حزب قلب تونس: لهذا دعونا الكتلة البرلمانية للتصويت لصالح قانون المالية التعديلي    منظمة البوصلة تدعو رئاسة البرلمان ورؤساء اللجان إلى ضمان البث المباشر لجميع الاجتماعات    ائتلاف صمود يستنكر خضوع القضاء للضغوطات السياسية للتستر على جرائم الإرهاب والفساد    رئيس الحكومة يستقبل وفدا عن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (فيديو)    البريد التونسي يصدر طابعا للتعريف بشجرة معمرة بحديقة البلفدير    المنستير: القبض على تكفيري صادر في شأنه منشور تفتيش من أجل الإنتماء إلى تنظيم إرهابي    رسميا: مباراة الاتحاد المنستيري وفاسيل كيناما الاثيوبي في المنستير    الاتحاد الرياضي المنستيري.. اليوم وصول فريق فاسيل الأثيوبي .. وندوة صحفية عن بعد    مركز غاماليا يعلن أن فعالية "سبوتنيك - V" تجاوزت 95% بعد 42 يوما من التجارب    مدنين .. 20 حالة شفاء و33 اصابة جديدة بفيروس كورونا    تحويرات على مواعيد سفرات القطارات المتجهة نحو قابس وقفصة    بعد فنزويلا.. لبنان الثاني عالميا وسوريا الرابعة بحجم التضخم    رابطة الأبطال الأوروبية.. 4 فرق من أجل حسم التأهل لثمن نهائي المسابقة    كومان ينتقد "اليويفا" و"الفيفا"    عاجل: تفاصيل اختلاس مليار ونصف من مكتبي بريد بسيدي بوزيد..    أوريدو تنجح في الوصول إلى 24 ولاية تونسية خلال حملتها التوعية ضد كوفيد-19    أوروبا تهدد: سنفرض عقوبات على أي جهة تعرقل اتفاق ليبيا    منوبة.. 7 إصابات جديدة بكورونا    عدد الإصابات بكورونا يتخطّى حاجز الألفين بالڨصرين    138 عملية حجز في حملات للشرطة البلدية    جندوبة..رغم نزول الغيث.. صعوبات كبرى.. في موسم الزراعات الكبرى    صندوق التقاعد يصرف الجرايات اليوم.. ويوضح    مالك بن غالية يعزّز صفوف النجم الخلادي    طرح مبادرة لادانة العنف في مجلس النوّاب.. وهذه التفاصيل    العاصمة.. إلقاء القبض على شخص محلّ 8 مناشير تفتيش    إلقاء القبض على شخصين مفتش عنهما لفائدة هياكل قضائية مختلفة بحدائق قرطاج..    بوسالم..سيارة ديماكس تدهس عون أمن بوسالم «الشروق»: تعرض عون أمن برتبة نقيب تابع لمركز الأمن الوطني ببوسالم بمنطقة الامن الوطني بجندوبة إلى محاولة القتل من طرف أحد الانفار اتضح في ما بعد أنه غريب عن الجهة بعد أن دهسه بسيارة. وتتمثل صورة الحادثة في أنه    مهذّب الرّميلي يتلقّى تهديدات بالتصفية بسبب رفضه حضور عبير موسي في اجتماع للفنانين    ياسمين صبري تنفّذ وعدها لسيدة المطر    الفنانون المعتصمون يرفضون المنح الاستثنائية التي أعلنت عنها وزارة الشؤون الثقافية    بعد تتويجه كأفضل فيلم عربي في مهرجان الجونة ..«الرجل الذي باع ظهره» ينافس على جائزة الأوسكار    المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة .. تتويج خمسة كتاب بجائزة «إصداري الأول»    إيقاف محمد رمضان عن التمثيل وإلغاء مسلسله    العالم يترقب ظاهرة فلكية لم تحدث منذ 800 عام    حدث اليوم..مساع مستمرة للاستحواذ على الذهب الأسود..النفط يشعل الصراع بين ميليشيات طرابلس    إدانة عربية لهجوم جدة الإرهابي.. ودعوات لردع الحوثيين    حوار ليبيا.. تأجيل الجولة الثانية ومصدر يكشف العقبات    عاجل-من بينهم زوجة رئيس الجمهوريّة: البتّ في قرارات التظلّم والنّقل الي رفعها عدد من القضاة    رائد الفادع يجدّد العهد مع الترجي    بعد مخالطة مصاب.. ملك إسبانيا في الحجر الصحي    بعد غياب طويل.. جورج وسوف يعترف بحزن شديد    رونالدو وميسي على قائمة المرشحين لجائزة لاعب القرن ال21    طقس اليوم.. انتهاء التقلبات الجوية وارتفاع طفيف في درجات الحرارة    ‫ بعد قرار ترامب «نقل السلطة»: أول تعليق من بايدن‬    مربية مبدعة: المربية عواطف بن محجوب تبدع...مسابقة على الفيسبوك لتحفيز التلامذة على القراءة بثلاث لغات    قائمة حكام دورة تصفيات شمال افريقيا المؤهلة الى نهائيات كاس امم افريقيا تحت 20 عاما    الصحة العالمية نتطلع للتعاون مع الصين لتحديد مصدر "كوفيد – 19"    تقلص فاعلية التقلبات الجوية    جرة قلم ..الصحراء الغربية من بؤرة قومية إلى بحثٍ عن الهويّة    تصنيف ائتماني سلبي لتونس    على الحدود مع ليبيا: الجيش الوطني يحبط تهريب سلع بمئات الملايين    بنزرت: اعوان الحماية المدنية يقومون بتوليد امراة داخل سيارة الاسعاف    محمد الحبيب السلامي يرجو:....الوصل يا إذاعة الثقافة    نابل.. صابة الزيتون في حدود 36000 طن    حجز وتحرير محاضر ومخالفات في حملات للشرطة البلدية    «حوار القوّة أم قوّة الحوار»    مطرنا بفضل الله.. فما لنا لله لا نشكر؟    الباب الخاطئ....تحت مصباح وهّاج.. لا يضيءُ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بورقيبة العلماني والمجاهد الأكبر

عاد الجدل يدور من جديد حول شخصية الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، بعد نشر قناة العربية لأشرطة وثائقية حول الزعيم العربي الوحيد، بين الزعماء التاريخيين الذي وصل إلى السلطة ليس من خلال انقلاب مسلح، وان كان طوال حياته السياسية الحافلة قد قام بأكثر من انقلاب.
