المقاومة اليمنية تهدد بدخول المعركة في حال استخدام البحر الأحمر ضد إيران    الرائد الرسمي.. التمديد في نشر فيلق مشاة خفيف تحت راية الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى    البنك المركزي يفرض تمويلًا ذاتيًا للواردات غير ذات الأولوية    عصام الاحمر.. تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي هذه الاجراءات    سوسة: شركة النقل بالساحل تطلق اسم تلميذ سقط من الحافلة على إحدى محطاتها    المعهد العربي لرؤساء المؤسسات: تداين الأسر بشكل مفرط يستوجب التحرك العاجل للحفاظ على التماسك الاجتماعي واستقرار الاقتصاد الكلي    قضية المضاربة في الزيت النباتي المدعم : 35 سنة سجنا لرجل أعمال مع خطايا مالية ثقيلة    عراقجي: إيران ستفرض ثمنا باهظا ردا على استهداف منشآت صناعية ونووية    السياحة والاستثمارات الأجنبية في منطقة النزاع باتت مهدّدة ...تونس بإمكانها الاستفادة من الحرب؟    عاجل/ وزير الخارجية الأمريكي يكشف موعد انتهاء الحرب..    يُواجه اليوم وداد الحامة ...الترجي يراهن على «ثورة» الاحتياطيين والشبان    رسميا.. محامي منتخب المغرب يحذر من تقديم السنغال كأس أمم إفريقيا للجماهير في ملعب فرنسا    خلال جانفي 2026: فائض ميزان منتوجات الصيد البحري يُقدّر ب9،1 مليون دينار    سوسة... الإطاحة بعنصرين خطيرين صادر في حقهما 52 منشور تفتيش    سوسة تحتضن المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب    المهرجان الدولي للطائرات الورقيّة: ...طائرات السّلام ... تحلّق في سماء تونس    قفصة ...مهرجان المغاور الجبلية بالسند:دورة تحت شعار «روحانيات البلاد»    إعلام: تراجع اهتمام ترامب بالعملية العسكرية في إيران    مصائب قوم عند قوم فوائد: كيف للوجهة السياحية التونسية الاستفادة منها ...    توزر: مهرجان الفنون التشكيلية بواحة تمغزة في دورته الثانية: جداريات وورشات في رحاب الشلالات والواحات    إشارات خفية من الجسم وراء الرغبة الشديدة في تناول السكر... هل تعرفها؟    مباراة ودية: فوز المنتخب التونسي تحت 20 سنة على نظيره الموريتاني 3 - 2    العيد الوطني للطفولة 2026: قاعة الأخبار بالعاصمة تحتضن أيّام 26 و27 و28 مارس معرض الطفل والتكنولوجيات الآمنة    باحثون وكتّاب يسلطون الضوء على نشأة الرواية الليبية ومميزاتها وتطورها وأبرز أقلامها    تكلس المفاصل: السبب الخفي وراء آلام الكتف المفاجئة    الزيادة في ''الشهرية'': منين باش تجي الفلوس؟..كيفاش تصير الحكاية؟    التبادل التجاري بين تونس والأردن يرتفع بنسبة 135 بالمائة مدفوعا بصادرات زيت الزيتون    المنتخب الوطني: برنامج النقل التلفزي لمواجهة منتخب هايتي الودية    عاجل/ اجراءات جبائية جديدة في قانون المالية لسنة 2026..ووزارة المالية توضح..    هام..دليلك الذكي لصيام الست من شوال دون عناء..    لقاءات مباشرة بين الأطباء والمرضى: صالون المرضى من 3 إلى 5 أفريل المقبل    عاجل/ تعرض هذا الميناء الكويتي الى هجوم بمسيرات وصواريخ..    عاجل/ قنصلية تونس بدبي والإمارات الشمالية تصدر بلاغ هام..    قفصة: جامعة قفصة تبرم اتفاقية شراكة مع المدرسة العليا للاساتذة بورقلة الجزائرية    أودي تتصدر القائمة: أكثر سيارات فاخرة أماناً في 2026    بشرى للمواطنين..