أخيرا، كشفت الحكومة التونسية، من خلال وزير الداخلية والتنمية المحلية، عن بعض المعلومات الخاصة بطبيعة المجموعة المسلحة التي شغلت الرأي العام وكل الأطراف والجهات المهتمة بتونس. وقد أكد السيد رفيق بالحاج قاسم في كلمة ألقاها أمام كوادر الحزب الحاكم أنهم عناصر وصفهم ب "السلفيين الإرهابيين"، وأنهم كانوا بصدد التخطيط لمهاجمة سفارات أجنبية ودبلوماسيين مقيمين بتونس. ما هي دلالات هذه التصريحات الأولى من نوعها التي تصدر عن جهة رسمية عُليا حول هذه القضية، وما هي نقاط الغموض التي لم يقع تسليط الضوء عليها؟ أول ما يُلفت الانتباه، الصيغة التي تم اختيارها للكشف عن تفاصيل المواجهة مع المجموعة المسلحة. فبعد أن كانت النية تتّجه نحو عقد مؤتمر صحفي مع مسؤول أمني رفيع المستوى، مال الرأي نحو الإعلان عن ذلك أمام ندوة إطارات (كوادر) حزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" الحاكم، التي حضرها وزراء الحكومة والولاة (المحافظون) وأعضاء مجلسي النواب والمستشارين من التجمعيين. وقد أضفى ذلك بُعدا سياسيا عاليا على الحدث، نظرا لما اكتنفه من تحسيس ضمني بخطورة المسألة، وضرورة تجنيد أنصار الحزب الحاكم والتفافهم حول النظام وحول الرئيس بن علي. وعادة ما يلجأ الحزب الحاكم في تونس إلى مثل هذه التعبئة في المنعرجات الخطيرة، وعند حصول أحداث ضخمة من شأنها أن تُهدّد أمن البلاد واستقرار السلطة، ويتوقع أن تشهد الأيام القادمة حملة سياسية واسعة النطاق، هدفها تقوية الحزام الجماهيري لنظام الحكم وتحويل "النصر الأمني إلى نصر سياسي". في مقابل ذلك، غابت لأول مرة التفاصيل الدقيقة لما جرى، التي كانت عادة تكون مصحوبة بالصور والوثائق والاعترافات التلفزيونية لبعض المتهمين، وهو ما أبقى الصحفيين على ظمئهم، حيث بقيت في جُعبتهم العشرات من الأسئلة وحُرموا من الاحتكاك المباشر بالمسؤولين الأمنيين ومحاولة استدراجهم للكشف عن مزيد المعلومات وخلفيات هذا الملف الخطير. باستعراض المعلومات التي كشف عنها وزير الداخلية، يمكن التوقف عند بعضها لمحاولة تفكيك دلالاتها. - حسب الرواية الرسمية، فإن المجموعة المسلحة تتشكّل من تونسيين، باستثناء شاب يحمل الجنسية الموريتانية كان من بين القتلى، وهذا يؤكد ما سبق أن أشرنا إليه، من أن شوطا هاما قد قطع في اتجاه التأسيس لتنظيم سِري سلفي يتبنّى العنف المسلح، ولا يُعرف إلى حد الآن، هل أن المجموعة قد اكتسبت طابعا هرميا أم أنها انتهجت صيغة الحلقات العنقودية المنفصلة عن بعضها. لكن من المؤكّد أن هذا التنظيم، الذي يُفترض أن يكون له اسم أو يافطة، يملك علاقات ممتدة خارج تونس، سمحت له باكتساب الخِبرة في التدريب على السلاح ووضع الخطط اللوجيستية، وما يحتاج إلى التدقيق، هو معرفة ما إذا كانت صلته بالخارج، وتحديدا بالجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، هي صلة تبعية تنظيمية وسياسية أم أنها تقف عند حدود الالتقاء في الأهداف والرؤية الأيديولوجية وتبادل الخدمات والمعلومات، وذلك في إطار خطة إقليمية متكاملة ومدعومة من قِبل تنظم القاعدة. - أكد المسؤول التونسي على أن الأجهزة الأمنية كانت على عِلم بنشاط المجموعة، وقامت برصْد سِتة أفراد منهم منذ تسللهم عبر الحدود الجزائرية، وأن هذه الأجهزة "فضلت متابعة تحرّكاتهم قبل الدخول مع المجموعة في مواجهة مسلحة وإلقاء القبض على بعض أفرادها، وذلك لمعرفة بقية عناصرها المُقيمة في تونس وتحديد مخططاتها"، وأضاف بأن هؤلاء "معروفون أيضا لدى المصالح