أتاتورك المدني
تجربة بورقيبة بنجاحاتها وإخفاقاتها تستحق الوقوف عندها ومراجعتها، بعد فشل التجارب الأخرى التي قادت شعوبها إلى الكارثة، فبورقيبة هو مؤسس ثاني جمهورية في البلاد العربية، بعد جمهورية عبد الناصر، التي استقطبت الجماهير كما لم تستقطبها أي جمهورية أخرى، والتي شكل خطابها خطرا على كل الأنظمة التقليدية في المنطقة، بما في ذلك نظام الحبيب بورقيبة، الذي ناور بدهاء كي ينجو بنظامه من القوميين المتشددين، ومن الاشتراكيين المنغلقين، وكان عليه في كل مرحلة أن يعين رئيس وزراء من هذا التيار، أو ذاك التيار كي يعلق في رقبته كل أخطاء المرحلة، ويحافظ على صلب نظامه العلماني، الذي أخفاه بمهارة وسط نصوص قانونية، وليس داخل هتافات، وشعارات أيديولوجية. انتهت الايدولوجيا، وبقي القانون يحرس ما غرسه بورقيبة منذ زمن بعيد في مجلة الأحوال الشخصية.
يمكن القول أن بورقيبة هو أتاتورك آخر خلع ثيابه العسكرية، وعاد إلى بلاده المحتل بعد أن تحصل على شهادة في القانون من فرنسا عام 1927. القانون هو الذي راهن عليه بورقيبة، عكس أتاتورك الذي راهن على السلاح، والأمر العسكري لإنقاذ البلاد أولا، ثم لفرض العلمانية على المجتمع بأسره.
الخفيف والثقيل
لم تمر تونس بكفاح مسلح شامل لتحرير البلاد مثلما حدث في الجزائر. لقد اعتمدت على خطب بورقيبة، وهو يجوب البلاد أكثر من اعتمادها على رصاص أعمى لا يصيب الهدف، لهذا انتبهت فرنسا مبكرا للمحامي الشاب، الذي تعرض للاعتقال، والنفي داخل البلاد وخارجها عدة مرات، ومن المصادفات العجيبة أن تونس نالت استقلالها قبل الجزائر بعدة سنوات، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه الجزائريون من أجل استقلال، أصبحوا رهائن له، وأفضى بهم إلى حرب أهلية، زادت من ثمن الاستقلال، بينما تنعم جارتها الصغيرة بالهدوء، والأمن رغم الفارق الهائل في موارد الدولتين، فعندما كان هواري بومدين يبنى الصناعة الثقيلة، كان بورقيبة من موارد زيت الزيتون، ومن عائدات نخل الجنوب، يبني المشاريع السياحية، لقد انهارت مشاريع الصناعات الثقيلة الجزائرية، لأنها كانت سقفا ثقيلا ليس هناك من أعمدة تسنده على الأرض، ونجحت الصناعات الخفيفة التونسية، بما في ذلك السياحة لأنها كانت الأرض التي عليها ترتفع الأشياء.
الوطن البحري والوطن القبلي
كان بورقيبة الذي ولد في مطلع القرن العشرين في حي "الطرابلسية" بمدينة المونستير، والذي تعود جذوره إلى منطقة مصراتة في ليبيا، قد نشأ بعيدا عن تأثير جامع الزيتونة، ومن البداية اختار أفق البحر الأزرق الذي تطل عليه المونستير، أكثر من أفق الجنوب الصحراوي الأصفر، وأختار أن يدرس في فرنسا حيث تأثر بشدة بمؤلفات جان جاك روسو، ومنتيسكيو. لم يتلقف العقد الاجتماعي، وروح القانون فحسب، بل عاش مع سيدة فرنسية دون زواج، تكبره باثنتي عشر عاما، كان زوجها العسكري قد لقي حتفه خلال الحرب العالمية الأولى، ثم تزوجها في ما بعد، وأنجب منها ابنه الوحيد، وعاشت معه 22 سنة، قبل أن يطلقها، ويتزوج من السيدة وسيلة بن عمار، التي تحولت إلى أقوى شخصية بعد بورقيبة، وأحيانا أقوى منه، حتى طلقها هي الأخرى في آخر سنوات حكمه بحجة تدخلها في شئون الدولة.