نحو انخفاض أسعار الدواجن..    استعدادًا لمونديال 2026: المنتخب التونسي يفتتح صفحة جديدة بمواجهتي هايتي وكندا وديًا    10 أسرار بش تكون حياتك الزوجية سعيدة    عاجل: في بالك ''قنطرة بنزرت'' تنجم توفى قبل ب 4أيام...شنّوة الحكاية؟    عاجل/ الحرس الثوري الإيراني يمنع مرور 3 سفن من مضيق هرمز ويتوعد برد حازم..    عاجل: الشتاء يرجع بقوة لتونس وتقلبات منتظرة الأحد    عاجل/ عودة الأجواء الشتوية: تونس تشهد منخفضات جوية متتالية بداية من هذا التاريخ..    دراسة : الاكتئاب يطارد الآباء الجدد بعد عام من ولادة الصغير    فظيع/ فاجعة تهز هذه الجهة..    امطار متفرقة اليوم بهذه المناطق..#خبر_عاجل    أذكار صباح الجمعة    وزارة المالية تؤكد ان إيداع الإضبارة الجبائية وتصاريح أسعار التحويل يكون حصرياً عبر منصة "تاج"    كلاسيكو الترجي والنجم: تحكيم أجنبي ولا محلي؟ جدل ساخن قبل المواجهة    كاس تونس لكرة السلة : نتائج مباريات الدور ربع النهائي    بطولة ميامي للتنس: الإيطالي سينر يتأهل للدور نصف النهائي    وزارة التعليم العالي تفتح مناظرة الدخول لدار المعلمين العليا    عامر بحبة... تراجع في درجات الحرارة وأمطار مرتقبة    الحرس الثوري يعلن تنفيذ هجمات بالصواريخ والمسيّرات على المحتل    منع الزكاة كبيرة من أعظم الكبائر .. .هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ    خطبة الجمعة...آداب الاستئذان    النجمة درة تحصد لقب أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل 'علي كلاي'    هلال ذو القعدة...وقتاش؟    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صلاح الدين الجورشي : "أحداث حمام الأنف.. نريد الحقيقة"

هذا ليس شعار حزب معارض، وإنما "مانشات" تصدّرت العدد الأخير من اسبوعية "أخبار الجمهورية"، الصادرة في تونس يوم 4 يناير 2007.
مرة أخرى تندلع في تونس حوادث خطيرة، ويكون التعاطي الإعلامي معها محكوما بندرة المعلومات وإخفاء الحد الأدنى من المعطيات.
أكثر من عشرة أيام والتونسيون، بمن فيهم رجال السياسة والصحفيون ونواب في البرلمان وقادة أحزاب ورجال أعمال ومثقفون، وحتى أعضاء الحزب الحاكم، لا يملكون معلومات مؤكّدة عن حوادث تبادل الطلق الناري التي جدّت في أكثر من مكان من البلاد بين "مسلحين مجهولين" وقوات تابعة لأجهزة الأمن والجيش، وقد فتح ذلك المجال واسعا أمام مختلف الإشاعات، بما في ذلك "الأكثر غرابة وجنونا"، على حد تعبير أحد المعارضين للحكم.
بدأ الغموض مع ما أعلنت عنه وكالة إفريقيا تونس للأنباء (رسمية) في برقية لها مساء يوم 23 ديسمبر 2006 الماضي من حدوث مواجهة مسلحة مع مجرمين خطرين، أدّت إلى مقتل اثنين منهم وجرح عونَي أمن، وظن التونسيون أن المسألة ستقف عند ذلك الحد، مع التطلع لمعرفة هوية هذه العصابة.
لكن بعد ذلك، قدمت بعض وسائل الإعلام روايتين مختلفتين، فقد أكدت صحيفة "الشروق" أن العصابة مرتبطة بشبكة دولية لها علاقة بعالم المخدرات، وهي رواية تقبلتها معظم الأوساط بكثير من الشك والحذر، أما الرواية الثانية، فقد كانت أكثر وجاهة، وتبنتها صحيفة "الصريح"، التي وصفت العملية بأنها من صِنف العمليات "الإرهابية"، وقد شكل ذلك، الخيط الذي أمسكت به الأوساط المتعطشة لمعرفة خلفيات الحدث.
