وصول صناديق الإقتراع الخاصة بالانتخابات الجزئية البلدية بجبنيانة    وزير الصحة:استرجاع رضيع تم خطفه مؤخرا من إحدى المستشفيات بالعاصمة    المدير الجهوي للصحة بتونس: الرضيع المختطف في صحة جيدة    بالزغاريد والتصفيق المواطنون يستقبلون الرضيع يوسف    الانتخابات الجزئية البلدية بجبنيانة: نسبة المشاركة بلغت 18,75 بالمائة عند غلق مكاتب الاقتراع    السودان.. البشير يمثل أمام النيابة بتهمة "إعدام 28 ضابطا" عام 1990    'الزعيم' ينعى رجاء الجداوي بصورة من مسرحية 'الواد سيّد الشغال'    السعودية تنشر البروتوكولات الخاصة بموسم الحج لهذا العام    غرق شاب وشقيقته أصيلا ولاية القيروان في بحر القراعية بالمنستير    تطاوين / حجز ثلاث بنادق صيد ومسدسين وذخيرة في منزل بغمراين    غلق الطريق الجهوية رقم 36 الرّابطة بين الطّريق الوطنيّة رقم 3 وأوذنة بالخليديّة لمدة 6 أيام    المنستير: تعافي 362 حالة إصابة بفيروس كرورنا مقيمة بالمركز الوطني لحاملي الكوفيد 19    الزمالك يعلن الطوارئ من اجل الفرجاني ساسي    فني أرجنتيني في خطة مدرب مساعد بالنادي البنزرتي    بنزرت: حريق بمنطقة عين داموس يأتي على نصف هكتار من الغابة الشعراء    إعادة هيكلة مركز التكوين والتدريب في الحرف التقليدية بحومة السوق جربة..    أكثر من 133 ألف مترشح يجتازون امتحان البكالوريا دورة 2020، بداية من الأربعاء القادم    الاهلي المصري يشكو النجم الساحلي والنادي الصفاقسي للكاف    بنزرت: الكشف عن مصنع عشوائي لتصنيع مادّة "المعسّل" وحجز 600 كلغ منها    فريق جديد يحول وجهة علاء المرزوقي؟    هند صبري لرجاء الجداوي: ''كنت لي أمانا وأمومة وحبا خالصا''    بنزرت: وفاة طفل غرقا في شاطئ راس انجلة    كورونا في السعودية.. أكبر ارتفاع في الوفيات منذ بداية الجائحة وتراجع في الإصابات    رغم وجوده في السجن: تتويج جديد لسامي الفهري    المرناقية: تغير في مذاق مياه الشرب يثير الاحتقان والوالي يحسم الجدل    جلسة عمل تحضيرية للجلسة العامة لجامعة كرة اليد    وزارة الصحة: تسجيل إصابتين جديدتين وافدتين بكورونا    إصابة نورالدين امرابط بفيروس كورونا    توقعات: أكبر تاجر مخدرات إيطالي يفرّ إلى تونس    عاجل/ النهضة تقرر إعادة النظر في موقفها تجاه الحكومة    هندي يرتدي كمامة ذهبية ب 4 آلاف دولار للوقاية من كورونا    ليبيا.. طيران مجهول الهوية يقصف قاعدة الوطية الجوية    جنازة رسمية لرفات 24 مقاوما جزائريا ضد الاستعمار الفرنسي    كوفيد -19 يحشر الاقتصاد في الخانة الحمراء    سيب التصويرة: حملة يطلقها التوانسة لإيجاد الرضيع يوسف    مدير عام الصحة : عدم فتح الحدود البرية خلال الفترة الماضية ساعد تونس على إحكام السيطرة على كورونا    بعد أن رفضهم مستشفى طبرقة..الهلال الأحمر يؤوي 4 أفارقة في خيمة    اصابة المدرب السابق للبرازيل لوكسمبورغو بفيروس كورونا    بنزرت .. شاب يعود الى السجن بعد مغادرته بساعات    الفنانة رجاء جداوي في ذمة الله: تفاصيل الساعات الأخيرة في حربها مع كورونا    لاجارد: منطقة اليورو تواجه عامين من الضغط النزولي على الأسعار    كورونا.. 10 وفيات بسلطنة عمان و 4 في السودان    أغنية لها تاريخ..«إذا تشوفوه» سلاف تغني الهجر بطلب منها    مسيرة موسيقي تونسي: صالح المهدي....زرياب تونس «21»    كنوز المدينة: المدرسة العاشورية....هدية علي باشا الى أهل المالكية    الرئيس الجزائري يُطالب فرنسا بالاعتذار عن استعمارها لبلده    الكرم..تورّط أب وابنه في ترويج المخدّرات    كرة اليد - الترجي الرياضي يجدد عقود سبعة لاعبين    كورونا يغيب رجاء الجداوي "أنيقة" السينما المصرية    تضامنا مع واقعة ال100 فتاة.. فنانات تحدثن عن تجاربهن مع التحرش    سترك يا رب..    عدنان الشواشي يكتب لكم: هكذا خُلِقْت وهكذا أموت إن شاء الله    غدا الاحد/ القمر سيغيب عن سماء تونس    تنفيذ ميزانية 2020: تراجع عائدات الدولة    قبلي: شروع بعض العائلات في اقتناء اضاحيها وتشكيات من غلاء الاسعار رغم توفر العدد الكافي من الاضاحي بالجهة    كميات القفالة الحية المعروضة حاليا تمثل خطرا على صحة المستهلك (وزارة الفلاحة)    كوناكت تدعو الى التخفيف من الضغط الجبائي على المؤسسات    في الحب والمال: هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التقاه خالد الحداد : الاستاذ الدكتور جمعة شيخة في منتدى الاثنين - التجاذب بين الاسلاميين والعلمانيين خطر يهدد الربيع العربي
نشر في الشروق يوم 17 - 12 - 2012

«المنتدى» فضاء للتواصل مع قراء الشروق بصيغة جديدة ترتكز على معرفة وجهات نظر الجامعيين والأكاديميين والمثقفين حيال مختلف القضايا والملفات ووفق معالجات نظريّة فكريّة وفلسفيّة وعلميّة تبتعد عن الالتصاق بجزئيات الحياة اليوميّة وتفاصيل الراهن كثيرة التبدّل والتغيّر، تبتعد عن ذلك الى ما هو أبعد وأعمق حيث التصورات والبدائل العميقة اثراء للمسار الجديد الّذي دخلته بلادنا منذ 14 جانفي 2011.

اليوم يستضيف «المنتدى» الأستاذ الدكتور جمعة شيخة استاذ التعليم العالي المتميز والمختص في الحضارة والأدب وهوعلى اطلاع وثيق بتطورات تاريخية هامة في الشرق والغرب وهومؤسس ومدير مجلة دراسات أندلسية التي تضم في هيئة تحريرها نخبة من المفكرين والأكاديميين العرب والدوليين .

وقد سبق للمنتدى أن استضاف كلا من السادة حمادي بن جاب الله وحمادي صمّود والمنصف بن عبد الجليل ورضوان المصمودي والعجمي الوريمي ولطفي بن عيسى ومحمّد العزيز ابن عاشور ومحمد صالح بن عيسى وتوفيق المديني وعبد الجليل سالم ومحسن التليلي ومحمود الذوادي ونبيل خلدون قريسة وأحمد الطويلي ومحمد ضيف الله والمفكر العربي الافريقي رشاد أحمد فارح واعلية العلاني وجمال بن طاهر وجمال الدين دراويل وكمال عمران الّذين قدموا قراءات فكريّة وفلسفيّة وسياسيّة معمّقة للأوضاع في بلادنا والمنطقة وما شهدته العلاقات الدولية والمجتمعات من تغيّرات وتحوّلات.

وبامكان السادة القراء العودة الى هذه الحوارات عبر الموقع الالكتروني لصحيفتنا www.alchourouk.com والتفاعل مع مختلف المضامين والأفكار الواردة بها.

