المقاومة اليمنية تهدد بدخول المعركة في حال استخدام البحر الأحمر ضد إيران    الرائد الرسمي.. التمديد في نشر فيلق مشاة خفيف تحت راية الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى    البنك المركزي يفرض تمويلًا ذاتيًا للواردات غير ذات الأولوية    عصام الاحمر.. تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي هذه الاجراءات    سوسة: شركة النقل بالساحل تطلق اسم تلميذ سقط من الحافلة على إحدى محطاتها    المعهد العربي لرؤساء المؤسسات: تداين الأسر بشكل مفرط يستوجب التحرك العاجل للحفاظ على التماسك الاجتماعي واستقرار الاقتصاد الكلي    قضية المضاربة في الزيت النباتي المدعم : 35 سنة سجنا لرجل أعمال مع خطايا مالية ثقيلة    عراقجي: إيران ستفرض ثمنا باهظا ردا على استهداف منشآت صناعية ونووية    السياحة والاستثمارات الأجنبية في منطقة النزاع باتت مهدّدة ...تونس بإمكانها الاستفادة من الحرب؟    عاجل/ وزير الخارجية الأمريكي يكشف موعد انتهاء الحرب..    يُواجه اليوم وداد الحامة ...الترجي يراهن على «ثورة» الاحتياطيين والشبان    رسميا.. محامي منتخب المغرب يحذر من تقديم السنغال كأس أمم إفريقيا للجماهير في ملعب فرنسا    خلال جانفي 2026: فائض ميزان منتوجات الصيد البحري يُقدّر ب9،1 مليون دينار    سوسة... الإطاحة بعنصرين خطيرين صادر في حقهما 52 منشور تفتيش    سوسة تحتضن المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب    المهرجان الدولي للطائرات الورقيّة: ...طائرات السّلام ... تحلّق في سماء تونس    قفصة ...مهرجان المغاور الجبلية بالسند:دورة تحت شعار «روحانيات البلاد»    إعلام: تراجع اهتمام ترامب بالعملية العسكرية في إيران    مصائب قوم عند قوم فوائد: كيف للوجهة السياحية التونسية الاستفادة منها ...    توزر: مهرجان الفنون التشكيلية بواحة تمغزة في دورته الثانية: جداريات وورشات في رحاب الشلالات والواحات    إشارات خفية من الجسم وراء الرغبة الشديدة في تناول السكر... هل تعرفها؟    مباراة ودية: فوز المنتخب التونسي تحت 20 سنة على نظيره الموريتاني 3 - 2    العيد الوطني للطفولة 2026: قاعة الأخبار بالعاصمة تحتضن أيّام 26 و27 و28 مارس معرض الطفل والتكنولوجيات الآمنة    باحثون وكتّاب يسلطون الضوء على نشأة الرواية الليبية ومميزاتها وتطورها وأبرز أقلامها    تكلس المفاصل: السبب الخفي وراء آلام الكتف المفاجئة    الزيادة في ''الشهرية'': منين باش تجي الفلوس؟..كيفاش تصير الحكاية؟    التبادل التجاري بين تونس والأردن يرتفع بنسبة 135 بالمائة مدفوعا بصادرات زيت الزيتون    المنتخب الوطني: برنامج النقل التلفزي لمواجهة منتخب هايتي الودية    عاجل/ اجراءات جبائية جديدة في قانون المالية لسنة 2026..ووزارة المالية توضح..    هام..دليلك الذكي لصيام الست من شوال دون عناء..    لقاءات مباشرة بين الأطباء والمرضى: صالون المرضى من 3 إلى 5 أفريل المقبل    عاجل/ تعرض هذا الميناء الكويتي الى هجوم بمسيرات وصواريخ..    عاجل/ قنصلية تونس بدبي والإمارات الشمالية تصدر بلاغ هام..    قفصة: جامعة قفصة تبرم اتفاقية شراكة مع المدرسة العليا للاساتذة بورقلة الجزائرية    أودي تتصدر القائمة: أكثر سيارات فاخرة أماناً في 2026    بشرى للمواطنين..نحو انخفاض أسعار الدواجن..    استعدادًا لمونديال 2026: المنتخب التونسي يفتتح صفحة جديدة بمواجهتي هايتي وكندا وديًا    10 أسرار بش تكون حياتك الزوجية سعيدة    عاجل: في بالك ''قنطرة بنزرت'' تنجم توفى قبل ب 4أيام...شنّوة الحكاية؟    