الحلم الرقمي يتحوّل إلى فخ ريادي يجذب الدروب شيبنج الكثير من الشباب من خلال وعوده: إنشاء متجر إلكتروني دون مخزون، دون محل، وباستثمار قليل. عبر بضع نقرات يمكن فتح متجر على شوبيفاي أو ووكومرس، بينما تمتلئ شبكات التواصل بقصص نجاح مغرية. لكن الواقع مختلف تمامًا: أكثر من 90% من متاجر شوبيفاي تغلق خلال أول 120 يومًا (إحصائيات 2023)، ومعظمها يعمل بالدروب شيبنج. هذه الحقيقة تجسد بوضوح فشل الدروب شيبنج بعيدًا عن الأوهام الريادية. منافسة شرسة وربحية وهمية المعوقات عديدة. السوق مشبع بمنتجات متطابقة، أوصاف منسوخة وصور مكررة. لا توجد هوية تجارية حقيقية ولا تمايز. في المقابل، تتراكم التكاليف: إعلانات، عمولات، شكاوى، واسترجاع منتجات، بينما تتبخر الأرباح. تقدّر منصة Oberlo أن متجرًا واحدًا فقط من كل عشرة متاجر دروب شيبنج يحقق ربحًا فعليًا. هذا الواقع يغذي فشل الدروب شيبنج أكثر مما يقود إلى النجاح. الفخ النفسي: عندما يدفع العقل أكثر من المحفظة الفشل لا يقتصر على الخسائر المالية، بل يترك أثرًا نفسيًا عميقًا. فالتاجر الإلكتروني يواجه ضغوط النتائج، الخوف من الإخفاق والإرهاق المستمر. دراسة لفوربس (2023) أظهرت أن 42% من رواد الأعمال الرقميين الشباب عانوا من ضائقة نفسية بعد دخولهم التجارة الإلكترونية، وكان الدروب شيبنج السبب الأبرز. الدورات "المعجزة" وإخفاء المخاطر المسوقون عبر الإنترنت يروّجون لنجاحات سريعة وأرباح سلبية، لكنهم يتغافلون عن حقائق أساسية: تكلفة اكتساب العميل، مخاطر حظر الحسابات الإعلانية، مشاكل لوجستية خارجة عن السيطرة، وصعوبة كسب ولاء الزبون. النتيجة: مشروع غير مهيأ يقود إلى فشل الدروب شيبنج شبه المؤكد. إعادة النهوض: بناء علامة تجارية وليس مجرد متجر الفشل لا يعني النهاية. كثيرون أعادوا بناء تجاربهم عبر إنشاء علامات تجارية حقيقية، بهوية قوية، لوجستية موثوقة، وتجربة عميل محسّنة. تحسين مواعيد التوصيل، تقديم خدمة ما بعد البيع، وبناء الثقة هي مفاتيح الاستمرار. موارد مثل Google Digital Garage وShopify Learn وCoursera توفّر تكوينًا جادًا بعيدًا عن الوعود الفارغة. لكن حتى مع هذه الخطوات، يبقى تحدي آخر يهدد الربحية: إرجاع المنتجات. عندما تهدد المرتجعات ربحية التجارة الإلكترونية الدروب شيبنج ليس وحده الذي يضعف الهامش. المرتجعات باتت خطرًا اقتصاديًا عالميًا. في الولاياتالمتحدة، تجاوزت كلفة المرتجعات 100 مليار دولار في 2023. أما في تونس، فإن الدفع عند التسليم (COD) ما يزال يمثل أكثر من 85% من المعاملات، ما يزيد من معدلات رفض الطرود. كل إرجاع يولد تكاليف لوجستية، منتجات قد تصبح غير قابلة للبيع وهوامش خاسرة. التجارة الإلكترونية في تونس بين النمو والهشاشة مقال "التجارة الإلكترونية التونسية بين التناقضات: نمو الاستخدام وهشاشة الاقتصاد" يبيّن أن 56% من مستخدمي الإنترنت في تونس يشترون عبر الإنترنت، ونصفهم تقريبًا يطلبون مرة شهريًا. ورغم هذا التطور، أغلقت منصات مثل "فونا" و"جوميا تونس" بسبب ضعف الربحية. هذا التناقض يعكس فجوة بين جمهور رقمي متنامٍ ونماذج أعمال هشة، ويبرز أن فشل الدروب شيبنج ليس حالة فردية بل جزء من منظومة انتقالية. الريادة بوعي لا بغريزة الدروب شيبنج ليس نموذجًا محكومًا عليه بالفشل، لكنه يحتاج إلى التعامل معه بوعي. خلف الوعود السريعة تختفي خيبات أمل وفشل متكرر. في سياق تونسي يتسم بضعف البنية اللوجستية، هشاشة أنظمة الدفع وعدم ثقة المستهلك، يصبح النجاح مرهونًا برؤية طويلة المدى، بناء الثقة، ووضع إستراتيجية تعتمد على العلامة التجارية وتجربة العميل. حتى لا يصبح فشل الدروب شيبنج هو القاعدة، حان الوقت لإعادة صياغة الريادة بأسلوب أكثر واقعية ومنهجية. بقلم وليد الكعلي أستاذ جامعي وخبير في التجارة الإلكترونية، الاستراتيجيات الرقمية، وتحول الأعمال. تعليقات