انّ «المنتدى» هوفضاء للجدل وطرح القضايا والأفكار في شموليتها واستنادا الى رؤى متطوّرة وأكثر عمقا ممّا دأبت على تقديمه مختلف الوسائط الاعلاميّة اليوم، انّها «مبادرة» تستهدف الاستفادة من «تدافع الأفكار» و«صراع النخب» و«جدل المفكرين» و«تباين قراءات الجامعيين والأكاديميين ظ من مختلف الاختصاصات ومقارباتهم للتحوّلات والمستجدّات التي تعيشها تونس وشعبها والانسانيّة عموما اليوم واستشرافهم لآفاق المستقبل.
وسيتداول على هذا الفضاء عدد من كبار المثقفين والجامعيين من تونس وخارجها، كما أنّ المجال سيكون مفتوحا أيضا لتفاعلات القراء حول ما سيتمّ طرحه من مسائل فكريّة في مختلف الأحاديث (على أن تكون المساهمات دقيقة وموجزة في حدود 400 كلمة) وبامكان السادة القراء موافاتنا بنصوصهم التفاعليّة مع ما يُنشر في المنتدى من حوارات على البريد الالكتروني التالي:[email protected]

ما رأيكم وتقييكم بما يجري في تونس وفي المنطقة العربية؟

منذ سنتين وبالضبط في 17122012 أقدم شاب تونسي بلغ به اليأس كل مبلغ، وسدّت الأبواب في وجهه على حرق نفسه أمام ولاية سيدي بوزيد كانت حركة سريعة ولكن مفعولها امتدّ وأثرها استمرّ عبر الزمان المكان : فالتاريخ لا يمكن أن ينسى البوعزيزي، فقد سجل اسمه بأحرف من ذهب، وأكيد أنه سيحتفظ باسمه في سجلات المؤرخين ضمن أبطال العالم ممن غيّروا وجه التاريخ.
بحركة البوعزيزي هذه أشرقت شمس الربيع العربي وتفتحت أزهاره وياسمينه وكانت اشراقتها في هذه المرة من المغرب، ولكن سرعان ما امتدت إلى شرقه وغربه في مصر وليبيا واليمن مازال وهجها متأججا في سوريا وكانت كالحجرة التي ألقيت في ماء راكد فتحرك في شكل دائري، وبسرعة فائقة فعم كامل البركة.

إن الثورات العربية، عبر التاريخ قامت أغلبها ضد الظلم والقهر والاستغلال، وكان صاحب السلطة بجبروته واستبداده هو سببها الأول والدفاع الأساسي لها وخير مثال على ذلك الثورة العربية في شبه الجزيرة العربية ضد الحكم العثماني لقد نخر الفساد مؤسسات الخلافة العثمانية من أعلاها إلى أدناها، فكان أن ارتمت الأمة مع الشريف حسين في أحضان من ظنته منقذا أمينا، ولكن سرعان ماتبين، أنه مخادع لئيم، فلم يكتف بتقسيم البلاد وتجزئتها جغرافيا بل غرس في قلبها خنجرا مسموما وكيانا عنصريا مقيتا،

وأخشى ما نخشاه أن يرتمي من نجحوا في الانتخابات بعد الثورة أو من سينجحون في المستقبل في أحضان منجذ جديد ازاداد لؤما فعمل وسيعمل وقد اتضحت الأمور بمساندته المشروطة على غرس خلايا سرطانية في جسم الأمة سمّها ما شئت من طائفية ومذهبية وعلمانية وسلفية.

لقد حقق بالربيع العربي في تونس وغيرها أمر عظيم ولكن ما ينتظر هذا الربيع خطر جسيم فهل من معتبر !؟
كيف تنظرون إلى التجاذب الايديولوجي بين الاسلاميين والعلمانيين؟

إن التجاذب بين الإيديولوجيتين الاسلامية والعلمانية هو أخطر تجاذب على الربيع العربي لسبب بسيط وهام هو أن هذا التجاذب تحول إلى صراع تلعب فيه عناصر داخلية بعضها مسند مع الأسف من قوى خارجية وهنا مكمن الخطر، والاتجاهان وخاصة المتطرّفين منهم أصيبوا بمرض نفساني خطير (فيه خطورة) : فالايديولوجية الاسلامية السلفية أصيبت برهاب الحداثة فكل مظاهر العلمانية وخاصة في الممارسة السياسية تزعجهم وتقضّ مضجعهم وأصيب العلمانيون كالغرب برهاب الاسلام L›islamophobie فكل مظاهر الفكر الديني في هذه الممارسة تقلقهم وتهزّ كيانهم وليس لنا من تشبيه لهؤلاء هؤلاء إلا القول : إن السلفيين والعلمانيين هم كبحارة سفينة دون شراع يستطيع أن يستغل كل ريح تهب (المقصود هو غياب البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي لدى الطرفين) فاستعمل كل طرف مجاذبيهم لكن في الاتجاه المعاكس فكانت النتيجة أن توقف المركب في مكانه وليس غريبا بقوة ارتطام الأمواج به أن ينشطر والمآل لا قدر الله يغرق المركب بمن فيه وما فيه.

هل من الممكن الحديث عن تعايش بين الاسلام والعلمانية؟

فعلا، لنتجنب هذا المآل لابد من أن نجد صيغة للتعايش السلمي بين العلمانيين والاسلاميين في بلدان الربيع العربي وخاصة تونس ومصر، وذلك بإزالة الغموض في مصطلحين أساسيين: فالعلمانية ليس كما يرى بعضهم أنها ضد الدين او نقيض الدين، والاسلام في ثوابته ليس ضد الحرية والديمقراطية والانتخابات كما يذهب بعضهم وكما نسمعهم يروّجون له كل يوم جمعة في خطبهم المنبرية وأمام ملإ قادر على التمييز بين الحق والباطل تارة وغير قادر تارة أخرى.

وبما أننا نؤمن بأن كل بلد له خصائصه وبالتالي نظامه ومؤسساته، فإننا نرى في علمانية النظام التركي ما يمكن ان يكون لنا نموذجا، الاستفادة منه ممكنة والاستعانة به لا تعتبر عيبا او جريمة، لذا فإن محاولة العلمانيين استبعاد كل ماله علاقة بالدين في نظام الحكم، ومحاولة السلفيين استبعاد كل مظاهر الحداثة فيه هو جريمة في حق أوطاننا وأمّتنا : فالأصالة لا تنفي التفتح ولا تعني الانغلاق، والحداثة لا تعني التنكر لما هو ايجابي في تقاليدنا وممارساتنا السياسية والاجتماعية والاقتباس من الغرب ومن نظمه لا يعني الانسياق وراء ما لا يتماشى مع قيمنا ومثلنا العليا.

ما تقييمكم لقدرة حركات الاسلام السياسي على تحقيق أنظمة حكم ديمقراطية وعادلة؟

ان الاسلام كما هو معلوم دين دولة ومحاولة فرض مقولة: ما & & وما لقيصر لقيصر في نظم الحكم بعد الربيع العربي محاولة فاشلة للفصل بين الدين والدولة في العالم الاسلامي، ولطمس فترة تاريخية طويلة كانت فيها الدولة الاسلامية والحضارة العربية التي انبثقت منها وفيها سيدة العالم لا عسكريا فقط، وانما ايضا علميا وفكريا، وكانت الشريعة مطبقة بنجاح كامل، وكان مبدأ تطبيق الشريعة في نظام الحكم الاسلامي قائما على ثالوث مقدّس: حرية الانسان وحقوقه، عدل القضاء وحياده، ومصلحة الامة بتساوي الفرص بين أفرادها، وهذا الثالوث هو حقيقة ثابتة نأخذها من أية جهة كانت من الشريعة أو من الآخر ولو كان مغايرا لنا في الدين.
والأحزاب السياسية ذات الاتجاه الاسلامي يمكن لها أن تحكم البلاد اذا راعت هذا الثالوث المقدّس وقاومت ثالوثا مدنّسا: وهو الفساد، والرشوة والمحسوبية، وتمسكت بالعروة الوثقى بأجنحتها الذهبية الثلاث: حرية المعتقد، حرية التعبير، وحرية الاختلاف.

كيف تنظرون الى البروز اللافت لتيارات السلفية وهل ترونه خطرا على المجتمع والدولة في تونس؟

ان نجاح الأحزاب ذات الاتجاه الاسلامي في الانتخابات بعد الثورة أمر متوقع ومفهوم: فأغلبية الشعب التونسي إن لم أقل كلّه هو شعب، الدين في حياته عامل شديد التأثير في تفكيره وسلوكه، ونظرا الى تقاليد راسخة في أعماق نفسه منذ قرون خلت، فهو لا يرى خلاصا من الفقر والظلم والتخلّف إلا باعتماد الدين والتمسك به، وهذا ما يفسر نتيجة انتخابات 23 أكتوبر الماضية.

ورأى العلمانيون وخاصة ممن لم يحالفهم الحظ فيها في ذلك خطرا على البلاد والعباد، وحقّ لهم ذلك، فالاسلاميون يصبحون خطرا فعلا اذا لم يقفوا ضد التطرف لدى بعض العناصر السلفية، فهذه العناصر التي لا تراعي في سلوكها التطور التاريخي لبلادنا بكل فتراته ازدهارا واندحارا، ولا تعير اهتماما لتطور الحياة البشرية سلبا وايجابا في هذا العالم الكبير الذي أصبح قرية صغيرة يؤثر «الآخر» فيها في «الأنا» ويتجاوب فيها «الأنا» مع الآخر وسيكونون معولا هداما، وما نراه في بلادنا اليوم من تجاوزات على المؤسسات الاقتصادية والسياحية والاجتماعية وتجاوز ذلك الى البعثات الديبلوماسية وهذه لها حرمتها هو بداية الفتنة والفتنة أشدّ من القتل.