عاجل/ الحرس الثوري الإيراني يمنع مرور 3 سفن من مضيق هرمز ويتوعد برد حازم..    عاجل: الشتاء يرجع بقوة لتونس وتقلبات منتظرة الأحد    عاجل/ عودة الأجواء الشتوية: تونس تشهد منخفضات جوية متتالية بداية من هذا التاريخ..    دراسة : الاكتئاب يطارد الآباء الجدد بعد عام من ولادة الصغير    فظيع/ فاجعة تهز هذه الجهة..    امطار متفرقة اليوم بهذه المناطق..#خبر_عاجل    أذكار صباح الجمعة    وزارة المالية تؤكد ان إيداع الإضبارة الجبائية وتصاريح أسعار التحويل يكون حصرياً عبر منصة "تاج"    كلاسيكو الترجي والنجم: تحكيم أجنبي ولا محلي؟ جدل ساخن قبل المواجهة    كاس تونس لكرة السلة : نتائج مباريات الدور ربع النهائي    بطولة ميامي للتنس: الإيطالي سينر يتأهل للدور نصف النهائي    وزارة التعليم العالي تفتح مناظرة الدخول لدار المعلمين العليا    عامر بحبة... تراجع في درجات الحرارة وأمطار مرتقبة    الحرس الثوري يعلن تنفيذ هجمات بالصواريخ والمسيّرات على المحتل    منع الزكاة كبيرة من أعظم الكبائر .. .هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ    خطبة الجمعة...آداب الاستئذان    النجمة درة تحصد لقب أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل 'علي كلاي'    هلال ذو القعدة...وقتاش؟    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سيدي بوزيد تفصح عن تونس الحقيقية
نشر في الحوار نت يوم 29 - 12 - 2010

مع أنه -بحكم النقص الأصيل في النفس البشرية- لا جرم أن تظل مسافة ما بين القول والفعل، بين المثال المأمول والواقع المتحقق، سواء أتعلق ذلك بالأفراد أم بالجماعات، على ألا يصل الأمر إلى حد التناقض والتصادم لدرجة تضيع فيها حقائق الأشياء وتفقد معها اللغة وظيفتها في التواصل، وهو ما دعاه القرآن الكريم بالنفاق ومقته أكبر المقت "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".
إن ما يحدث للأسبوع الثاني في سيدي بوزيد وامتد إلى أرجاء البلاد، ليكشف عن هوة سحيقة بين تونس الرسمية، تونس السياحية، تونس تقارير المنظمات الدولية المنوّهة بنجاحات النموذج التنموي التونسي الذي وصفه الرئيس الفرنسي ب"المعجزة الاقتصادية"، وبين تونس الواقع، كما كشفت عنها انتفاضة الجياع بسيدي بوزيد وما سبقها وما أججته من نيران سرعان ما امتدت في أرجاء البلاد امتداد النار في الهشيم، فكيف ذلك؟ وماذا في الأفق؟
1- كان لنبأ إقدام الشاب الخريج الجامعي محمد البوعزيزي على إضرام النار في جسمه أمام مقر محافظة سيدي بوزيد وقع الصاعقة، لا على عشيرته العربية الأصيلة "الهمامّة" المعروفة بالشجاعة وبكسبها الثوري المعتبر، فحسب، بل كان بمثابة شرارة الانطلاق لمخزون من الغضب والمقت ظل يتراكم خلال العقدين الأخيرين، فسرت كالنار في الهشيم انتفاضة الجياع، على امتداد المنطقة، فهب الناس في غضبة عارمة يحاصرون مقر المحافظ ويمطرونه حجارة، محتجين على سلوكه الاستكباري إزاء شاب حاصل على درجة علمية عليا، قد عيل صبره بحثا عن شغل يليق به، فما ظفر به، ما اضطره من أجل إعالة أسرته بعد وفاة والده إلى أن يشتغل تاجرا متجولا بعربته يجرها، عارضا بضاعته البسيطة من الخضر والفواكه في الأسواق، فطارده عمال البلدية وبعثروا سلعته وافتكوا ميزانه، لانتزاع رشوة منه، فلما رفض أوسعوه ضربا، فاندفع إلى مقر المحافظ، فصفق الباب في وجهه، فأظلمت الدنيا في وجهه واستبد اليأس به، فأضرم النار في جسمه، فحمل إلى المستشفى على مشارف الموت، وقطعت أنباؤه عن ذويه، مما رجح هلاكه، كما هلك شبان قبله بنفس الوسيلة ولنفس الأسباب في أكثر من جهة في البلاد منهم الشاب تريمش بالمنستير.