الأمنية، وهم بدورهم محل متابعة". جاء هذا التأكيد على دقة الأجهزة الأمنية وإحاطتها بكل خيوط القضية، بعد الانتقادات التي وجهّها البعض خلال الأسابيع الأخيرة لمصالح وزارة الداخلية، وكذلك التساؤلات والحيرة التي هيمنت على ردود فعل المواطنين والطبقة السياسية، كما كثُر الحديث في الأوساط السياسية عن الدور الذي قام به العسكريون، سواء على صعيد استشارة أهل الخبرة أم على الصعيد الميداني، هذا الدور الذي اعتبره البعض بأنه كان حاسما وجوهريا في تطويق المجموعة والقضاء عليها. فتونس معروفة على الصعيدين، العربي والدولي، بقدراتها الأمنية الفائقة، لهذا تساءلت هذه الأطراف: كيف أمكن لهذه المجموعة أن تنمو وتتدرب وتتسلح وتربط علاقات إقليمية، وأن تُراوغ بكل أجهزة الرّصد السياسية والأمنية والاجتماعية، وتبلغ هذه الدرجة من التنظيم والتماسك والقوة؟ وبناء عليه، اعتبر أحد السياسيين أنه من الطبيعي والمنتظر أن يرد وزير الداخلية على "حملة التشكيك" في قدرات الأجهزة الأمنية، والتي بلغت حد ترويج توقعات عن احتمال حدوث تغييرات قد تشمل قيادات أمنية بارزة. - اكتفى وزير الداخلية في كلمته بالإشارة إلى أن المجموعة كانت بحوزتها "أسلحة وكمية من المتفجرات محلية الصنع"، لكنه لم يتعرض إلى نوعية هذه الأسلحة، التي أثبتت الشهادات بأنها كانت متطورة، كما أنه لم يُشر بالخصوص إلى مصدرها، وهي النقطة التي حيرت الجميع ووفرت فرصة لوضع احتمالات شتى، بلغت أحيانا درجة الخيال والافتراضات المستبعدة. فهناك فارق كبير بين أن يكون السلاح قد تم تهريبه من خارج البلاد رغم الدلالات الخطيرة لذلك وبين أن يكون قد سرق من الثكنات؟ - بالنسبة لأهداف المجموعة، فقد تم حصرها في التخطيط للاعتداء على عدد من السفارات الأجنبية وبعض الدبلوماسيين. ويبدو، حسب بعض المصادر، أن المقصود بذلك، وبدرجة أساسية، سفارتا الولاياتالمتحدةالأمريكية وبريطانيا. وبناء على هذه المعلومة، فإن المجموعة من وجهة النظر الرسمية، لم تكن تنوي الاعتداء على مسؤولين تونسيين أو مقرات لوزارات أساسية ومؤسسات سياحية وتجارية، حسبما راج في بداية المواجهات. فهل هذا يعني أن المجموعة كانت أشبه بكومندوس تم تدريبه وإعداده لاستهداف المصالح الأمريكيةوالغربية في تونس؟ وهل المقصود بذلك أن التنظيم الذي تم اكتشافه لم يكن رد فعل على سوء إدارة الملف الديني، ولا هو نتاج وضع ثقافي واجتماعي ملغوم، كما أنه ليس إفراز لحالة الاحتقان السياسي الداخلي، الذي ألحت على إبرازه أطراف المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وتحاليل صحفية محلية وأجنبية، وإنما دوافعه مرتبطة بسياسات الدول الغربية في المنطقة؟ استياء الأوساط الرسمية إن تحديد الدوافع، عنصر أساسي في فهم ما حدث وكشف جذوره، مع العلم أن الأوساط الرسمية قد استاءت من الطريقة التي غطّت بها وسائل الإعلام الأوروبية وغيرها الأحداث الأخيرة، خاصة عندما ربطت بين الاشتباكات وبين تذمّر الأوساط الديمقراطية المحلية، مما تعتبره نقصا فادحا في الحريات أو "هيمنة واسعة للسلطة والحزب الحاكم على المجتمع"، بل ذهب بعض الخبراء إلى اعتبار أن تونس أصبحت تشكِّل بؤرة خطرة، من بينهم الباحث الفرنسي في شؤون الحركات الإسلامية أوليفيي روي، الذي اعتبر في معرض حديثه عن الإرهاب في دول المغرب العربي أن "المجهول هو تونس"، وعلل رأيه بالقول أنه " في تونس، من الواضح أن الحكومة تمكّنت من إحداث فراغ سياسي، وهو ما ليس متحقِّقا في الجزائر أو المغرب... هناك قدر كبير من