حذر المحلل السياسي والإعلامي الجمعي القاسمي من "مؤامرات" تستهدف ما تشهده المنطقة العربية من تحولات ولاحظ أن أكبر خطر يتهدد مسار الانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية خاصة في هذه المرحلة هو بروز قوى لا تخفي سعيها المحموم لإفساد أي تقدم جدي نحو بناء دولة جديدة، مدنية ديمقراطية، تحترم إرادة الشعب وكرامته، وتعيد لمؤسساته النزاهة وتخلصها من الفساد. وأكد أن ثورة تونس انتصرت، وانتصرت معها ثورة مصر، ولكن الانتصار يبقى منقوصا ما لم يتم استكمال شروطه ومقوماته أي تحقيق الإصلاح المطلوب لترسيخ الديمقراطية والحرية، والتوزيع العادل للثروات، والخروج نهائيا من دائرة الارتباك والإرباك والغموض. وبخصوص مسار السلام قال الجمعي القاسمي إن مسار السلام مرتبط في جزء منه بالتحولات التي تشهدها المنطقة، وفي نفس الوقت مرتبط بموقف تل أبيب والإدارة الأميركية محذرا من تفاهمات اللحظة الأخيرة ، "ذلك أن واشنطن تملك من أدوات الضغط والتهديد والابتزاز ما يفوق قدرة الجانب الفلسطيني على مواجهته". وعن قرائته لتداعيات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط قال "لا شك أن ثورتي تونس ومصر، وما يجري حاليا في سوريا، واليمن، وليبيا، وما رافق ذلك من أحداث في البحرين، كان له كبير الأثر في تغير صورة المشهد السياسي في المنطقة العربية التي تبدو اليوم سريعة الحركة في اتجاهات متعددة لا أحد بإمكانه تحديد أفقها". واضاف "تدفع هذه الحركة السريعة التي يقودها (مارد شعبي)، استيقظ فجأة على وقع تداعيات سياسية وأمنية حادة أفرزتها نجاحات هنا، وتعثر هناك، إلى تشكيل مشهد ضبابي، غير مكتمل، بل غير واضح المعالم، ساهمت في رسمه تشعبات تضاريس الجغرافيا التي تشابكت مع حسابات سياسية وتعقيدات أمنية، غذتها وعمقتها تدخلات إقليمية وأخرى دولية، وقد تختلف القراءات هنا، غير إن ذلك لا يمنع من القول إن المنطقة تبدو اليوم كأنها تعيش حالة مخاض عسير سالت فيه الدماء بغزارة قبل نزول ماء الطلق الذي عادة ما يسبق الولادة". وشدد بقوله "هذه الحالة التي ربما تنبئ بولادة مشوهة، ستستمر حسب اعتقادي لفترة زمنية محددة، إلى أن يستيقظ (المارد الشعبي) من جديد لتصحيح الأمور وإرجاعها إلى نصابها من خلال الضغط على رجال السياسة بالكف عن التلاعب بمصير الشعوب". وقال "خلافا لما قد يتبادر إلى ذهن البعض بأن هذه الرؤية يحيط بها التشاؤم من كل الجوانب، أقول إن التفاؤل يبقى قائما رغم خطورة حقل الألغام الذي وجد الحراك الشعبي نفسه محاصرا فيه بسبب أداء سياسي اتسم بالمراهقة السياسية حينا، وطغت عليه الحسابات الحزبية الضيقة في أحيان كثيرة، لذلك، أقول هي تداعيات خطيرة، أفرزت مشهدا محزنا في ظاهره، ولكن سيكون مشرقا دون شك، لأن ضوءا ولو ضعيفا بدأ يسطع سيعطينا بعض الأمل في المستقبل". وعن توقعه لقرب إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف قال القاسمي "القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للشعوب العربية، قبل الأنظمة، ولا يمكن الحديث عن حراك شعبي داخل هذا القطر أو ذاك، دون أن يكون الموضوع الفلسطيني محوره الأساسي، وليس خافيا أن موضوع الدولة الفلسطينية سيبقى الهاجس الرئيس الذي تسعى القوى الفلسطينية إلى تحقيقه لتتويج ثورة قدمت آلاف الشهداء والجرحى، وآلاف الأسرى، وملايين اللاجئين، ومعاناة لا توصف منذ بداية القرن الماضي حتى اليوم". وأوضح "من الناحية النظرية، فإن مسألة قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف هي مسألة حتمية، وأن ربيع الثورات العربية الذي أزهر في تونس ومصر، قد يساعد في تحقيق هذا الهدف الذي عاد إلى دائرة الضوء بعد أن تقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس(أبومازن) بطلب رسمي إلى الأممالمتحدة للاعتراف بدولة فلسطين، فهذه الخطوة مهمة جدا، ولكنها ليست نهاية المطاف باعتبار أنه إذا ما تحققت ستُحوِّل جزءا من أرض فلسطين من أراض متنازع عليها إلى أراض فلسطينية محتلة، وستثبت اسم فلسطين كدولة على أرض فلسطين في الأممالمتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى". وقال "قد تغير هذه الخطوة إذا ما تحققت من طبيعة العلاقة بين إسرائيل وفلسطين أرضا وشعبا، ولكنها في حقيقة الأمر لن تحقق دولة مستقلة في المدى المنظور، وذلك لسببين اثنين أولهما طبيعة موازين القوى الراهنة إقليميا ودوليا، وثانيا مدى قدرة الجانب الفلسطيني إلى الذهاب حتى النهاية لتجسيد هدف الدولة على أرض الواقع". وعبر عن خشيته بان القيادة الفلسطينية بتركيبتها الحالية لن تستطيع خوض المعركة حتى نهايتها، ما يعني أن الاعتراف الأممي بدولة فلسطين إذا ما تم سيستخدم كورقة لتحسين الأداء التفاوضي، وليس لتثبيت الحقوق الفلسطينية المشروعة.