وعبّر أهل المدينة عن سخطهم بموجة احتجاج عارمة، فحاصروا مقر الحاكم وأمطروه حجرا وأحرقوا مقرات للحزب الحاكم وحاصروا مراكز أمنية.. وما لبثت موجة الغضب أن امتدت لمختلف أرجاء البلاد في انتفاضة عارمة في أكثر من بلدة ومدينة منها فوسانة وجبنيانة والصخيرة والمحرص والقيروان ومدنين وصفاقس وسوسة وبنزرت ومكثر.. وما تزال موجة الغضب وانتفاضة الجياع تتسع في أرجاء البلاد رغم قمع السلطة الوحشي الذي بلغ حد إطلاق الرصاص الحي الذي أودى بحياة العشرات بين قتيل وجريح منهم الجامعي السيد محمد العماري رحمه الله.
2- تعيد هذه الأحداث الجسام للأذهان ما حدث في منطقة المناجم منذ سنتين من إضراب عام امتد لأشهر مطالبة بالشغل واحتجاجا على المحاباة، وبعد فرض الحصار الأمني على المنطقة لأشهر عهدت السلطة إلى الجيش بفض الإضراب بالقوة الغاشمة سافكا دماء ومزهقا أرواحا لجياع، تاركا بقية المهمة القذرة للشرطة وللقضاء المدجن للاعتقال والتعذيب وعقد المحاكمات المصطنعة.. وما تزال مخلّفات القضية ودماؤها لم تجف، لتتبعها احتجاجات موضعية كان أبرزها ما حدث منذ بضعة أشهر من انتفاضة التجار الصغار بمدينة بنغردان الحدودية مع ليبيا وهم يعيشون على التجارة معها، فلما أغلق المنفذ الحدودي ضجت المنطقة بالاحتجاج فووجهت كالمعتاد بالقمع، ولم تبرد النار إلا بفتح المنفذ الذي يعتبر شريان الحياة لمئات الآلاف من أهل الجنوب والوسط، بما يشبه حالات أهل مناطق الحدود الغربية المهمشة الذين يلتقط الكثير منهم رمق الحياة من طريق تهريب البترول من الجزائر، وبلغت بهم الفاقة أن أقدمت عشائر منهم على الهجرة بالجملة إلى الجزائر حيث حوصروا هناك وردوا على أعقابهم... وذلك مقابل آلاف من الشباب يلقون بأنفسهم في لجج البحر على أمل الوصول إلى أوروبا هروبا من جنة "المعجزة الاقتصادية" فيغرق منهم الكثير، ويقع الكثير منهم بين أيدي الحرس التونسي الحدودي الذي قبض جعلا من حكومات أوروبا لحراسة حدودها من أمواج الجائعين، فيوقع بهم أشد العقوبات، غير عابئ بالتهديد النبوي بالنار لمن حبس هرة فلا هو أطعمها ولا هو ترك سبيلها لتأكل من خشاش الأرض، فكيف بحبس شعب؟
3- وكان واضحا اشتداد ضغط الأزمة الاجتماعية في البلاد تفاقما للبطالة وللفوارق المشطة بين الجهات وتفشي أخبار نهب الأرزاق من قبل العوائل المتنفذة وشركائهم في الحزب الحاكم والدولة بما يشبه أنظمة المافيا المحمية بجيوش من البوليس سرعان ما تحاصر أي تحرك احتجاجي لتعمل فيه آليات القمع والاعتقال والمحاكمات الصورية التعسفية والانتقام والتشفي والتشويه الإعلامي.
