانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.