هل هناك خوف من عودة الدكتاتورية الى بلادنا؟

أظنّ أن الدكتاتورية في تونس أو في غيرها من بلدان الربيع العربي ستعود، فقطار النظام وضع على السكّة وسيسير الى الأمام حتما. قد تعوقه بعض العراقيل فيخرج إن قليلا أو كثيرا عن هذه السكة، لكن سرعان ما يعاد الى مساره ويسير الى الأمام. والمتطرّفون في هذا الجانب أو ذاك يستطيعون وضع الحجارة على هذه السكة كما يحلو للأطفال العبث لكن هذه الحجارة تزعجه ولا تعرقل، تكبح سرعة القطار حينا ولكن لا توقفه عن السير.
كيف تنظرون الى ما تحقق الى حدّ الآن في مسار الانتقال الديمقراطي؟

لقد تحقق الكثير في مسار الانتقال الديمقراطي كان التونسي وهو يسير في الطريق الى عمله أو بيته إذا شعر بشخص وراءه، غيّر طريقه للتعمية، والتونسي في المقهى إذا أراد أن يعبّر عن رأيه التفت يمنة ويسرة وإذا طلب منه الكلام سكت ولم ينبس ببنت شفة، وإذا طلب منه ابداء رأيه راوغ وتملّق.
أليس التونسي قادرا اليوم أن يشتكي بالآخر مهما كان منصبه ومهما علا شأنه؟ ألم يكفل له الدستور، وإن طال أمد تحريره الحرية السياسية فكوّن الأحزاب والحيرة النقابية واعتصم وتظاهر وصرخ وندّد؟ أليس في بلادنا مثل أرقى البلدان عراقة في الديمقراطية سلطات ثلاث نناضل أن تكون كل واحدة مستقلة عن الأخرى؟ لكن لا بدّ من الحذر كل الحذر فالحرية سكّين ذو حدّين، إذا لم نحسن استعماله نكون كالطفل الذي يريد أن يقطع خبزا فقطع اصبعا أو كالرّجل الذي أراد أن يبعد ذبابة فهشّم رأسا.

إنّ ما نراه اليوم من تجاذبات سياسية وايديولوجية زادها الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب اشتعالا، كان فرسانها ممّن لا يرون في السياسة إلا كرسيا مريحا، وقصرا منيفا وسيارة فخمة وخدما وحشما في الوزارة والبيت، هو أمر ألهانا ساسة وشعبا عن العمل الجاد والمفيد، وإذا كان ابن خلدون قال: العدل أساس العمران، نقول اليوم العمل أساس التقدّم والازدهار، فالعمل ثم العمل ثم العمل (ثلاثا) ويكفي من التحاور والتجاذب المؤدّيين الى الغضب والتباغض.
ذكرتكم في أجابتكم السابقة رهاب الحداثة ورهاب الاسلام فما القصد من رهاب الاسلام وما هي مظاهره وما هي مخاطره ؟

في هذا الصدد سبق لي ان الفت كتاب رهاب الاسلام وشهادات غربيّة وشرقيّة في مدح خير البريّة وهو مختارات من لغات مختلفة غربيّة وشرقيّة (من فرنسا وألمانيا وانقلترا والولايات المتّحدة الأمريكية وروسيا والهند) هي عبارة عن كلمات حق قيلت في حقّ المصطفى ے ورسالته، جمعناها وترجمناها لأوّل مرّة حتى تُقرأ بلسان عربيّ مبين. ولقد حرصنا على أن نكون أمناء للنصّ الأصلي فضحيّنا أحيانا بجمال اللغة حفاظا على دقّة المعنى. وكم كنّا نودّ أن نتحرّر من النصّ الأصلي للتعبير عن معانيه بلغة عربيّة تذكّرنا بلغة الضّاد في أزهى عصورها، ولكنّنا لم نفعل الاّ نادرًا، حتى نوهم القارئ من حين الى آخر أنّ النصّ الذي يقرؤه هونصّ عربي أصلا. وجعلنا الكتاب على قسمين :

1- القسم الأوّل عبارة عن دراسة تطرّقنا فيها الى مصطلح «رُهَابُ الاسلام» Islamophobie ومعانيه وبداية ظهوره وأوّل مستعمليه. ثمّ تتبّعنا «رهاب الاسلام» عبر العصور باعتباره ظاهرة دينيّة في بدايتها سياسيّة في أهدافها وذلك منذ احتكاك الهلال بالصّليب في القرن 1/7 الى سقوط الايديولوجية الاشتراكية في أواخر القرن 14 / 20 وانفراد الرأسمالية الغربية بقيادة العالم.
ومع الأسف، وبعد أن تخلّص الغرب نهائيا من معسكر مناوئ فتّش لنفسه وفي نفسه عن عدوّ جديد، سرعان ما وجده في الاسلام دينا وحضارة، فجعله هدفا للانتهاك والتّدنيس بذريعة الابداع وحريّة التّعبير على مرأى ومسمع من معتنقيه دون احترام لعقيدتهم ورموزها.

ولقد سئمنا من ردود الفعل العاطفيّة والانفعالية في بعض دول العالميْن العربي والاسلامي، وذلك بمظاهرات لا تخلومن عنف في مدننا والسّبّ والشتم في صحفنا و»اهدار الدّم» في فتاوانا والتحريض على الانتقام على لسان بعض المتطرّفين منّا في المرئيّ والمسموع من اعلامنا. فما جلبنا لصفّنا بذلك صديقا، ولا أسكتنا بذلك لسانا بذيئا ولا قلما منحرفا، بل تطوّرت الأمور من سيّئ الى أسوأ.

هذا وقد رأينا أنّ أفضل ردّ وأنجعه على هؤلاء هوالرّجوع الى قول عقلائهم في محمّد ے ورسالته، حتى تتمّ المقارنة بينهم وبين هذيان سفهائهم. واذا كان المناطقة قديما قالوا.. «وبضدّها تتميز الأشياء». فسيتبين بالمقارنة لكلّ ذي لبّ سليم وذوق رفيع، الابداع الحقّ من الابداع المزيّف، ولم نقتصر على النصوص الابداعية، وانّما أردفناها بنصوص هي عبارة عن شهادات حيّة تمجّد قيم الاسلام السّامية ونبيّه الأكرم وحضارته النيرة. ولهذه الغاية النّبيلة كان :

2 القسم الثاني من الكتاب، وقد أوردنا فيه:

أ نصوصا ابداعيّة نثرا وشعرا منسوبة الى أصحابها مع ترجمة موجزة للممبدع ان وُجدت، يليها مباشرة نصّه.

ب شهادات من أقوال كبار مؤرخيهم وفلاسفتهم وساستهم والمشهورين من الرياضيين والمطربين في ربوعهم وفي الفهرس رتبنا الأعلام ابداعا وشهادات ورتّبنا النصوص ترتيبا ألفبائيا حسب لقب المؤلّف وحسب ترتيب الحروف العربية في جدول وحسب ترتيب الحروف اللاتينية في جدول ثان، ليسهل الرّجوع اليهم والى نصوصهم.

كيف يمكن انجاح الحوار زمن العولمة التي نحياها اليوم وما هي التحديات الماثلة في ذلك السبيل حسب رأيكم ؟

تعدّدت النّدوات والمؤتمرات خلال العقود الثلاثة الأخيرة في حوضي البحر الأبيض المتوسّط جنوبه وشماله، وفي المشرق العربي حول حوار الحضارات وحوار الدّيانات، وكلّها ترمي الى تركيز قيم دينيّة، ومبادىء انسانيّة، وديموقراطيّة سياسيّة، من أجل تعايش سلمي وتضامن بشري، وأمن عالمي.

ولا جدال في ما يمكن أن ينجرّ عن هذه النّدوات من فوائد ومنافع لكلّ النّاس باختلاف أجناسهم وتعدّد أديانهم وتنوّع ثقافاتهم. لكن مع الأسف ضعف تأثير تلك القيم وكادت أن تضمحلّ تلك المبادئ لأنّ الحوار في زمن العولمة الذي نعيشه، تغيّر جذريّا، كان حوار قيم ومبادئ نسبيّا فأصبح حوار مصالح ومكاسب كلّيا، مبهرجا بقيم مزيّفة لمّاعة ومطليا بمبادئ مصطنعة برّاقة سرعان ما تزول نظريتها بمجرّد أن ينعكس عليها نور الحقيقة فتبدو في الواقع قبيحة مشوّهة:

فباسم حرّيّة الفكر والمقارنة بين الأديان، قام الحبر الأكبر فنعت الاسلام باللاّعقلانيّة وبأنّه دين العنف ودين السّيف المسلّط على الرّقاب معتمدًا، مع الأسف، في هذا الحكم على قولة لأمبراطور بيزنطيّ حاقد وموتور من قوّة الاسلام وعظمته في عهده. وهو بذلك يخدم مصلحته الشخصيّة ومصلحة من أوصلوه الى ذلك المنصب. ولو علمنا كيف وصل اليه ؟ وما هي أهدافه المعلنة والخفيّة؟ لما صُدِمتْ من كلامه عقولنا وقلوبنا.

