مخلوف: يطالب بالإفراج عن العياري والتبيني وإيقاف مفعول بطاقة الجلب ضد الخياري    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    بعد إنخفاض الحرارة عودة للأجواء الحارّة    معي ...بين المدن..في بودابست    وزارة الصحة تسجّل 159 حالة وفاة جديدة جراء فيروس كورونا وأكثر من 1200 إصابة    استعدادا للافروباسكات...منتخب السلة ينهي مشاركته في دورة الأردن في المركز الثالث    مع الشروق... ماذا يعني استقرار تونس؟    6 جرحى بينهم إصابة خطيرة برصاص القوات الإسرائيلية في جنين    أخبار شبيبة القيروان: الحسم في تركيبة الطاقم الفني ومدرب الشبان عبر الترشح بالملفات    قصة نهج..نهج القادسية    أخبار النجم الساحلي: أين اختفى رضا شرف الدين ؟    الانطلاق في تلقيح الوسط المهني    بعد أكثر من عام.. كورونا يتفشى في ''ووهان'' مرة أخرى    أولمبيك سيدي بوزيد : تأجيل الجلسة العامة الانتخابية للمرة الثانية    قفصة...إيقاف 10 مفتش عنهم    المتلوي... وفاة كهل وسط الطريق    لندن وطهران تتبادلان استدعاء السفراء ... تصعيد إيراني غربي بسبب حادثة السفينة    حدث اليوم ... برلماني ليبي يكشف ... دواعش ليبيون يدربون إرهابيين تونسيين    روجوا مواد طبية وأدوية منتهية الصلوحية: محلات لبيع الأجهزة الفاسدة وصفقات قاتلة تهدد حياة التونسيين    توزر ..العثور على قطعة أثرية لدى شابين    قابس ... القبض على شخص تورّط في إصدار صكوك بدون رصيد    بعد القرارات الاستثنائية لرئيس الجمهورية : إلغاء مهرجاني قرطاج والحمامات    إيقاف فيصل التبيني تنفيذا لبطاقة جلب صادرة عن قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بجندوبة    القضاء العسكري يصدر إذنا بكف التفتيش في حق محام و4 نواب عن ائتلاف الكرامة    المنستير: توقّعات بمشاركة ضعيفة في موسم التخفيضات الصيفية مقارنة بالتخفيضات الشتوية الفارطة    رئيس الجمهورية يصدر أوامر رئاسية جديدة    لسنا "رودسوكور" يا بنت الكلب!    حجز اكثر من 18 طنا من السميد المدعم بمستودع عشوائي    قرارات بتحجير السفر ضد 5 مديرين ومهندسين بالتونيسار و"رم ع" بشركة وساطة بالبورصة    صفاقس: تسجيل 14 حالة وفاة و281 إصابة بفيروس كورونا    هذا ما تقرّر في حق الشاب الذي تسبّب في وفاة شخص بمُزلّجة مائيّة    نسبة تخفيضة هامة خلال الصولد الصيفي    وزير تعليم عالي سابق متّهم في قضيّة فساد    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    النجم الساحلي نهي اجراءات تعاقده مع الظهير الايسر يوسف لعوافي    المُخرج الشاب عتاب عكايشي يتصدرغلاف مجلة المرصد الاقتصادي    حُبُّ الوَلدِ طبيعيٌّ في البَشَرِ    حجم صابة الحبوب    كلمة وفاء وتقدير إلى روح المربّية الفاضلة الأستاذة هند شلبي    طقطوقة اليوم.. يامسهّرني... أم كلثوم    قيس سعيد نحالهم الحصانة فقط… والقضاء شدهم ..نزيهة رجيبة    سعيد : سنتخذ اجراءات ضد من يستغلون ملف الهجرة للإساءة إلى علاقات تونس الخارجية    المساحات الكبرى تقرر تخفيض أسعار المواد الاستهلاكية    زفيريف يحرز ذهبية أولمبياد طوكيو    ميلان يعلن إصابة الجزائري بن ناصر بفيروس كورونا    العاب طوكيو -المنتخب التونسي للكرة الطائرة ينهزم امام منتخب روسيا صفر- 3    تغيير في أوقات القطارات بعد تعديل توقيت حظر التجول    عدد من المثقفين والمبدعين يدعمون استجابة رئيس الجمهورية لمطالب الشعب التونسي في رسالة مفتوحة الى الراي العام    الوحدة البحرية الثالثة المتنقلة بصفاقس تحبط 3 عمليات هجرة سرّية    وديع الجريء يجتمع برئيس اللجنة الفيدرالية للمسابقات    شركة نقل تونس تعلن عن تحويرات في برمجة السفرات الأولى والأخيرة للحافلات والمترو    الأردن يساهم في تجميد إخلاءات حي الشيخ جراح بالقدس    رحيل الفنان والمخرج مكرم نصيب اثر صراع مع فيروس كورونا    سيف مخلوف سنقاوم هذا الإنقلاب العسكري الكريه    حصيلة الحرائق خلال شهري جوان وجويلية والخسائر المتسببة فيها    السعودية تعلن العودة لاستقبال السياح من مختلف دول العالم    الوبش    الأميرال كمال العكروت : بعد أن فرحنا الآن العودة الى العمل ولا ندعو خلافاتنا تطغى على مصلحة الوطن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بورقيبة العلماني والمجاهد الأكبر

عاد الجدل يدور من جديد حول شخصية الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، بعد نشر قناة العربية لأشرطة وثائقية حول الزعيم العربي الوحيد، بين الزعماء التاريخيين الذي وصل إلى السلطة ليس من خلال انقلاب مسلح، وان كان طوال حياته السياسية الحافلة قد قام بأكثر من انقلاب.