ومما دعم هذه الفرضية، نوعية الأسلحة التي استعملها المسلحون (كلاشنكوف، ومتفجرات يدوية حديثة ومتنوعة، وقيل أيضا بعض قطع من صواريخ الهاون)، وكذلك المهارات القتالية التي أظهرها بعضهم، مما ألحق إصابات بالغة في صفوف رجال الأمن، وحتى بعض العسكريين، حسب بعض الروايات غير المؤكّدة.
كما نجحت المجموعة، بشكل مؤقت، في توسيع دائرة المواجهة، وذلك بالانتقال السريع من مكان إلى آخر (حمام الأنف، حمام الشط، جبل الرصاص، مرناق، وأخيرا سليمان)، وهو ما دفع بخلية الأزمة، التي أشرفت على متابعة مجريات هذه العملية، إلى التعاون مع وزارة الدفاع وإعلان التعبئة الكاملة، ووضع الجميع في حالة استنفار أمني وعسكري غير مسبوق، بلغت حد إلغاء الإجازات ومنع الكثيرين من عسكريين ورجال أمن من العودة إلى بيوتهم إلى أن تنتهي العملية.
ونظرا لخطورة المواجهة، التي تعتبر الأولى من نوعها، تمّت الاستعانة أيضا بطائرات مروحية عسكرية ووضع حواجز ونقاط تفتيش بكثافة في جميع الطرقات، الرئيسية والفرعية، الرابطة بين العاصمة تونس ومدينة بن قردان (في أقصى الجنوب)، وبالأخص بين حمام الأنف ومدينة الحمامات.
بعد عشرة أيام من تاريخ البلاغ الأول، أصدرت وزارة الداخلية بيانها الثاني، أكّدت فيه أنه "مواصلة للأبحاث التي انطلقت على إثر تبادل لإطلاق النار ليلة 23 ديسمبر الماضي بين قوات الأمن ومجموعة خطيرة من المجرمين، تمت صباح يوم الأربعاء 3 يناير بالضاحية الجنوبية، مطاردة عناصر متبقية من هذه المجموعة، نتج عنها تبادل لإطلاق النار أدّى إلى مقتلهم".
وبما أنه قد سبق لمصدر حكومي نفْيَه بشِدّة مقتل 25 مسلحا، وهو الخبر الذي أوردته وكالة "رويترز"، نقلا عن مصدر قريب من الجهات الأمنية، فقد عادت الوزارة لتُعلن عن حصيلة جديدة، تمثلت في مقتل 12 مسلحا واعتقال 15 آخرين، ويُفهم من البلاغ بأن العملية قد انتهت وأن الملف قد أغلق.
ويفيد مصدر طبي أن أحد مستشفيات العاصمة قد تلقى يوم الأربعاء الماضي (3 يناير 2007) تسع (9) جثث لأشخاص مُصابين بالرصاص، وهو ما يدُل على أن المواجهات التي شهدتها مدينة سليمان كانت ساخنة، حيث استمرت يوما كاملا، حسب روايات بعض الشهود، الذين أكدوا بأن اجهزة الامن حاولت ان تتجنب إطلاق النار بكثافة حرصا على إلقاء القبض على هؤلاء المسلحين أحياء لكن هؤلاء تحصنوا بأحد المنازل طيلة يوم كامل مما أدى في الأخير حسب نفس الشهود إلى اتخاذ قرار بالهجوم على المنزل وقصفه.
في هذا السياق، وباتصال هاتفي مع الإعلامي التونسي برهان بسيس، أكّد لسويس انفو أن المجموعة "لها ارتباط بشبكة إرهابية عابرة للحدود". وفي انتظار استكمال التحريات، فهو يرجّح وجود عناصر أساسية وثيقة الصِّلة بمراكز في الخارج، وبالتالي، فهو يعتقد بأن المجموعة "ليس لها وجود طبيعي أنتجه حِراك داخلي"، لكنه لم ينفِ وجود عددٍ من الشبّان التونسيين "تم استقطابهم بحُجّة الجهاد".
وفي إشارة إلى المهارة القتالية، التي أظهرها بعض المسلحين، لم يستبعد السيد بسيس أن "قوة النار المستعملة أكّدت أن من بين أفراد المجموعة مَن له تجربة ميدانية سابقة، قد تكون ساحات خارجية قد صهرتها، بينما كان أداء آخرين أقرب على الهواية مما يؤكّد حداثة انضمامهم لهذا الصنف من الجماعات".