وباسم حرّيّة التّعبير قامت صحافة الغرب بنشر صور مسيئة الى الرّسول ے، وتعمّدت تكرارها وذلك خدمة لمصالحها، فعند نشر كلّ صورة منها تُبَاع نسخ اضافيّة بالملايين من تلك الجرائد. ولهذا مردود مادّي لا يُستهان به. وقد تعمّدت بعض الجرائد والمجلاّت تكرار نشرها كلّما دعتها الحاجة الماديّة الى ذلك.

وباسم السّلام العالمي عمد بعض ساسة الغرب الى ربط العنف بالاسلام، ووجدوا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعلاّت لتبرير هذه التّهمة. وهم على يقين أنّ من قام بتلك الفعلة الشنعاء لا يمثّلون قيم الاسلام السّمحة، والأدهى من ذلك وأمرّ سعي بعضهم الى تلفيق أكاذيب لاتّهام هذا البلد أوذاك بامتلاك أسلحة دمار شامل أوالسّعي لاكتسابها فشنّت عليها هجوما شرسا لتدميرها نفسيا واقتصاديا وحضاريّا، وما السّلام العالمي الاّ شعار مزيّف من أجل خدمة نهمهم للاستيلاء على ثروات الشّعوب من الذّهب الأسود، وللتّزلّف الى كيان أصبحوا معتقدين اعتقادا جازما أنّ الحلّ والرّبط بيده في كلّ مراحل انتخاباتهم. لِننظر في ما يقوله المترشّحون الى الحكم في بلدانهم باسم الدّيمقراطيّة: كلّهم يساهمون بدرجات مختلفة لارضاء المتغطرسين من بني صهيون لمزيد هضم حقوق المستضعفين من أبناء فلسطين، لا لشيء الاّ لأنّ مصلحتهم ومصلحة أحزابهم تقتضي ذلك للفوز في انتخاباتهم .

لكن البعض من هؤلاء المفكرين والمنظرين يستهدفون اقامة صراع وصدام بين الحضارات والأديان ؟

لقد قام بعض مفكّريهم بالتّأكيد على أنّه لا حوار بين الحضارات اليوم، وانّما هو صراع وصدام بينهما أوّلا وأخيرًا: كان الصّراع بين الشّيوعيّة والرّأسماليّة منذ بداية القرن العشرين، وما ان سقط المعسكر الاشتراكي في نهايته حتّى خلقوا من أجل مصلحتهم عدوّا جديدًا فكان الاسلام دينا وحضارة، فكرا وقيما: ومصلحتهم مزدوجة أوّلاً السيطرة على خيرات البلاد، ثانيا حماية غرس خبيث وسطها ليستمرّ مرضُها المُسبّب لضعفها وانشقاقها وتشرذمها: فالحوار حينئذ لم يعد حوار قيم ومبادئ وانما هو حوار مصالح ومكاسب. وما على أمّة الاسلام الاّ أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار في حوارها مع الأمم الأخرى شرقا وغربا. وخير ضمان للنّجاح فيه هو هذه المنظمة العتيدة. « رابطة العالم الاسلامي» ففي رحابها يمكن أن نقويّ من عوامل وحدتنا الاقتصاديّة والتربويّة والثقافيّة وهي ممكنة وكثيرة، وننقص من عوامل فرقتنا فيها وهي قليلة ويسيرة. وخير سند لنا في حوارنا هو رعاية خادم الحرمين الشريفين لهذه البقاع المقدّسة التي تتّجه لها قلوب المسلمين يوميا بالدّعاء والصّلاة.

ومع هذا السّند وذاك الضّمان لا يمكن أن تنجح أمّة الاسلام في هذا الحوار الاّ بشرطين أساسيين: الأوّل اذا فهمت أنّه حوار مصالح بالدّرجة الأولى وان كنّا لا ننفي ما فيه من حوار مبادئ وقيم. وما ذلك الاّ لأنّنا نعيش في عصر العولمة مع أناس أصبحت مصالحهم فوق مبادئهم ومنفعتهم فوق قيمهم.

والثاني اذا وعت أسس العولمة وعيا تاما وحاولت أن تواجه تحدّياتها بحكمة وعقل، بعيدًا عن العواطف الجيّاشة وردود الفعل السّريعة.

وضربة البداية في هذا الحوار هوتحديد بعض المصطلحات المثقلة بكثير من الايحاءات التي أساءت الينا ماضيا، وقد تسيء الينا حاضرا ومستقبلا، من ذلك مصطلح « العالم الاسلامي»: انّ هذه التّسمية هي تسمية استعماريّة وضعها الغرب بعد استيلائه على أهمّ أجزاء أرض الاسلام في القرن الماضي. ويستحسن استعمال مصطلح الأمّة الاسلاميّة لما فيه من ايحاء بمعنى الوحدة بين أجناسها وشعوبها وقبائلها، على الاقلّ في مجال العقيدة والثّقافة دون أن يجمح بنا الخيال الى وحدة سياسيّة.
هذه الأمّة تمتدّ جغرافيّا من أندونيسيا شرقا الى المغرب الأقصى غربا، ومن أوزبكستان شمالا الى وسط افريقيا جنوبا، دون أن ننسى الأقلّيات المسلمة التي تعيش في كافة أرجاء المعمورة. هذه الأمّة يجمع بين أجناسها وشعوبها وحدة روحيّة تجسّمها عبارة قدسيّة تُردّد بين أرجاء المعمورة صباحا ومساء، ليلا ونهارًا هي عبارة « لا اله الاّ اللّه محمّد رسول اللّه»، تنطلق من حناجر المؤذّنين فيتردّد صداها في أعماق نفوس المؤمنين بداية من أوّل شعاع للشمس يبزغ الى آخر نور منها يغيب.
أين موقع الامة من كل ذلك الجدل ونوايا الصدام والصراع، هل للامة العربية الاسلامية أدوار يمكن ان تلعبها اليوم وغدا في سبيل واقع انساني أفضل ؟

هي أمّة تتميّز بثراء حضاري متعدّد الجوانب، في مجال اللّغات والعلوم والآداب والفنون. فقد كان لها، في الماضي، في اسلامها ما شجعها على احتضان الحضارات العريقة الصينيّة والهنديّة والمصريّة واليونانيّة، فتسابق علماؤها للنّهل منها ترجمة أوّلا وتدبّرا ثانيا ثم ابداعًا واضافة ثالثا، فأصبحت حضارة الاسلام بحقّ وريثة الحضارات القديمة في القرون الوسطى. ثمّ سعت أوروبا في بداية القرن 4/ 10، وقد انبهرت بحضارة الأمّة الاسلاميّة، الى احتضانها عن طريق الترجمة . فقدّم المسلمون الى الغرب من بوّابات ثلاث، الشام وصقليّة والأندلس، وفي طبق من ذهب، عصارة الفكر البشري منهجا وابتكارا، فبدأت نهضة أوروبّا التي تسرّبت الى كلّ أنحاء العالم، فساهم فيها بنوالبشر جميعا ومنهم المسلمون بكبار فلاسفتهم وأدبائهم وعظماء نوابغهم وعباقرتهم فوصلت الانسانيّة الى ما تنعم به اليوم من رقيّ حضاري لم تعرفه منذ آلاف السّنين.

هذا دور الأمّة الاسلاميّة في الماضي، أمّا اليوم وفي عصر العولمة فانّ سمة هذه الأمّة – والحقّ يقال- هوالتفكّك السّياسي والتّشرذم الاقتصادي والتخلّف الحضاري ممّا جعلها تنتمي في بعض أجزائها الى الدّول التي تفشّى فيها الثالوث المرعب: الجهل والفقر والمرض، بدخل فردي لا يتجاوز الدّولار الواحد في اليوم. وعلى العكس من ذلك هناك من دولها ما يفوق دخل الفرد فيها دخل الفرد في أغنى الدّول الصّناعيّة.
ونتيجة لهذا التفكّك والتّشرذم والتّفاوت تجرّأ عليها الاستعمار فسلبها سيادتها وكرامتها ماضيا. ويريد أن يسلبها باسم العولمة اقتصادها وخيراتها حاضرا ومستقبلا.