أتاتورك المدني
تجربة بورقيبة بنجاحاتها وإخفاقاتها تستحق الوقوف عندها ومراجعتها، بعد فشل التجارب الأخرى التي قادت شعوبها إلى الكارثة، فبورقيبة هو مؤسس ثاني جمهورية في البلاد العربية، بعد جمهورية عبد الناصر، التي استقطبت الجماهير كما لم تستقطبها أي جمهورية أخرى، والتي شكل خطابها خطرا على كل الأنظمة التقليدية في المنطقة، بما في ذلك نظام الحبيب بورقيبة، الذي ناور بدهاء كي ينجو بنظامه من القوميين المتشددين، ومن الاشتراكيين المنغلقين، وكان عليه في كل مرحلة أن يعين رئيس وزراء من هذا التيار، أو ذاك التيار كي يعلق في رقبته كل أخطاء المرحلة، ويحافظ على صلب نظامه العلماني، الذي أخفاه بمهارة وسط نصوص قانونية، وليس داخل هتافات، وشعارات أيديولوجية. انتهت الايدولوجيا، وبقي القانون يحرس ما غرسه بورقيبة منذ زمن بعيد في مجلة الأحوال الشخصية.
يمكن القول أن بورقيبة هو أتاتورك آخر خلع ثيابه العسكرية، وعاد إلى بلاده المحتل بعد أن تحصل على شهادة في القانون من فرنسا عام 1927. القانون هو الذي راهن عليه بورقيبة، عكس أتاتورك الذي راهن على السلاح، والأمر العسكري لإنقاذ البلاد أولا، ثم لفرض العلمانية على المجتمع بأسره.
الخفيف والثقيل
لم تمر تونس بكفاح مسلح شامل لتحرير البلاد مثلما حدث في الجزائر. لقد اعتمدت على خطب بورقيبة، وهو يجوب البلاد أكثر من اعتمادها على رصاص أعمى لا يصيب الهدف، لهذا انتبهت فرنسا مبكرا للمحامي الشاب، الذي تعرض للاعتقال، والنفي داخل البلاد وخارجها عدة مرات، ومن المصادفات العجيبة أن تونس نالت استقلالها قبل الجزائر بعدة سنوات، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه الجزائريون من أجل استقلال، أصبحوا رهائن له، وأفضى بهم إلى حرب أهلية، زادت من ثمن الاستقلال، بينما تنعم جارتها الصغيرة بالهدوء، والأمن رغم الفارق الهائل في موارد الدولتين، فعندما كان هواري بومدين يبنى الصناعة الثقيلة، كان بورقيبة من موارد زيت الزيتون، ومن عائدات نخل الجنوب، يبني المشاريع السياحية، لقد انهارت مشاريع الصناعات الثقيلة الجزائرية، لأنها كانت سقفا ثقيلا ليس هناك من أعمدة تسنده على الأرض، ونجحت الصناعات الخفيفة التونسية، بما في ذلك السياحة لأنها كانت الأرض التي عليها ترتفع الأشياء.
الوطن البحري والوطن القبلي
كان بورقيبة الذي ولد في مطلع القرن العشرين في حي "الطرابلسية" بمدينة المونستير، والذي تعود جذوره إلى منطقة مصراتة في ليبيا، قد نشأ بعيدا عن تأثير جامع الزيتونة، ومن البداية اختار أفق البحر الأزرق الذي تطل عليه المونستير، أكثر من أفق الجنوب الصحراوي الأصفر، وأختار أن يدرس في فرنسا حيث تأثر بشدة بمؤلفات جان جاك روسو، ومنتيسكيو. لم يتلقف العقد الاجتماعي، وروح القانون فحسب، بل عاش مع سيدة فرنسية دون زواج، تكبره باثنتي عشر عاما، كان زوجها العسكري قد لقي حتفه خلال الحرب العالمية الأولى، ثم تزوجها في ما بعد، وأنجب منها ابنه الوحيد، وعاشت معه 22 سنة، قبل أن يطلقها، ويتزوج من السيدة وسيلة بن عمار، التي تحولت إلى أقوى شخصية بعد بورقيبة، وأحيانا أقوى منه، حتى طلقها هي الأخرى في آخر سنوات حكمه بحجة تدخلها في شئون الدولة.