كان بورقيبة طاغية في زي علماني، ألغى كل الأحزاب، وأبقى حزبه فقط، وطارد معارضيه وسجنهم بالآلاف، وشطب على كل رفاقه في الكفاح من أجل الاستقلال، وأعلن نفسه "المجاهد الأكبر"، وفي منتصف السبعينات عدل الدستور، الذي أصبح ينص على أن بورقيبة هو رئيس تونس مدى الحياة.
خريف البطريرك
كان بورقيبة طاغية من نوع خاص، فقد عاش معتمدا على راتبه من وظيفته كرئيس للدولة، ربما لعدم ظهور النفط في تونس الذي بامكانه أن يفسد كل نساك العالم، وكان بورقيبة منذ وقت بعيد حسب ما جاء في كتاب "بورقيبة..سيرة شبه محرمة" للصحفي والكاتب التونسي الصافي سعيد، عندما خاطب معاونيه قائلا ذات يوم سأحيد عن الطريق، وسيطالني الفساد، وعندها لن يستطيع أحد منكم أن يقول لي ذلك.
ترى لو جاء بورقيبة من الجنوب الذي لا يزال حتى الآن يعرف بالوطن القبلي*، كان سيكون مختلفا عن بورقيبة الساحلي؟ لاشك أن بورقيبة يلخص مزايا الساحل التونسي وعيوبه، والقدرة على الجمع بين العلمانية المستندة على قوة القانون، وأيضا على نوع من الطغيان المديني، الذي يتراجع للصالح العام، ولا يعاند مثل شجرة صلبة لا تنحني للعاصفة، ربما لهذا السبب أهمل بورقيبة الجنوب حتى أصبح خطرا على نظامه في انتفاضة قفصة في آخر السبعينات، وأيضا في ظهور الجماعات الإسلامية.
في أواخر سنوات حكمه تحول بورقيبة إلى بطريرك في خريفه الطويل، كان التلفزيون التونسي يخصص فقرة قبل الأخبار"لأحاديث المجاهد الأكبر"، وتستهل الأخبار "بسيادته"، وهو يسبح، أو وهو يتأرجح من حبل مربوط في غصن شجرة، أو وهو يستعرض زهوه على كبار معاونيه في قصر قرطاج، أو وهو يستمع إلى فرقة الموشحات التقليدية التي تخصصت في مدحه.
بعد خروجه من قصر قرطاج في يوم 7 نوفمبر 1987، اختار أن يعيش في قصر في المونستير، وهناك لم يتحمل الوحدة، والإهمال، بعد أن كان ملء السمع والبصر، فأخذ يتصل بالهاتف بلا اتفاق، ويتحدث مع أول شخص يرفع سماعة الهاتف، ويسأله من بنى تونس، ومن حقق الاستقلال. تقول أخبار غير مؤكدة بأن الدولة انتبهت إلى ذلك فنظموا له دائرة مغلقة، يتولى فيها موظفون الرد على مكالماته بكل ما يرضيه، أما التلفزيون فكان يبث له خصيصا كل ما تغنت به فرقة المدائح والموشحات، التي أصبح أفرادها عاطلين عن العمل بعد خروج بورقيبة من قصر قرطاج إلى الأبد.
الإرث الباقي الوحيد
انتهى تقريبا كل ما تركه الرؤساء العرب الذين انتزعوا الاستقلال، أو من خلفهم ليمسح كل أثر لهم، اختفت الناصرية من مصر، بمجرد رحيل عبد الناصر، أما بقية الأنظمة فلم يكن لها من المشاريع حتى للاستمرار في ظل وجود مؤسسيها، كانوا يتقلبون بين الاشتراكية، والرأسمالية عدة مرات، دون أن يرمش لهم جفن. الوحيد الذي بقي تراثه بعده يحرسه غيره هو الحبيب بورقيبة، الذي كان متأكدا قبل رحيله عن قرابة قرن كامل من حياة حافلة بالانتصارات والهزائم، أن من المستحيل أن تعود المرأة في تونس، كما كانت عليه عندما وصل بورقيبة في عام 1957 إلى قمة السلطة.
ملاحظة : *تلفت الوسط التونسية نظر قرائها الى خطأ جغرافي فادح ورد بالتقرير وهو أن جهة الوطن القبلي تقع بالشمال الشرقي لتونس في شكل شبه جزيرة يحيط بها البحر من ثلاث جهات وليس بالجنوب التونسي كما ورد في تقرير كاتب هذا التحليل .
تمت اعادة النشر على الوسط التونسية بتاريخ 18 ماي 2007


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.