ما هي العولمة من زاوية نظر بحثية أكاديمية ولماذا يتكثف الحديث عن المواجهة والرفض ؟

العولمة: هوتوجُّه يرمي الى نظام اقتصادي جديد يجعل من العالم بأسره فضاءً مفتوحا، تتمّ فيه المبادلات التجاريّة بكامل الحرّيّة دون قيد أوشرط. وهذا التوجّه تدعواليه بحماس الدّول الصّناعيّة الكبرى المالكة للتكنولوجيا بيد، والماسكة بمفاتيح الاعلاميّة بيد أخرى، وتخافها الدّول الصغيرة سواء أكانت غنيّة أم فقيرة. وهدف الدّول الدّاعية اليه واضح هوترويج بضاعتها الاستهلاكيّة في جميع أسواق العالم طلبا للرّبح أوّلا، وحفاظا على تفوّقها ثانيا، وتثبيتا لسيطرتها ثالثا. ومن المحتّم أنّ مع ترويج البضائع المتنوعّة سيتسرّب نمط من العيش واحد هوالنّمط الغربي، يفرضه المتفوّق تكنولوجيا واعلاميّا وبالتّالي اقتصاديّا. ان وسائل الاتصال والمواصلات الحديثة سواء للبشر أوالمعلومة جعلت من الكون قرية صغيرة، فتغيّر الكثير من سلوكنا وأسلوب عيشنا. وانتقلت الانسانيّة في نهاية القرن العشرين من مجتمع صناعي الى مجتمع اعلامي. ومن هنا لا مفرّ لنا باعتبارنا أمّة اسلاميّة من مواجهة تحدّيات العولمة في بداية هذه الألفيّة الثّالثة.

انّ المواجهة لا تعني أبدا الاحتماء والرّفض، وانما المقصود بها هو التّكيّف العقلاني معها. انّ العولمة في نظرنا كالتّراث فيها ما هو ايجابي يمكن الاستفادة منه، وفيها ما هو سلبي نحاول قدر المستطاع تجنّب ضرره.

ومن سلبيّات العولمة خلخلة النّظام الاقتصادي الدّاخلي للدّولة، بل قد نرى فيها زعزعة لمفهوم الدّولة نفسها اذ تصبح هذه الأخيرة مجرّد مؤسسة اداريّة في خدمة المؤسسة الاقتصاديّة. وقد تتحوّل في نهاية الأمر الى أداة تنفيذ لما يقع الاتّفاق عليه خارجها وخارج نطاق ارادتها وأحيانا مصالحها.

ومن سلبيّاتها أنّ النّظام الرأسمالي مثلَها يقوم على اقتصاد السّوق، لكن اقتصاد السوق هذا له من يراقبه ويضبطه ويكبحه وهو القانون. أمَّا مع العولمة فلا نجد قانونا ضابطا ولا ضميرًا كابحا، وانّما حجّة الأقوى أي قانون الغاب، وهذا من شأنه أن يجعل من الدّول الصّغيرة والدّول خارج التكتّلات الاقتصاديّة الكبرى فريسة سهلة الالتهام.

وبغياب القانون في العولمة تبرز السلبية الثالثة والأكثر خطرا. فاقتصاد السّوق بحرّيته وانعدام الكابح فيه أوضعفه يسمح لقانون ألمافيا أن يطغى فتنتشر المخدّرات والدّعارة، والتطرّف الدّيني والتّعصّب العنصري، وبيع الأسلحة وتبييض الأموال الخ.

انّ العولمة تقلّل من عنصر المناعة في الدّول الصغيرة، فتصبح، كجسم بدون حصانة ذاتيّة، مرتعا للأمراض الاجتماعيّة وأخطرُها البطالة وما يتبعها من أمّية ومرض وفقر .

لقد شعر المنادون بالعولمة، والمتَّفِقُون معهم فيها، أنّ مواجهتها على انفراد أمر صعب ان لم يكن مستحيلا، لذا عمدوا منذ العشريّتين الأخيرتين من القرن الماضي الى الانضمام في تكتّلات اقتصاديّة كبرى تحفظ مصالحها، خاصّة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكّك الاتحاد السّوفياتي. وهكذا أصبحت الدّول من حيث الهيكلة العالميّة الجديدة بعد سقوط جدار برلين أنواعا، وبتعبير رياضي معروف على أقسام: هناك دول من الوزن الثّقيل (مجموعة الدّول السّبعة) وهناك دول من الوزن المتوسّط كالصّين وروسيا وبعض الدّول التي تدور في فلك المجموعة الأولى، وهناك دول من الوزن الخفيف وهي الدّول المجزّأة التي تحاول بانفراد أن ترتبط بطريقة أو بأخرى بالمجموعة الأولى أو الثّانية، وهناك دول من وزن الرّيشة وهي الدّول المجزأة والمنكوبة تعيش في مهب الرّيح بما تُعانيه من حروب أهليّة وفوضى مستمرّة.

ومن المضحكات المبكيات في نظام العولمة أن نجعل هؤلاء الملاكمين في مختلف الأوزان يتنافسون فيما بينهم دون ما ضبط أوقيد. تصوّروا المهزلة لوتقابل بعض مَن هم من الوزن الثّقيل مع مَن هم من الوزن الخفيف أووزن الرّيشة. وفعلا انّ العولمة ستصبح مهزلة اذا لم يُوجد حدٌّ أدنى من القواعد يُتّفق عليها لتأطير عمل السّوق. ويُعهد لهذا التأطير الى مؤسسات دوليّة تسهر على تطبيقه بأقرب ما يكون من العدل والانصاف، وبأشدّ ما يمكن من الشّفافيّة والمصداقيّة.
لقد حاولت بعض الدّول من الأصناف السّفلى أن تجد تعويضا لضعفها في هذه المُنافسة العالميّة، وذلك بمحاولة انتمائها الى مجموعات قويّة. ورغم أنّ الأمّة الاسلاميّة تنتمي أغلب دولها ان لم نقل كلّها للصّنفين الأخيرين من الدّول الضعيفة، فانّها لم تحاول الاتحاد فيما بينها كما لم تحاول الانتماء الى كتلة دوليّة . اذا ماهوالحلّ لتواجه الأمّة الاسلاميّة تحدّيات العولمة؟

I ليس هناك حلّ جذري أوحلّ بين عشيّة وضحاها لنجعل ريح العولمة وراء سفينتنا لا أمامها. فالأمر متعلّق بأوضاعنا الدّاخليّة السّياسيّة والمعرفيّة أوّلا، وبعلاقتنا الخارجيّة فيما بيننا، وبيننا وبين غيرنا ثانيا.
فمن حيث الوضع الدّاخلي لا يمكن أن يكون لنا وزن في هذه المنافسة العالميّة الاّ اذا تمّ اصلاح هذا الوضع داخل كلّ قطر وداخل كلّ دولة، وذلك بالسعي شيئا فشيئا الى نظام ديمقراطي يقوم على احترام حرّية الفرد وارادته وحقوق الانسان بصنفيها المادّيّة والمعنويّة وكرامته. فبهذه الأجنحة يمكن للانسان المسلم أن ينطلق مُحلّقا في دنيا الخلق والابداع فيجد المجتمع الذي ينتمي اليه مكانة بين المجتمعات العالميّة المتقدمة، ويكون قادرا على منافسة، النجاح فيها للأفضل والأقوى والأنجع. ومع ايماننا بالدّيمقراطيّة منهجا وهدفا، فانّ هذه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتمّ اسقاطها اسقاطا، وانّما يجب أن ترسخ وتتجذّر تدريجيّا. وعلى الغرب أن يفهم أنّنا في سعينا الى تطبيق بعض نظم الحكم فيه، لسنا على استعداد لأن نكون نسخةً منه، فلنا في تاريخنا وتراثنا وعقائدنا وتقاليدنا من الايجابيّات ما يجعلنا متميّزين عنه في فهم الحرّية والدّيمقراطيّة وتطبيقاتها.
وفي نطاق اصلاح الوضع الدّاخلي يجب أن تقضي الدّولة على البطء الاداري بمختلف أصنافه، لأنّ هذا البطء يُؤدّي الى خسارة الوقت. والوقت والمال هما ركيزتان أساسيتان من ركائز العولمة واقتصاد السّوق. انّ خاسر المال قد يتداركه أمّا خاسر الوقت فهو خاسر له وللمال معا. كما يجب على الدّولة أن تخلق داخل مجتمعها ضربا من المصداقيّة والشّفافيّة. فالانتقال من المراقبة الجمركيّة والماليّة الى تحرير السّوق والخدمات يجب أن يتمّ تحت مراقبتها وحسب تراتيب مضبوطة حتى تكون المنافسة شريفة.

