أسابيع من المفاوضات ..لقاءات ثنائية وثلاثية وجماعية..تصريحات وتصريحات مضادة..تحاليل سياسية وجدل محتدم وتراشق بالتهم هنا وهناك..تشنّج و احتقان وشتائم معلنة وخفية..شرعية ورحيل .. "مرابطون" ومنسحبون تلك هي العناوين الرئيسية لتفاصيل وقائع "أيام الجمر السياسي" التي اكتوى بها التونسيون منذ اغتيال الشهيد البراهي يوم عيد الجمهورية. أيام كالحة السواد، مدمّرة للأعصاب ولا تنتهي..تتشابه في وعودها الزائفة وكواليسها الغامضة وفي تلك الابتسامات الباهتة للسياسيين والتي يجودون بها علينا بعد كل جلسة تفاوض.. الكل ينتظرالحلول ويتمسّك بالأمل ،ويدعو الله في سرّه وجهره لينير بصيرة "الزعماء" والقيادات السياسية فيرأفوا بهذا الشعب، عامته، ونخبته الذي استنزف كل طاقاته واحترقت أعصابه وهو يتابع بذهول شطحات السياسيين و" تقليعاتهم" الغريبة والمريبة على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم الإيديولوجية.. تضارب المواقف السياسية وغياب الحسم في اتخاذ القرار رغم المجهودات المضنية والمبذولة من طرف المنظمات الراعية للحوار لتقريب وجهات النظرودفع الأحزاب الى التخلّي عن أنانيتها السياسية المقيتة والتفكير في مصير البلاد والعباد سببه الأساسي تذبذب مواقف قيادات الصفّ الأوّل في الأحزاب وهذا ينمّ عن مراهقة سياسية لم تستطع الأحزاب التي تتدّعى أنها أحزاب كبرى التخلّص منها، بل على العكس من ذلك نحن نرى يوميا كيف تنقلب المواقف رأسا على عقب من ساعة الى أخرى وهو ما يفسّر بغياب الانضباط الحزبي والنضج السياسي لدى معظم الأحزاب التي تؤثث المشهد اليوم حتى وان ادعت عكس ذلك.. هذه البهلوانيات والترهات السياسية أرهقت نفسيا وماديا المواطن التونسي الذي ابتلته أقدار الثورة بنخبة سياسية مرتبكة وغير قادرة على صياغة موقف موحّد في زمن الأزمة، رغم الأخطار المحدقة بنا من جميع الواجهات. مواطن عاف السياسة والسياسيين وهو يرى بأم عينه الدولة تتآكل والاقتصاد ينهار والوضعية الاجتماعية تتردّى والثورة تصبح أضغاث أحلام والأزلام ينتحلون صفة الثواربمباركة"شرعية"كأن أرواح مئات الشهداء لم تزهق وتخضّب دماؤهم تراب الوطن، الانتهازيون يتهافتون على نيل نصيب من السلطة أو يتشبثون بتلابيب الحكم والجرحى منسيون مكلومون بائسون لم يجد بعضهم حتى ما يسدّ به رمقه،والأقزام والنكرات يتطاولون .. شعارات الرحيل أو شعارات الشرعية لم تعد تحرّك سواكن الشعب ولم تعد تغريه بالتأييّد أو المعارضة مادامت السمة الحربائية تطغى على تصريحات سياسيينا الميامين والذين لا يتورعون عن الاحتكام إلى صفقات الكواليس التي تحرّكها المصالح والحسابات الضيقة في عبث سافر بالمصلحة العليا و في خيانة مبيتة للناخبين الذي وقفوا لساعات في طوابيرطويلة لتتويج ثورتهم بالديمقراطية.. لكن تجري رياح السياسة بما لا تشتهي أحلام المواطن التونسي الذي وجد ضالته في العيادات النفسية وفي الأقراص المهدئة التي بات يخصّص لها جزء من ميزانيته علّها تساعده على التخلّص من الضغط النفسي الرهيب الذي بات يرافقه في حلّه وترحاله.. وفي انتظار أن نفهم البدعة الجديدة في مجال العلوم السياسية والتي أطلقتها أحزاب المعارضة وأحزاب الترويكا بعد شهر من المفاوضات و من خلال تلك الجملة الشهيرة "المفاوضات لم تنجح ولم تفشل" !!! باتت مهمة المواطن عسيرة في المحافظة على مداركه العقلية من السياسيين وعلى سلامته الجسدية من الإرهابيين وقطاع الطرق.