وكانت الشعارات العفوية المرفوعة من قبل الجماهير تفصح عن الطبيعة الاجتماعية لهذه الغضبة واقترانها بقضية فساد الحكم، فكان أبرز هذه الشعارات "الشغل استحقاق يا عصابة السراق" وهو شعار يعبر بوضوح عن وجود أزمة كما يعبر عن طبيعتها أنها أزمة حكم، قد احتجن لنفسه الثروة والسلطة والإعلام، جاعلا من جهاز الدولة ما يشبه أنظمة المافيا، وهو التعبير الذي استخدمه السفير الأميركي فيما سربه موقع ويكيليكس في توصيفه للنظام، مع صداقته له.
4- لم يكن للنظام وهذه طبيعته وارتباطاته، من خيار، من أجل الحفاظ على مصالحه الاحتكارية الاستئثارية بالسلطة والثروة وإطلاق العنان لقوى النهب داخل الأسرة الحاكمة غير:
أ- إفراغ كل مؤسسات الحكم من السلطة: الأحزاب والبرلمان والوزراء ومجلسهم والإعلام والبنوك، كلها قلاع فارغة، تدار من غرفة قيادية في القصر أدواتها الأساسية من طبيعة أمنية، بما جعل جهاز الأمن يتضاعف ميزانيات وأعدادا أكثر من ستة أضعاف خلال عقدين من حكم ابن علي، وأطلقت يده في أموال الناس وأعراضهم، بينما تدهورت الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم وتم تسليعها، وسحب ما كان لها وللفقراء من دعم، فالتهبت الأسعار وفشت البطالة بأثر الخيارات التي فرضتها المؤسسات الرأسمالية الدولية على البلاد فصودر القطاع العام إما لصالح الرأسمالية الدولية أو لشركائها من أقطاب عائلات الحكم.
ب- كما أن من مقتضيات هذا الخيار التنموي فرض الصمت على كل صوت يمكن أن يحتج ويعرقل إجراء الجراحات الصعبة على الجسم التونسي خدمة للرأسمالية الدولية وشركائها القلة المحظوظة، فكانت الهيمنة على الإعلام (وحتى الإعلام الخاص الذي سمح به قصر على أفراد الأسرة الحاكمة) والهيمنة على الاقتصاد والهيمنة على الأحزاب، إما باستهدافها بالتدمير كما فعلوا مع الحركة الإسلامية خاصة.. أو بالاحتواء والتدجين)، وكذا الهيمنة على مؤسسات المجتمع الأهلي كالنقابات.
5- ومن أجل ضمان ولاء ودعم الرأسمالية الدولية كان لا بد من عدم الاقتصار على تلبية مطالبها المالية الاقتصادية بل التوفر على الاستعداد للاندراج ضمن سياساتها الإستراتيجية العليا من مثل الاندراج في مشاريع التسوية في القضية الفلسطينية وتوثيق العلائق مع الإسرائيليين، بؤبئ العين الغربية، وكذا الاندراج في "المجهود الدولي للحرب على الإرهاب" ولا بأس من وضع شيء من البهارات المحببة للمستهلك الغربي مثل قضية تحرير المرأة!! تمريرا لسياسات لا يحبها الغرب أو يزعم ذلك مثل التعذيب والإعلام الخشبي ووضع اليد على مؤسسات المجتمع المدني وتزييف الانتخابات لضمان النجاح بالنسب المعروفة 90% فما فوق والعبث المتكرر بالدستور لتيسير ترشح الرئيس للمرة الخامسة رغم ما يشاع عن مرضه، بل التمهيد لتوريث المنصب ربما لسيدة تونس الأولى التي كانت من بين المستهدفين بشعارات الانتفاضة الهمّاميّة "تونس حرة والطرابلسية على برة".