كما يجب على الدّولة الحذر من الانسياق- تحت تأثير اقتصاد السّوق والعولمة- الى الاهتمام بالقطاعين الصّناعي والخدمات، وتهمل القطاع الزّراعي لأنّه عنصر أساسي من عناصر التّنمية والاستقرار الدّاخلي. فانحطاط روسيا اقتصاديا مرجعه الى اهمال زراعتها، ونموّ الصّين اقتصاديّا مرجعه الى اهتمامها بها. وبالنسبة الى الأمة الاسلاميّة، ما الفائدة في بعض البلدان الاسلاميّة المتوفّرة على البترول والغاز اذا خصّصت كلّ مواردِها أوالجزء الأكبر منها لتمويل وارداتها من الغذاء؟

ولا يمكن لهذه الأمّة أن يكون لها وزن في زمن العولمة وتحدّياتها الاّ اذا وقع الاعتناء بالتّربية: انّ الدّيمقراطيّة والاصلاح الاداري وهيكلة الاقتصاد لا يكون لها تأثير الاّ اذا وقع الاهتمام بهذا الجانب، والتّربية المطلوبة اليوم، باعتبارها أداة لمواجهة تحدّيات العولمة، لا تتمثّل فقط في مقاعد الدّراسة بمراحلها التّقليدية الثّلاث وانّما المراد منها التعلّم المستمرّ الذي يمكّن المرء من مواصلة استيعاب سيل المعلومات الجديدة التي تصلنا يوميّا عبر شبكات الاتصال من مشارق الأرض ومغاربها. انّ التربية اليوم هي التي حدّدها الاسلام منذ خمسة عشر قرنا بقوله عليه الصّلاة والسّلام « اطلبوا العلم من المهد الى اللّحد» اشارة الى الأبعاد الزّمانية « واطلبوا العلم ولوبالصّين» اشارة الى الأبعاد المكانيّة.
وبهذه التّربية المستديمة يمكن أن نستوعب المعارف الجديدة في مرحلة أولى، ونشارك في صنعها في مرحلة ثانية.

قد يرى بعضنا في هذا حلما صعب المنال ؟

اذا عرفنا بالاحصاء الدّقيق الخبرة الاسلاميّة من العلماء والمبدعين الذين استطاع الغرب استقطابهم بجملة من المغريات، وبسبب تردّي الأوضاع ببلدانهم، تيقّنّا أنّ هذا الصّرح الشامخ من الحضارة الانسانيّة بمختلف مظاهر تطبيقاتها الماديّة ليست أمريكية وليست فرنسيّة أوانقليزيّة، كما أنّها ليست ألمانيّة ولا يابانيّة، انما هي حضارة بشريّة ساهمت فيها الأمم قديمها وحديثها صغيرها وكبيرها منذ اكتشاف الحرف للكتابة ومنذ اختراع الورق للتّسجيل، ومنذ استنباط الصفر في الحساب، ومنذ وضع العجلة في التنقّل، ومنذ صُنع الآلة في الطباعة، وكان للمسلمين بمختلف أجناسهم ولغاتهم دورهم في بناء الصّرح الحضاري للبشريّة . كانت لهم يد في الماضي على الأقلّ، بضبطهم قواعد منهجيّة البحث العلمي، ولهم أياد اليوم بما يقومون به في مخابر الغرب ومراكز بحوثه من انجازات واختراعات.

لقد جعل الاسلام من كلّ علم نافع للأمّة فرضَ كفاية عليها، فاذا لم يقُمْ به بعضهم أثِمت الأمّة جمعاء. وبهذا المبدأ كانت مساهمتهم في الماضي، وبه يجب أن تكون مساهمتهم اليوم في ميادين المعرفة والعلم والتّكنولوجيا. والتّربية وسيلتهم الأولى في ذلك. لكن لا تربية ناجحة بدون وسط ثقافي ناجع. فكيف يجب أن تكون ثقافتنا لمواجهة تحدّيات العولمة ولنتحاور معها بلغة المصلحة؟

انَّ الثقافة تشمل زيادة على المعارف الفنيّة والأدبيّة والعلميّة كلّ ما في الحياة البشريّة من معتقدات وعادات، ومثل وقيم، ونظم وسلوك. وبهذا الاعتبار هي عنصر أساسي من عناصر التّنمية. ويرى أحد قادة المغرب العربي أنّ الخارطة الثقافية أصبحت في العالم اليوم صورة من الخارطة الاقتصاديّة والسّياسيّة، وأصبح الاشعاع الثقافي في نظر بعضهم موصولا على الدّوام بالقوّة الاقتصاديّة والسياسيّة والمعرفيّة. كما أصبح العمل الثقافي كالأمن الغذائي والأمن الدّفاعي لا بقاء للأمّة بدونهما، بل أصبحت الثقافة نفسُها سلعةً تخضع للعرض والطلب والمنافسة.

وللأمّة الاسلامية ثقافة متميّزة باعتبارها مندرجة في قيم روحيّة وأخلاقيّة، انسانيّة التوجّه والأبعاد، وضمن تراث دينيّ وأدبي وعلميّ حفظ للبشريّة قديما حضارتها ثمّ طوّره وقدّمه لها في القرون الوسطى ليستمر تقدّمها الماديّ دون أن يكون كلّ ذلك مُخلاّ بتوازنها النّفسي.

والمسلمون مطالبون بالحفاظ على تراثهم باعتباره جزءا من هويّتهم وشخصيّتهم، لكن دون سقوط في سنفونيّة التّمجيد المقيت والاطراء المملّ الذي لا يفيد، وانّما بالنّظر في هذا التّراث لمحاولة فهمه ونقده وتمحيصه وتوظيف ما فيه من ايجابيات لتطوير الحاضر وضمان المستقبل، وتجنّب ما فيه من سلبيّات أضرّت بهذه الأمّة في ماضيها القريب والبعيد. كلّ ذلك حسب منهج عقلانيّ وفكر منفتح لا يتبجّح مغرورا بكبريائه أمام بعض الثقافات، ولا يتصاغر متقوقعا في عقد نقصه أمام بعضها الآخر.

انّ تراثنا الاسلامي الدّيني والأدبي والعلمي فيه كثير من السلبيات، وعلينا أن نقتنع بذلك أوّلا ونصلح ما بأنفسنا من جرائها ثانيا. معيارُنا في ذلك أنّ التراث الذي يجب أن نحافظ عليه هو التّراث الذي يهدف الى تصفية النّفس من شرورها وتهذيب الذوق من أدرانه وتسريح العقل من أغلاله.
المحافظة على البيئة: انّ تربية تصنع العقول وثقافة تغذي النفوس لجديرتان بوسط بيئي غير مويوء يحمي الأجسام من كلّ الشّرور. وهنا جاء دور المحافظة على البيئة في مواجهة تحدّيات العولمة.

عديدة هي الآيات التي دعت الى النّظر والاعتبار في الكائنات والمخلوقات جميعا من أرض وحيوان وماء، وبحر وجبال. والغاية من ذلك ليست فقط الوصول الى الايمان بقدرة الخالق عزّ وجلّ وحسن تنظيمه للكون (الحِجْرُ 19)، وانّما أيضا للمحافظة على هذا النّظام البديع بعدم افساده، لِأَنّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، (القصص 77)، ولأنّ الافساد هو خسر وهلاك لكلّ الخلق ( البقرة 27). كما نهى اللّه عن الاسراف ( الأنعام 141) والتّبذير ( الاسراء 26) وخصّ الماء في كتابه العزيز بالذّكر، ونبّه على خطورة تبذيره قائلا جلّ وعلا، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ انْ أَصْبَح مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعين} ( المُلْك 30).

انَّ العالم اليوم في أشدّ الحاجة الى تربية مستقاة من هذا النّبع الفيّاض حتّى يحافظ على البيئة . ذلك أنّ أخطر ما يهدّد البشريّة جمعاء اليوم هوالاستغلال المسرف للموارد الطبيعيّة كتبذير الماء الذي جعل اللّه منه كلّ شيء حيّا، واتلاف الغابات بما فيها من نبات وخاصّة الأشجار تلك التي عظّمها اللّه في كتابه العزيز وجعل من ثمرة بعضها نُورًا مثل نوره. ويمكن أن نُضيف الى هذه المخاطر ما تنفثه الصّناعات من تلوّث، تهدّد طبقة الأوزون، وما يُتلف من أديم الأرض الصّالحة للزّراعة.
انّ العالم سيشهد بعد 100 سنة انتهاء الموارد غير القابلة للتّجديد مثل النّفط والغاز الطبيعي. ومن المُسِرّ والمؤسف معا أنّ هذه الموارد يوجد قسم منها لا بأس به في الدّول الاسلاميّة. فهل فكّرنا في تعويضها من اليوم؟