الجمعي القاسمي
اما عن ارتباط مسار السلام بالتحولات في الشرق الأوسط فقال "دعني أضيف أولا أن هذه الخشية مشروعة وقد عبر عنها أكثر من فصيل فلسطيني تحدث عن تخوفات ومحاذير من الخطوة المذكورة، لا سيما وأن هدف الدولة الفلسطينية في حدود 67 التي يطالب بها الرئيس أبو مازن تقدر بنحو 22% من إجمالي مساحة فلسطين، ولا يخفى على احد أن غالبية الفصائل الفلسطينية ومعها الشعب الفلسطيني في الداخل والمنافي يسعى من أجل تحرير أرضه، وإنجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال، وفي سبيل حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة مستندا في ذلك إلى حقوقه التاريخية في أرض الآباء والأجداد، وإلى ميثاق الأممالمتحدة، والقانون الدولي، وما كفلته الشرعية الدولية". وشدد بقوله "من هنا، تبدو الخطوة الفلسطينية كأنها تهدف إلى تحسين وتعديل الموقع الفلسطيني التفاوضي ومراهنة على التحولات التي تجري من حوله لتحسين شروط التسوية ومرجعياتها، وبالتالي يمكن القول إن أن مسار السلام مرتبط في جزء منه بالتحولات التي تشهدها المنطقة، وفي نفس الوقت مرتبط بموقف تل أبيب والإدارة الأميركية". وحذر القاسمي في هذا السياق من تفاهمات اللحظة الأخيرة ، ذلك أن واشنطن تملك من أدوات الضغط والتهديد والابتزاز ما يفوق قدرة الجانب الفلسطيني على مواجهته لاسيما في هذه المرحلة التي يبدو فيه الوضع الفلسطيني الداخلي غير ناضج لمثل هكذا مواجهة مع أميركا. وقال "يستدعي هذا الأمر في اعتقادي وضع إستراتيجية جديدة ليس لمغادرة مربع المفاوضات نهائيا، بل لتثبيت الثوابت الفلسطينية والانطلاق منها لتحقيق هدف الدولة الذي يبقى منقوصا إذا لم يقترن بضمان حق العودة للاجئين الذين هم عنوان القضية الفلسطينية". وعن التحولات الجذرية وظهور لاعبين جدد، قد يؤدي الى "تقسيم" جيوسياسي جديد، قال الصحفي والمحلل السياسي التونسي "منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولات جذرية ونوعية، وهي تبدو اليوم كأنها وسط بركان نحسب أن حممه ستطال أكثر من نظام هنا وهناك، كما أنها قد تحرق سياسة أميركية سادت لسنوات في هذه المنطقة، وهو ما يفسر تسارع مناورات واشنطن داخل أروقة الأممالمتحدة لإفشال الخطوة الفلسطينية، وغيرها من المناورات الأخرى لاحتواء الحراك الشعبي العربي، ومحاولة توظيفه لصالحها، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تجاهل دور ثورة تونس في تحريك المشهد العربي بشكل عام، لجهة زعزعة أركانه وخلخلة أسسه، وصولا إلى الإطاحة بنظام حسني مبارك الذي كثيرا ما استندت عليه السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة". واضاف "ربما ساهم هذا التطور الكبير الذي طرأ على طبيعة المشهد الجيوسياسي في المنطقة في ظهور لاعبين جدد، وأخص بالذكر هنا الدور الذي بدأت تلعبه دولة قطر مستفيدة من تراجع الدور التقليدي الذي كانت تلعبه مصر، وكذلك أيضا السعودية. وباعتقادي أن أبرز اللاعبين الجدد الذي بدأ يطل برأسه في مسعى لملء الفراغ المذكور، هو اللاعب التركي الذي استطاع بذكاء استعادة ثقة بعض الأطراف العربية الأمر الذي مكنه من التخلص تدريجيا من عقدة الانتماء الجغرافي إلى لاعب فاعل في المنطقة. هذا اللاعب إذا ما واصل تحركاته السياسية على نفس النسق الراهن، وإذا استطاع الاستمرار في ذلك بدون إخفاقات هنا وهناك، خاصة فيما يتعلق بالتحرك العسكري الذي بدأه في المتوسط، سيساهم بشكل أو بآخر في إعادة تشكيل التقسيم الجيوسياسي في المنطقة، ولكن مرة أخرى وللأسف الشديد لن يكون للصالح العربي، لأن العرب غائبون".