6- وهكذا في بلد لا يتمتع بثروات طبيعية كبيرة لا يمكن لأهله من أجل ضمان مستوى معقول لعيشهم إلا أن يكدحوا وأن تسوسهم سلطة تتمتع بقدر معقول من حسن الإدارة ومن الإنصاف، فإذا هي أسرفت في النهب كما هو حاصل في عهد ابن علي فلا مناص من أن يتفاقم إحساس الشعب بالضيم والقهر والفاقة والحرمان، لا سيما وهو يرى أثر الثراء السريع والإنفاق السرفي السفيه الباذخ من قبل الأثرياء الجدد المرتبطين بالحكم فتزداد نقمته وألمه، وفي غياب قنوات ومؤسسات حرة لامتصاص الغضب كوسائل الإعلام والمساجد والجمعيات والأحزاب، وفي غياب انتخابات حرة يمكن للشعب أن يغير من خلالها سلطة لا تعجبه، وفي غياب جغرافيا تتيح للمظلومين الثائرين الاحتماء بها لمناهضة الظلمة -وهذه حال شعب تونس الأصيل- ماذا يبقى غير تخزين الغضب ومراكمته في انتظار الانفجار في طور تبدو فيه على السلطة ظواهر الانحلال وانقطاع الصلة بالواقع على حقيته، والعجز عن توفير الحد الأدنى من العيش لمواطنيها، لا يمكن لدولة أن يستتب لها أمن دون توفيره.
7- لقد استهدفت سلطة 7 نوفمبر الحركة المعارضة الأكبر في البلاد، حركة النهضة بالاستئصال باعتبارها المنافس الأعظم لسلطة ليس في تراثها غير تراث الحزب الواحد والزعيم المتأله، زادتها خبرتها الأمنية الوحيدة تعويلا على هذه الخبرة، فما كادت تبقى أسرة في البلاد لم ينلها حظ مما نال الحركة الإسلامية على نحو غير مسبوق في تاريخ البلاد، واجدة دعما من غرب فزع من الإسلام ومن نخب متغربة هلعة من صعود الإسلام السياسي بزعم الدفاع عن مكاسب "حداثة " لم يبق من رصيد لحمايتها غير هراوة البوليس ووضع الخبرة النضالية المتقدمة تحت تصرفه، وذلك بوعد ديمقراطي يتحقق يوم الخلاص من العدو الأصولي المشترك، إلا أنه وريث دولة الحزب الواحد والزعيم الأوحد مضى إلى نهايته في الانفراد بالغنيمة ضاربا بهراوته على كل مطالب بنصيبه من الغنيمة، وهكذا تجلت سافرة حكمة أكلت يوم أكل الثور الأبيض، إلا أنه مع بدايات القرن الجديد أخذت تعود مياه المعارضة الجادة إلى مجاري الحوار والبحث عن المشتركات، بما أفضى إلى أرضية صالحة لتنهض عليها جبهة للمعارضة الجادة تجمع بين قوى أساسية يسارية وليبرالية وقومية وإسلامية، مما يمكن أن يمثل محضنا مستقبليا لشعب تشتد عليه وطأة الظلم لدرجة الإقبال على الموت ويستشعر أن الوقت قد حان لانتزاع حقوقه المضيعة.
8- لم تكن انتفاضة الهمامّة منعزلة عن تطورات سبقتها ومهدت لها ألمعنا إلى بعضها ونضيف إليها هنا عاملين مهمين: الأول اقتصادي ويتمثل في انعكاسات الأزمة الدولية على اقتصاديات البلاد رغم الادعاء المتكرر بعكس ذلك وهو أمر لا يمكن تصديقه مع نظام يقوم اقتصاده على التبادل مع السوق الرأسمالية ، فكيف تصاب هذه بالزلازل، وهو آمن مطمئن بما يذكر بأنشودة كنا نتغنى بها صغارا "سقف بيتي حديد ركن بيتي حدر.. فاعصفي يا رياح واهطلي يا مطر... ويكفي الالتفات إلى القطاع السياحي وهو العمود الفقري لاقتصاد البلاد ماذا عساه يبقى منه قائما لو ظل معتمدا على الأوروبيين خلال الأزمة ولم يعوضهم أكثر من مليونين قدموا من الجوار الليبي والجزائري؟. وما سيبقى من سلم اجتماعي في مناطق الجنوب لو أصرت ليبيا على استبقاء حدودها مغلقة لأكثر من أسبوع؟ كفى ادعاء.
أما العامل الثقافي النفسي الهام فيتمثل في اندلاع صحوة إسلامية عارمة منذ نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي بأثر الفضائيات والإنترنت التي حركت مخزونا من التدين أثّلته الحركة الإسلامية خلال عملها وتغلغلها في المجتمع التونسي لأكثر من عقدين لا سيما واتساع حجم القمع الذي نال من الحركة الإسلامية قد مس الجسم الاجتماعي كله، فكمن هذا الاثر خلال اشتداد العاصفة حتى إذا أخذت طريقها إلى الخمود اهتزت الأرض إسلاما ناقما ساخطا بلغ سخطه حد حمل السلاح في مواجهة الدولة منذ بضع سنوات معارضا لسياساتها الدولية تجاه فلسطين والعراق.