II هذا على النطاق الدّاخلي أمّا على النّطاق الخارجي فيجب أن نركّز على أمر هام جدًّا وهوالوقوف – بقلب مؤمن صبور وعقل مدبّر فطن، ونفس مُحبّة متسامحة- في وجه حملة مسعورة جديدة تهب من حين لأخر من الغرب، قيل متحضّرا، على شكل برامج تلفزيّة ملغومة أودراسات تاريخيّة مسعورة، أومقالات صحفيّة مسمومة. لقد جعل الغرب – مع الأسف الشّديد- من الاسلام بعد سقوط الشّيوعيّة الخطر الأكبر عليه. وحوّلت الصّهيونيّة بمقدرتها الدّعائيّة الحاقدة العداء للسّامية الى عداء للاسلام حتّى أصبحت المطالبة بحقّ الفلسطنيين في وطنهم كراهية لليهود. وزاد الطّين بلّة أنّ العالم اليوم أصبح في عهد العولمة قرية صغيرة بشبكة معلومات عالميّة وبطرق سيّارة للاتّصال بداية بالهاتف والأقمار الصّناعيّة الى الحاسوب والأنترنات. وهكذا انتقلت الانسانيّة من مجتمع فلاحي في القديم الى مجتمع صناعي في عصر النّهضة الى مجتمع اعلامي اليوم. وكان للصّورة الاعلاميّة من التأثير فينا (أي البشر) ما غيّر في سلوكيّاتنا وأسلوب حياتنا تغييرا جذريا، خاصّة وقد أصبحت الصّورة الاعلاميّة تُخزن وتعاد كما يريد صانعها وكما يشاء مُنتجها.. واذا بمفاهيم كالدّولة، والأمّة، والدّين، والثقافة، والهويّة، والمقدّس، والحقيقة التّاريخيّة، والحرّية، والمقاومة: كانت قيما ثابتة في الماضي، لكنها أصبحت تحدّد وتضبط من طرف القويّ –حسب مصالحه- لفرضها على الضّعيف. وليته حدّدها- ولوبقليل من الموضوعيّة – بمكيال واحد بين البشر ليتحقّق العدل، ولونسبيا، بينهم. واذا كان الأمر في السّياسة الدّوليّة المقامة على القطب الواحد لانحتاج الى تقديم أمثلة على ذلك، فانّ ما بثّته تلفزات الغرب من ربورتاجات يوميّا ما يندى له الجبين خجلا. ومن واجبنا أمام هذه التصرّفات اللاّحضاريّة أن نقوم:

أ- بكشفها وفضحها في محاضراتنا وفي ندواتنا وفي برامج تلفزاتنا، وخير مثال على ذلك ما أورده الأستاذ محمّد الميلي المدير العام السّابق للمنظمة العربيّة للتربية والعلوم والثقافة في احدى محاضراته من أنّ احدى القنوات الفرنسيّة لمّا عجزت عن تأمين ربرتاج مصوّر عن الجزائر يتلاءم مع التّعليق الذي أعدّته عن تصاعد نفوذ الجبهة الاسلاميّة للانقاذ استعملت صورة من الأرشيف عن الحرب الأهليّة في لبنان. وفي هذا كلّ العار على المشوّه للحقيقة خدمة لمآرب دنيئة.
ب- بالرّد عليها بعقل واع ونظرة فاحصة وحجّة دامغة مبرزين حقدهم على الاسلام وجهلهم الشّنيع بقيمه وقوانينه، وسوء نيّتهم فيما يُروّجونه حوله من أباطيل. وهم بذلك لا يسخرون من الاسلام بقدر ما يسخرون من عقول سذّج تُصدّقهم . وهم لا يشوّهون الدّين الحنيف بقدر ما يشوّهون الأديان السّماويّة الثلاثة، وببعضها يُؤمنون. ونكتفي بمثال واحد على ذلك هو الرّدّ الموضوعي والعقلاني للدّكتور محمّد الطالبي في محاضرة له ألقاها على منبر اليونسكو في باريس وانطلق فيها من ربرتاج قامت به القناة الثّانية الفرنسيّة في برنامجها المعروف « مبعوث خاصّ» (Envoyé Spécial). وبثّته يوم (6/5/1999) في خضمّ حرب كوسوفو. قدّم هذا البرنامج شريطا تلفزيّا صوّر فيه معاناة المرأة المسلمة في باكستان. فهي امرأة تعذّب وتقتل ويشوّه وجهها بالنار وبماء الفرق بمجرّد غيرة الزّوج وبمجرّد أن تُتّهم بالزّنى، ولا يترك لها المجال للدّفاع عن نفسها. وقُدّم كلّ ذلك أنّه من التشريع الاسلامي. وفي نفس الشّريط نرى رجلا مسلما من كوسُوفُويبحث عن أمّه في مخيّم للاّجئين يعتني بشؤونهم الصّليب الأحمر الدّولي والمنظمات الانسانيّة الغربيّة.

بيّن الأستاذ الطالبي أنّ الهدف من هذا البرنامج هو تقديم صورتين متناقضتين للاسلام والمسيحيّة. فالأوّل دين التوحش والعنف والثانية دين المحبّة والتّسامح. واختار هذا البرنامج اسْتِعار الحرب في كوسوفو ليمرّر الرّسالة العنصريّة التّالية: انّ المسيحيّين اليوغسلاف لهم الحقّ وهم يتّبعون عقيدة سمحاء هي المسيحيّة أن يطهّروا بلادهم من أناس يتّبعون عقيدة متوحّشة هي الاسلام تعامل المرأة مثل تلك المعاملة الفظيعة. لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أنّ قيمتا الحبّ والتسامح لم تعرفهما الكنيسة في القرون الوسطى كسلوك حضاري تجاه الغير الاّ من خلال التّراث العربي الاسلامي عندما نقل اليهم عبر بوّابات ثلاث هي الشام وصقليّة والأندلس.

ج بالرّدّ عليها اعتمادا على ما قاله الموضوعيّون من علمائهم وأدبائهم وعلمائهم. فلئن شوّه دانتي قديما الرّسول الأكرم صلوات اللّه عليه وسلامه ورماه حقدا في روايته « الكوميديا الالاهيّة» في الدّرك الأسفل من النّار مشقوق البطن، وأمامه علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه يبكي وينتحب، ولئن سخرت منه- صلى اللّه عليه وسلّم – مجلاتهم وجرائدهم وتلفزاتهم واذاعاتهم وقد سنّ لهم ذلك دانتي كتابة بما رسموه وروّجوه من صور تدلّ على حقد ونقمة، فالمطلوب منّا أن ننظر في تراثهم قديما وحديثا ونأتيهم منه بالكثير من شهادات التعظيم والاكبار والاجلال لنبي الاسلام (صلعم). فيكون هذا من باب «وشهد شاهد من أهلها»، لأنّ في تلك الشهادات ما يكشف تورّط الصّنف الأوّل منهم جهلا وحماقة وسوء نيّة من أجل اثارة أحقاد تاريخيّة دفينة، خدمة لمصالح مادّية آنيّة خسيسة.
والأمثلة على ذلك كثيرة من انتاج كبار شعرائهم كلامرتين في كتابه «حياة محمّد» وفكتور في قصيدته « السّنة التاسعة للهجرة»، وكبار كتّابهم كفلتار في كتابه «محمّد والتّعصّب»، وشاتوبريان في «من باريس الى القدس». هذا في الأدب الفرنسي وأكيد أنّ له ما يشبهه في الآداب الأخرى.
لم يبق في نهاية المطاف في هذا المجال الخارجي الاّ عامل واحد يضمن بحقّ للأمّة الاسلاميّة قدرتها على مواجهة تحدّيات العولمة. وهذا العامل الأساسي نادى به بعض القادة. ولكنّ نداءهم لم يجد الآذان الصّاغية فخسرنا كثيرًا من الوقت وكثيرًا من الجهد. ولعلّ الحالة التي نحن عليها اليوم هي نتيجة للفشل في تحقيق هذا العامل فما هو؟ انّه الوحدة بين دول هذه الأمّة . ولسنا نعني بها، ضرورة الوحدة السّياسيّة، فهذه دونها خرطُ القتاد، وانما نقصد وحدة تربويّة، ولها في عقيدتنا الواحدة وتراثنا الاسلامي المشترك ما يدعّمها ويجعل من نجاحها – ولو نسبيّا أمرًا ممكنا.

وهذه الوحدة التربويّة تمهّد ان آجلا أوعاجلا الى وحدة اقتصاديّة. لقد حان الوقت للتفكير في سوق عربيّة اسلاميّة مشتركة . ولسنا من دعاة الطفرة. فهذه السّوق قد ننتهي اليها آخر المطاف، ونبدأ باقامة أسواق جهويّة (مجلس التّعاون الخليجي نموذجا) ثم اقليميّة تتطوّر الى سوق عربيّة مشتركة، فسوق عربيّة افريقيّة مشتركة، ثمّ سوق عربيّة اسلاميّة مشتركة. ان الدّول الاسلاميّة، باستثناء بعض المنظمات الثقافية، خالية من أيّ تنظيم وحدوي سياسي أواقتصادي من شأنه أن يقف في هذا المجال أمام المارد الأمريكي أو المارد الأروبّي أو المارد الياباني. وهي في نفس الوقت تواجه مجموعة من التكتلات:

تكتلات عسكريّة كالحلف الأطلسي.
تكتلات اقتصاديّة كالمجموعة الاقتصاديّة الأوروبيّة.
تكتلات استثماريّة كالمنظمة العالمية للتعاون وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
تكتلات بنكيّة كصندوق النقد الدّولي الذي تديره سبعة بلدان .