وأكد بسيس بالخصوص على أن "التدخل الحازم والناجع لأجهزة الأمن في اللحظة المناسبة وبالدقة المطلوبة قد فوت وقوع ما لا يُحمد عقباه". وبناء عليه، اعتبر أن "التعاطي، سياسيا وإعلاميا، مع هذه القضية ينبغي أن يرتفع عن منطق المزايدة والتهويل والعجلة والاستثمار السياسي الابتزازي لحدث يتجاوز بشكل كبير، طبيعة ورهانات وصراعات الساحة السياسية التونسية في حجمها التقليدي واحتكاكاتها المعروفة، لأن الضرر لا قدّر الله في مثل هذه الحالات يشمل الجميع سلطة ومعارضة"، على حد قوله.
وبسؤاله حول ما إذا كانت هذه المجموعة لها امتدادات أخرى، استند في جوابه على ما أكّدته الأجهزة الأمنية من أن "الملف قد أغلِق بالكامل"، وأضاف "لكن التحقيقات المفتوحة ستركِّز على إمكانية وجود امتداد من نوع مغاير لهذه المجموعة، سواء أكان امتدادا في طور الاستعداد أم فيما يُعرف اصطلاحا بالخلايا النائمة".
أما المؤكد بالنسبة لبرهان بسيس، فهو أن الحادثة "توقفت عند حدود إشعال الضوء البرتقالي أمام التونسيين".
تتنزّل هذه المجموعة، التي تجنّبت السلطات الأمنية تحديد هويتها السياسية والدينية، في سياق عام يتّسم بانتشار لأفكار التشدد والقراءة السلفية للنصوص المرجعية الإسلامية.
فلأول مرة في تاريخ تونس الحديث، يتمكّن التيار السلفي من تحقيق اختراق سريع ولافت للنظر، خاصة في الأحياء الفقيرة والمناطق المهمّشة، وقد لعبت عوامل متعددة لدعم مثل هذا التيار، من أهمها ما يجري في العراق وما ترتكبه السياسة الأمريكية من أخطاء فادحة وحمقاء، وانتهاكات خطيرة كان آخرها إعدام الرئيس السابق صدام حسين بطريقة بشعة واستفزازية.
كما أن الفراغ الديني وأزمة القِيم وغياب حوار وطني وعلني وحُر حول القضايا الأساسية التي تشغل الشباب، قد ساعد كثيرا في توفير القابلية لهذا التحول الفكري والنفسي، الذي يتعرض له قطاع واسع من المواطنين، وبالأخص في صفوف الشباب، فالذين حملوا السلاح خلال الأيام الماضية، تتراوح أعمارهم ما بين عشرين وخمسة وعشرين عاما، بل منهم من هو دون ذلك، حسب بعض الروايات.
كما يعتقد كثيرون بأن سوء إدارة العلاقة مع ظاهرة التديّن الجديدة واللّجوء إلى الحملات الأمنية العشوائية في محاولة للقضاء عليها – مثلما حصل الخريف الماضي في مسألة الحجاب – قد زاد في الطين بلة، واستثمره البعض للقول بوجود عداء للدين في تونس ومقاومة للمتدينين، وهو ما راج خلال الأشهر الأخيرة في عشرات المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت القريبة من دوائر مجموعات السلفية الجهادية.
يضاف إلى ذلك، عودة تركيز تنظيم القاعدة على منطقة المغرب العربي، بعد إعلان أيمن الظواهري رسميا في شهر أكتوبر الماضي عن تكليف "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" الجزائرية بتنسيق العمليات على نطاق إقليمي.
هذه الجماعة، التي تشهد أزمة هيكلية وتراجعا ملحوظا وانقساما داخليا حادا، رغم محاولاتها المتكررة لإعطاء دفع جديد لنشاطها، وهي بالتالي، أصبحت في أشد الحاجة إلى استقطاب مزيد من المقاتلين من داخل الجزائر ومن دول الجوار لتخفيف الضغط عليها، على أن تتولى تدريب مئات العناصر الجديدة، واستعمال الخلايا النائمة لتوسيع دائرة المواجهة مع حكومات المنطقة وضرب المصالح الغربية بها.