وإذا كان اليوم يجثم وراء القضبان عدة آلاف من شباب الصحوة الإسلامية بما راكم غضبا زائدا منضافا، فضلا عما سكبته صحوة الإسلام في النفوس على اختلاف الفئات الاجتماعية من إيمان واطمئنان ونقمة على الفساد والمفسدين، يمكن لنا أن نكون قد اقتربنا من جملة العوامل والسياقات التي راكمت المواد التي فجرت هذه الانتفاضة التي بدت لغير العارفين كأنها حدث عارض وعمل معزول بينما هي تراكم طبيعي لعمليات مركبة ومعقدة قد نضجت وحان وقت انفجارها فانفجرت وكنا دائما على يقين من أنها آتية لا ريب فيها.
9- وكان يقيننا مؤسسا على قاعدة في التوقع الإستراتيجي لردود أفعال شعب ما تجاه ظلم يحيق به: كيف سيتصرف؟ أقوم سبيل لهذا التوقع هو النظر إلى سوابق ردود أفعال هذا الشعب على ما كان قد حاق به من مظالم. بالنظر إلى أن ردود أفعاله تلك هي ثمرة خبرته التاريخية التي هي مزيج من جغرافيته وتاريخه وعقائده وتمدنه. ومن ذلك ما ذكره الأستاذ عبد الحميد مهري الأمين العام السابق لجبهة التحرير في محاضرة له بلندن مجيبا عن سؤال أحدهم: كيف تصف الجماعات الإسلامية المقاتلة في الجزائر، هل هي إرهابية؟ أجاب بأنها معارضة مسلحة، مضيفا: في تراث الجزائريين أنه عندما يصل الظلم إلى حد لا يطاق تندفع منا ثلة إلى الجبال، تحتمي بها، فتصنع توازنا مع الدولة تضطرها للتراجع أو تهزمها جملة.
نحن في تونس بلد صغير بجغرافية منبسطة وسكان متجانسين بما يتيح قيام دولة شديدة التمركز، تغريها بالطغيان، بينما لا تقدم الجغرافيا ما يحتمي به الثائر ويقاوم، وذلك لا يجعل الاستسلام قدرا فالله الذي حرم الظلم وتوعد الظالمين بسوء العاقبة لم يحرم شعبا من فرص للمقاومة والانتصار على الظلم، ففي مجتمع مديني يتكون من مدن يبقى السبيل الأقوم لصنع توازن مع الدولة يضطرها للتفاوض أو حتى يطيح بها إذا استكبرت هو سبيل العصيان المدني بأساليبه المعروفة كالمسيرات العارمة التي تصنع في الأرض المنبسطة جبلا لا يجد معه الحاكم المستبد إلا أن يقول مع بورقيبة صاغرا يوم 26 يناير/ كانون الثاني المجيد "رجعنا فين كنا".
10- تقديرنا: إن ما تشهده البلاد انتفاضة قد تجمعت أسبابها ولئن بدت طبيعتها اجتماعية فهي في الحقيقة مركبة بل السياسي فيها هو الأعمق، وهي لا محالة بالغة هدفها في تغيير سلطة الاستبداد سلطة المافيا على نحو من الأنحاء. لا تملك السلطة القائمة رغم الوجه الاجتماعي الأبرز للانتفاضة أن تستجيب للمطالب الاجتماعية توفيرا للشغل، لا يمكن لها انتزاع ما استولت عليه المافيا من منهوبات لتعيدها لتوزع على أصحابها الشرعيين. ما تملكه السلطة إذا احتفظت بمسكة من عقل هو الصرف من جيبها السياسي تنفيسا للاحتقان الاجتماعي، على غرار ما فعل بورقيبة جزئيا عقب أحداث 3 يناير/ كانون الثاني المجيدة تغييرا لوجوه واعترافا بأحزاب وتسريحا لمساجين ولمنابر إعلامية، بما لا يغير طبيعة النظام ولكنه يهبه وقتا إضافيا {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.