وهي تواجه في نفس الوقت مجموعة من البيرقراطيات اداريّة، كالشركات المتعدّدة الجنسيّات، ومالية كالبنك العالمي، ودوليّة كمجلس الأمن والأمم المتّحدة.
ان دول أوربا القويّة تكنولوجيا معرفيا، ودفاعيا نوويّا، واقتصاديّا تنمويّا لم تجد مفرًّا من الاتّحاد أمام اللّوبي الأمريكي والكاميكاز اليباني، والتّنّين الصّيني، فكيف لا تضع الدّول العربية والدّول الاسلامية هذا المثال نموذجا يحتذى ومنهجا يُتّبع؟
من خلال حديثكم كأن العولمة التي تواجهها الأمّة الاسلاميّة يمكن أن تكون نقمة عليها ؟
نعم، لأنّ العولمة قد تهمّش الأخلاق والأبعاد الانسانيّة والاجتماعيّة، وتؤدّي الى تلويث المحيط وافساد الأرض.
ولأنّها قد تؤدّي الى فشل خطط التّنمية فتصبح المجتمعات وكرًا لجارح كاسر هوالبطالة بمخلبين قويّين الدّعارة والمخدّرات.
وهي في نهاية المطاف، بجعلها المادّة وسيلة وغاية قد تفقد الانسانيّة ( ومفردها الانسان) توازنه النّفسي المقام على المادّة والرّوح.
لذا نرى أنّه يجب درء هذه الأخطار .

بعقيدة جريئة ترفع شعار: حيث تتحقق مصلحة الناس فثمّة شرع اللّه وكلّما زاد عدد المحرّمات زاد تخلّف المجتمع (فقهاء مجتهدون).
ب بعقل متفتّح يرفع شعار «لا سلطان على العقل الاّ العقل نفسه». واذا اختلف العقل مع الشرع وجب التّأويل ( فلاسفة مسلمون: ابن رشد نموذجا).
رَفَضْنا هذين المبدئين في الماضي فتخلّفنا وآمنت بهما أوروبا فتقدّمت. وخير مثال على ذلك أنّه في الوقت الذي أمر فيه المنصور الموحّدي وهو في عزّ مجده العسكري بحرق كتب ابن رشد ونفيه الى قرية أليسانة ( قرب قرطبة) قرّر فريدريك الثاني، رغم معارضة رجال الدّين المسيحي، ترجمة كتب ابن رشد.
د بروح وحدويّة ترفع شعار: الوحدة ليست رغبة وليست اختيارا عفويا، وانّما قضيّة وجود أوعدم . شعارنا يجب أن يكون التوحيد عقيدة والوحدة مسلكا ومنهجا.
لقد قال الزّعيم الزنجي لوثركنغ للبيض الأمريكان « امّا أن نعيش سويّا كاخوة والاّ فسوف نموت سويّا كأغبياء» ونقول اليوم كمسلمين « امّا أن نعيش سويّا كاخوة متّحدين اقتصاديا وتربويّا والاّ سوف نموت سويّا ضعافا مهمّشين».

من هو الأستاذ الدكتور جمعة شيخة ؟

جمعة بن الصادق بن محمّد بن شيخة من مواليد قرقنة
في: 1/3/1944.
الشهادات: التبريز في اللغة والآداب العربيّة، 1973/ دكتوراه الدولة 1982.
اللغات: العربيّة والفرنسيّة ثمّ الاسبانية.
المهنة: أستاذ تعليم عال بجامعة تونس / اختصاص: حضارة أندلسيّة .
الرّتبة الحالية: أستاذ تعليم عالٍ متميّز بداية من سنة 2007.

الاختصاص :
- الأدب والحضارة في الأندلس.
- المنهجيّة وتحقيق التّراث.
- تاريخ العلوم.

المسؤوليّات :
- مدير عام سابق لدار الكتب الوطنية (1990-1997).
- عضوبالمجلس العلمي بكلية الآداب بمنّوبة ( من 1988-1991) ثم بكليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة ( من 2001-2005 ).
- رئيس قسم العربية بكليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعية بتونس من (2001-2005).
- مدير رئيس تحرير مجلّة دراسات أندلسية (من 1988 الى اليوم (صدر منها 42 عددا).
- عضوالأكاديميّة العليا البرتغالية للدّراسات العربيّة الايبيرية منذ سنة 2000.
- عضوبالجمعيّة التونسيّة لتاريخ علمي الطبّ والصّيدلة .
- عضوبلجنة جائزة الكويت العلمية لسنة 2005

من مؤلفاته (نماذج) :

الفتن والحروب في الشعر الأندلسي من سقوط الخلافة في القرن 5/11 الى سقوط غرناطة في القرن 9/15 .ط . تونس 1994 (3 أجزاء) 1200ص .
عصر ابن زيدون .ط. الكويت 2005- 334 ص.
القيم والخصال في شجرة الاستشراق الاسباني الوارفة الظلال .ط, الكويت 2004، 133ص.
جامع الفنون في شرح رسالة ابن زيدون (الهزليّة) نشر لمخطوط وحيد بالفاكسيميلي مع بيبليوغرافيا مفصّلة حول ابن زيدون (عدد خاص من مجلّة «دراسات أندلسيّة» ط. تونس 2004 ).
التحقيقات المفضوحة في خلع الأبواب المفتوحة (قراءة نقديّة للنص الخلدوني المحقق) ط. تونس 2007.
دار الكتب الوطنيّة: تاريخا ومحتويات. ط. تونس 2007.
القيروان وامامها سحنون من خلال كتب الرّحلات والطبقات. ط. تونس 2009.
من مقالاته التي شارك بها في ندوات بتونس والمغرب والسّعوديّة ولبنان واسبانيا وفرنسا (50 منها):
الحياة الفكرية والأدبيّة في الجزائر الشرقيّة (جزر البليار) نشر بمجلّة المعهد الاسباني العربي للثقافة – مدريد 1982، ص ص 49-108 .
الى أيّ مدى يمكن أن نعتبر الشعر الأندلسي مصدرًا للتاريخ؟ نشر ضمن سلسلة أبحاث وندوات كليّة الآداب بالمحمديّة –ط. المغرب 1991 . ص ص175-190.
القيمة الوثائقيّة في ديوان ابن الخطيب (نشر بمجلّة الآداب بتطوان: العدد 2/ 1987 ص ص 291-323 ) .
القيمة الوثائقيّة في ديوان عبد الكريم القبسي ( نشر في حوليات الجامعة التونسيّة، العدد 27/ 1988، ص 119 ).
دواوين الشعر الأندلسي في دراسات أندلسيّة، ع 16 سنة 1996 ص 31.
النقد السّياسي في الشعر العربي بالأندلس نشر ضمن أعمال ملتقى الدّراسات المغربيّة الأندلسيّة جامعة عبد الملك السعدي كلّية الآداب بتطوان 1995 ص 103.
نظرة نقديّة في ترجمة سحنون . نشر كلّية الآداب بمنّوبة سلسلة بحوث مهداة الى محمد الطالبي ط. تونس 1993 ص 87.
مخطوطات ابن خلدون وتحليل خطّه، نشر ضمن كتاب ابن خلدون: البحر الأبيض المتوسّط في القرن 8/ 14 . ط. اسبانيا 2006 ص 354.
الأندلس في ضمير شعرائها المهاجرين ط. كليّة الآداب بمنّوبة 1996 ص 71.
ابن خلدون ماله وما عليه (أومحاكمة ابن خلدون): بحث ألقي في شكل محاضرة بالكويت (دار الأثار) سنة 2006.
• «الحوار وتحدّيات العولمة» أعدّ للمؤتمر الاسلامي العالمي المنعقد بمكّة جوان 2008.
القاضي عياض والمذهب المالكي في الدّراسات الجامعيّة (جامعة الزّيتونة نموذجا): بحث ألقي في ندوة حول المذهب المالكي بجامعة القاضي عياض بمرّاكش . جوان 2009.
المدرسة الطبيّة القيروانيّة وأثرها في أروبا قديما وحديثا: بحث أعدّ لندوة الأسيسكوبالقيروان حول اشعاع المدرسة الطبّية القيروانيّة – نوفمبر 2009.
Joutes poétiques en Andalous . Lisboa 2005 p.87.
L›expulsió dels Moriscos. Barcelona 1994 p 86.

Los Árabes en la literatura Latinoamericana: el caso de ciere años de solidado de Gabriel García Márquez. Tunis 2002 p. 287.
من تحقيقاته (نماذج):

تحقيق ديوان عبد الكريم القيسي آخر شعراء الأندلس ط, بيت الحكمة تونس 1988 (بالاشتراك ) .
تحقيق المقالة السّادسة من كتاب زاد المسافر للطبيب ابن الجزّار القيرواني . ط. تونس 1999 (بالاشتراك)
تحقيق زاد المسافر (كاملا في جزأين بالاشتراك) ط. تونس 2000.
تحقيق «منشاب الأخبار» رحلة حجازيّة لابن الصبّاح الموريسكي (تحت الطّبع).
من ترجماته (نماذج) :

ترجمة رواية « عائلة بسكوال دوارتي» لخوسي ثيلا من الاسبانية الى العربية (بالاشتراك) ط, تونس 1992 . (المؤلّف حائز على جائزة نوبل).
مدائح غربيّة في مدح خير البريّة (تحت الطبع).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.