2006.. بداية المنعرج
ويبدو أن أوساط القاعدة تعتقد بأن تونس تشكِّل الحلقة الضعيفة في المغرب العربي، نظرا لعدم امتلاكها خِبرة في مجال مكافحة الإرهاب، لكن بعد حوادث الضاحية الجنوبية من العاصمة التونسية، فإن تنظيم القاعدة قد يُضطر إلى تغيير أسلوبه وخُططه دون التراجع عن استهداف المصالح التونسية، خاصة في ضوء ما يُقال عن إدخال كميات كبيرة من الأسلحة إلى البلاد بوسائل لا تزال محل تساؤل واستغراب الجميع، إضافة إلى تردد أخبار أخرى غير مؤكّدة تحدثت عن العثور على أسلحة فُقدت من إحدى الثكنات.
ومع أنه من الخطأ، الخلط بين موجّة التديّن التي تشهدها البلاد، وبين جنوح البعض من الشبان نحو الخطاب السلفي الجهادي إلا أنه - وفي انتظار أن تفصح الجهات الأمنية عما تملكه من معطيات وبالرجوع إلى عدد من المعطيات المتفرقة - يبدو أن السَّنة المنقضية قد شهِدت بداية المُنعرج نحو تشكيل عدد من الخلايا في تونس، حيث تعدّدت عمليات تسلّل بعض الشبان في اتّجاه الجزائر.
ويبدو أن العديد منهم قد نجح في ربط صلات قوية بالتنظيمين السلفيين الناشطين في هذا المجال، وهما الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، والجماعة السلفية المقاتلة الليبية، ولا يُستبعد أنه بعد دخول الجماعة الليبية في مراجعات على إثر الحِوار الدائر بينها وبين نجل العقيد القذافي سيف الإسلام، واحتمال تخلّيها نهائيا عن الإرهاب، اتّجه رهان العناصر التونسية على توثيق الصلة بالجزائريين، ولهذا السبب، تعدّدت حالات اعتقال تونسيين من قِبل حُراس الحدود الجزائريين، خاصة خلال السنة الماضية، من بينهم ثلاثة اشتُبه في قيامهم بتهريب أسلحة إلى داخل تونس.
وتفيد بعض المؤشرات إلى أن تركيز الخلية التونسية قد قطع أشواطا من حيث الهيكلة وتوفير نسبة عالية من التسلح والمخابئ الآمنة، بما في ذلك إعداد نفق يسمح بالتخفي والحركة وسرعة التنقل، لكن المجموعة فوجئت بالتدخل الأمني قبل أن تشرع في تنفيذ بعض العمليات، التي كانت "حيوية ومن الحجم الثقيل" حسبما يبدو.
ردود أفعال حذرة
في غياب المعطيات الدقيقة، كيف تصرّفت الأحزاب والجمعيات الحقوقية؟ ففي حين اكتفى البعض بانتظار عقد مؤتمر صحفي يسلِّط الأضواء على الأحداث بشكل رسمي، حاول البعض الآخر الاعتماد على إمكانياته الذاتية ومصادره لجمع المعلومات والإخبار بها مثلما فعل "حزب العمال الشيوعي التونسي" (محظور) عن طريق موقعه الإلكتروني أو "المجلس الوطني للحريات" (محظور) و"الجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين" (محظورة) وهي بالمناسبة جمعيات حقوقية بدأت تلفت النظر منذ فترة إلى توسع الإيقافات بشكل غير مسبوق وأن ذلك بدأ قبل عدة أشهر من اندلاع الأحداث الأخيرة.
الواضح الآن، أن مختلف الأوساط السياسية والإعلامية أصبحت تعتقد بأن الموضوع لا علاقة له بملف المخدرات، وأن تونس قد انضمت إلى بقية الدول العربية التي تعاني من ظاهرة الإرهاب المنظم.