الاستياء، حتى بين الطبقات الوسطى العِلمانية، لذلك، أعتقد أن الطريق ممهَّد الآن بشكل أفضل للحركات المتشدِّدة في تونس بالرغم من ذلك"، على حد قوله. كما نقلت وكالة رويترز أيضا عن مسؤول أمريكي، وصفته بالمُطَّلع على المنطقة قوله "نحن قلقون، هذه الموجة الأخيرة من الاضطرابات في تونس، تمثل جرس إنذار نوعا ما.. دعونا لا ننسى تونس". وقد تجلى الاستياء الرسمي التونسي من مثل هذه التعاليق في إشارتين وردتا على لسان مسؤولين رفيعي المستوى خلال الاجتماع المذكور أعلاه، حيث قال نائب رئيس التجمّع الدستوري الديمقراطي السيد حامد القروي في كلمته "ندعم التعاون مع الاتحاد الأوروبي، ومصلحتنا تقتضي دوام هذا التعامل، ولكن نتمسَّك بسيادتنا وباستقلالنا"، وفي ذلك رفض ضِمني للانتقادات التي وجّهها الأوروبيون لسياسة النظام، فيما يتعلق بمسألة الحريات وحقوق الإنسان. أما وزير الخارجية السيد عبد الوهاب عبد الله، فقد أكّد من جهته على أن تونس "كانت سبّاقة للتحذير من مخاطر الإرهاب ومن مخاطر الجماعات الإرهابية، التي وجدت دعما من وسائل الإعلام لنشر أطروحاتها وأفكارها، كما استغلت هذه الجماعات الحيِّز الذي تُتيحه بعض الدول وحالات الإنفلات الأمني"، وهذا يعني أن أوروبا، وبالأخص أمريكا، هما المسؤولتان على تغذية الجماعات الإرهابية، وذلك من خلال احتضان أعضائها ومنحهم اللجوء السياسي والتسهيلات الإعلامية أو بتحطيم دولة مثل العراق، مما خلق حالة من الفوضى و"الانفلات الأمني". رغم أن وزير الداخلية قد اعتبر أن ملف هذه المجموعة قد أغلق، فإنه ميدانيا، لا تزال بعض المناطق تعيش حالة تفتيش واسعة، وذلك تحسُّبا لأية احتمالات، كما أن نسبة الإيقافات في صفوف الشباب المتديِّن، الذي تبدو عليه مَسحة سلفية، في تصاعد مثير لقلق الأوساط الحقوقية. تنسيق أمني مع الجوار من جهة أخرى، كشف المسؤول التونسي عن وجود تنسيق أمني بين تونس وعدد من الأطراف وصفها ب "الشقيقة والصديقة"، وهي إشارة إلى أن المواجهة مُستقبلا مع مثل هذه المجموعات، سيصبح إقليميا ودوليا، بعد أن قرّرت هي بدورها أن تحوِّل منطقة المغرب العربي إلى ساحة عمليات مفتوحة. يمكن القول بأن صورة ما حدث، قد أصبحت أكثر وضوحا الآن، لكن الغموض لا يزال كثيفا حول ما بعد هذه الأحداث، وبما أن الأحداث الأخيرة قد كشفت مرة أخرى بأن الرئيس بن علي لا يزال الرجل القوي والضامن الرئيسي لاستقرار الحكم والدولة، فإن الأنظار متّجهة إليه للحسم في الكثير من الملفات المعلقة منذ سنوات، واتخاذ القرارات التي قد يُعلن عنها في المرحلة القادمة، وهي قرارات قد تشمل تغييرات في أشخاص وهياكل حساسة، أمنية وسياسية. فالسلطة وجدت نفسها منذ نهاية التسعينات في حالة دفاع متواصل تخشى تغيير طرق إدارتها للحياة العامة وتتصدى بتوتر – غير مبرر في الغالب - لكل صغيرة أو كبيرة تخرج عن نطاق "المسموح به"، وليس معروفا إن كانت المداخلات، التي ألقاها عدد من المسؤولين في اجتماع الحزب الحاكم، هي من مقتضيات العمل التعبوي أم أنها تشكِّل فعلا سقف الخطاب السياسي الرسمي. المؤكد، أن هذا الخطاب لا يستجيب - برأي الكثيرين - بالمرة لما تفرضه المرحلة التي دخلتها البلاد من مراجعات سياسية وثقافية وتربوية، أصبحت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فهل ستقع "إعادة التفكير في نسق ومضمون الحياة السياسية"، على تعبير الصحفي والكاتب التونسي برهان بسيس أم أن الاستمرارية والثقة المفرطة في النفس ستحُول مرة أخرى دون تهوئة المناخ السياسي؟