كان بورقيبة طاغية في زي علماني، ألغى كل الأحزاب، وأبقى حزبه فقط، وطارد معارضيه وسجنهم بالآلاف، وشطب على كل رفاقه في الكفاح من أجل الاستقلال، وأعلن نفسه "المجاهد الأكبر"، وفي منتصف السبعينات عدل الدستور، الذي أصبح ينص على أن بورقيبة هو رئيس تونس مدى الحياة.
خريف البطريرك
كان بورقيبة طاغية من نوع خاص، فقد عاش معتمدا على راتبه من وظيفته كرئيس للدولة، ربما لعدم ظهور النفط في تونس الذي بامكانه أن يفسد كل نساك العالم، وكان بورقيبة منذ وقت بعيد حسب ما جاء في كتاب "بورقيبة..سيرة شبه محرمة" للصحفي والكاتب التونسي الصافي سعيد، عندما خاطب معاونيه قائلا ذات يوم سأحيد عن الطريق، وسيطالني الفساد، وعندها لن يستطيع أحد منكم أن يقول لي ذلك.
ترى لو جاء بورقيبة من الجنوب الذي لا يزال حتى الآن يعرف بالوطن القبلي*، كان سيكون مختلفا عن بورقيبة الساحلي؟ لاشك أن بورقيبة يلخص مزايا الساحل التونسي وعيوبه، والقدرة على الجمع بين العلمانية المستندة على قوة القانون، وأيضا على نوع من الطغيان المديني، الذي يتراجع للصالح العام، ولا يعاند مثل شجرة صلبة لا تنحني للعاصفة، ربما لهذا السبب أهمل بورقيبة الجنوب حتى أصبح خطرا على نظامه في انتفاضة قفصة في آخر السبعينات، وأيضا في ظهور الجماعات الإسلامية.
في أواخر سنوات حكمه تحول بورقيبة إلى بطريرك في خريفه الطويل، كان التلفزيون التونسي يخصص فقرة قبل الأخبار"لأحاديث المجاهد الأكبر"، وتستهل الأخبار "بسيادته"، وهو يسبح، أو وهو يتأرجح من حبل مربوط في غصن شجرة، أو وهو يستعرض زهوه على كبار معاونيه في قصر قرطاج، أو وهو يستمع إلى فرقة الموشحات التقليدية التي تخصصت في مدحه.
بعد خروجه من قصر قرطاج في يوم 7 نوفمبر 1987، اختار أن يعيش في قصر في المونستير، وهناك لم يتحمل الوحدة، والإهمال، بعد أن كان ملء السمع والبصر، فأخذ يتصل بالهاتف بلا اتفاق، ويتحدث مع أول شخص يرفع سماعة الهاتف، ويسأله من بنى تونس، ومن حقق الاستقلال. تقول أخبار غير مؤكدة بأن الدولة انتبهت إلى ذلك فنظموا له دائرة مغلقة، يتولى فيها موظفون الرد على مكالماته بكل ما يرضيه، أما التلفزيون فكان يبث له خصيصا كل ما تغنت به فرقة المدائح والموشحات، التي أصبح أفرادها عاطلين عن العمل بعد خروج بورقيبة من قصر قرطاج إلى الأبد.
الإرث الباقي الوحيد
انتهى تقريبا كل ما تركه الرؤساء العرب الذين انتزعوا الاستقلال، أو من خلفهم ليمسح كل أثر لهم، اختفت الناصرية من مصر، بمجرد رحيل عبد الناصر، أما بقية الأنظمة فلم يكن لها من المشاريع حتى للاستمرار في ظل وجود مؤسسيها، كانوا يتقلبون بين الاشتراكية، والرأسمالية عدة مرات، دون أن يرمش لهم جفن. الوحيد الذي بقي تراثه بعده يحرسه غيره هو الحبيب بورقيبة، الذي كان متأكدا قبل رحيله عن قرابة قرن كامل من حياة حافلة بالانتصارات والهزائم، أن من المستحيل أن تعود المرأة في تونس، كما كانت عليه عندما وصل بورقيبة في عام 1957 إلى قمة السلطة.
ملاحظة : *تلفت الوسط التونسية نظر قرائها الى خطأ جغرافي فادح ورد بالتقرير وهو أن جهة الوطن القبلي تقع بالشمال الشرقي لتونس في شكل شبه جزيرة يحيط بها البحر من ثلاث جهات وليس بالجنوب التونسي كما ورد في تقرير كاتب هذا التحليل .
تمت اعادة النشر على الوسط التونسية بتاريخ 18 ماي 2007


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.