بالنسبة للسيد نجيب الشابي، الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي التقدمي، فقد انتقد بشدة ما وصفه ب "التعتيم الإعلامي" الذي تمارسه الأجهزة الرسمية، وذكر بأن الشارع التونسي "يعيش حالة اضطراب وحيرة"، واعتبر أن ذلك من شأنه أن "يزعزع الثقة في الوضع العام بالبلاد، ويغذّي الشائعات الأكثر غرابة، وهو ما من شأنه أن ينعكس بشكل سيّء على قطاعي السياحة والاستثمار الداخلي والخارجي". وهو إذ يقر بأنه لا يوجد بلد غير معرّض لظاهرة الإرهاب، وأن التونسيين لن يقبلوا أن تتكرر في بلادهم تجربة الجزائر، لكنه حذر مما وصفه بمخاطر الانزلاق الأمني، وعدم الإدراك، بأن هذه الظاهرة تتغذى من "الظلم العالمي، والإقصاء الداخلي، والعوامل الإقليمية"، وألح على المطالبة بإشراك المجتمع في البحث عن طرق المعالجة، ومواجهة كل ما يهُم البلاد.
أما السيد خميس الشماري، الخبير والناشط الحقوقي، فقد شكك في الرواية الرسمية، وأكّد بأنه لم يستغرب ما حصل "نظرا لانسداد الأفق، وبالتالي، لم يعد بالإمكان استبعاد احتمال انسياق بعض الشباب في المغامرة"، كما أشار في الآن نفسه إلى وجود أكثر من 300 معتقل في السجون منذ أشهر، رغم أن ملفاتهم "خالية من أدلة"، أما الرغبة في التفاعل مع المقاومة "فهي مسألة حقيقية"، واعتبر أن المعالجة الأمنية "قاصرة عن حل الإشكال"، لكنه اعتبر أن ما حدث قد يكون من قبيل رُبَّ ضارة نافعة "لو لجأت السلطة إلى التنفيس السياسي".
بالنسبة لأوساط حركة النهضة المحظورة، فإنها بدورها لا تملك مُعطيات دقيقة عن الأحداث التي جرت. فلعل أهم ما يُلفت النظر في ذلك، أن تيار السلفية الجهادية في تونس، ليس هيكلا منظما ولا يملك رؤوسا جامعة ولم تُعرف له رموز تتحدث باسمه، إنه تيار صاعد وجديد، وليس لأفراده تاريخ أو أثر في مختلف الساحات الدينية أو السياسية.
فأوساط حركة النهضة تتعامل بحذر شديد مع هذا التيار، وترى فيه "خطرا عليها وعلى البلاد"، نظرا لاندفاع عناصره نحو المغامرة وتأثر الكثير منهم بنماذج خارجية لها استراتيجيات مغايرة لما تروِّجه قيادة النهضة منذ سنوات.
ويعتقد السيد زياد الدولاتلي، القيادي السابق في الحركة بأن "آلاف الشباب في العالم العربي قد أصبح يتفاعل مع خِطاب بن لادن وأدبيات القاعدة، نتيجة استبداد الأنظمة وانتشار الفساد من جهة، وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة من جهة أخرى"، ويُقر الدولاتلي بأن المسألة في تونس ليست مجرّد مجموعات صغيرة، ولكنها "ظاهرة منتشرة"، وما يأمله النهضويون، هو أن تُسفر المواجهة التي تمّت عن تعديل في سياسة السلطة تُجاه مساجينهم، وأن تتوقف عن رمي جميع الإسلاميين في سلّة واحدة.
تساؤلات عديدة
لا يزال الحدث - في ظل غياب المعلومات الدقيقة والموضوعية- يثير من التساؤلات أكثر مما يقدم من إجابات.
فهل يمكن القول بأن خلايا نائمة تابعة للقاعدة قد أصبحت حقيقة ميدانية قائمة في تونس أم أن الحالة لا تزال تمر بمرحلة التشكل؟ وهل يوجد من بين أفراد المجموعة أجانب، خاصة بعد أن تبيّن أن المدعو "شكري"، الذي اعتبر من أخطر العناصر لم يكن موريتانيا وإنما يحمل جواز سفر مُزيف؟ وكيف تسلل سلاح متطور ووصل بين أيدي هؤلاء وربما غيرهم؟ والأهم من كل ذلك، هل يمكن القول بأن هذا الملف قد أغلِق أم أن ما تم اكتشافه ليس سوى قمة جبل الجليد؟
وأخيرا، هل ستستخلص السلطة دروسا سياسية مما حدث، وتفتح المجال لصفحة جديد في علاقاتها بالمعارضة ومنظمات المجتمع المدني والإسلاميين، أم أن المشهد العام في البلاد مرشح لمزيد من التصلب والتشدد؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.