قد يكون هذا السؤال غريبا أو قد يبدو سؤالا غير متوقع وقد يكون كذلك مزحة ودعابة ومن النوادر التي نتندر بها .. ربما هو كذلك في ذهن الكثير من الناس غير أن المسألة على خلاف ما يعتقد وهي مسألة مرتبطة بما يحير الجميع اليوم من هذه الفوضى التي نعيشها ومن هذا الخلل الاجتماعي الذي سكن العلاقات وكبل الحياة العامة والخاصة في علاقة بكل مظاهر التراجع الحضاري وصور التخلف عن حياة الشعوب المتقدمة المتمدنة وفي علاقة بكل الانحراف الذي نعيش على وقعه اليوم من تفاقم ظاهرة الجريمة بشتى أنواعها من قتل وسرقة وتعد على حياة الناس وانتشار الشر والرذائل والغدر والخوف من المجهول ومن المستقبل الغامض وضبابية الرؤية في كل شيء حتى المسائل الدينية التي من المفترض أنها واضحة وجامعة للجميع وموحدة للشعب أضحت هي الأخرى يشوبها الغموض ويختلف الناس حولها ولم تعد من المسلمات والحقائق التي تبعث في القلب والنفس الراحة والطمأنينة كيف لا وقد أصبحت المسائل المتعارف عليها محل شك وريبة وأصبح هناك من ينادي بحقوق وحريات الاقليات من شواذ وعبدة الشيطان والدفاع عمن يرتكب محضورا أو يأتي سلوكا ينافي أخلاق المجتمع وما تعارف عليه الناس وارتضوه طريقة ومنوالا لعيشهم بداعي حرية الضمير و احترام رغبة الأقلية غير المؤمنة بدين الشعب. فكان السؤال المحير هو كيف السبيل لإرجاع المجتمع إلى جادته بعد أن طفح به كيل الفوضى وحالة الاضطراب التي بات عليها في كل مجالات الحياة ؟ وكيف الخلاص من كل مظاهر الانحراف التي تعم حياة الناس وتعيدهم القهقرى إلى ما قبل حياة المدنية وتحضر البشر ؟ كيف يمكن أن نرد الناس ونخرجهم من حالة الذهول والشرود والضياع التي تخيم على حياتهم ؟ وما هو السبيل للتخلص من الخصومات المتنوعة في السياسية وفي العمل الحزبي وفي التنافس على الحكم وفي التناحر على السلطة والزعامة والقيادة ومن يملك الثروة والمال ؟ في رواية " على نهر بييدرا هناك جلست فبكيت " للكاتب العالمي باولو كويلهو تسأل إحدى أبطال الرواية خادم الكنسية الذي وهب نفسه لتفسير كلام الله لماذا ظهر في التاريخ القديم القتل والحرق والنهب والحروب .. لماذا البؤس والشقاء والتعب والفوضى في حياة البشر ؟ لماذا يتقاتل الناس ويتناحرون ويتخاصمون .. فإذا كنا قد خلقنا للسعادة فلماذا هذا الشقاء في الأرض ؟ كانت إجابة الراهب وخادم الدير على أسئلة الفتاة الوجودية المشروعة إجابة دينية مستوحاة من تعاليم الانجيل الكتاب المقدس عند المسيحيين ملخصها أن كل هذه الشرور التي تظهر فوق الأرض هي ضرورية ومن مقومات الحياة وهي مظهر من مظاهر تجلي الإله وقوته وعظمته فلولا الشقاء لما علمت السعادة يقول الراهب " لأن الله يأتي إلى الأرض لكي يظهر لنا إرادته في أن نكون سعداء ويجعلنا نعترف في أعماق نفوسنا وذواتنا بأن الله قد خلقنا للسعادة وحري بنا أن نقر بأن كل ما يدفعنا إلى الحزن والهزيمة هو صنعة أيدينا وبفعلنا نحن البشر .." فهل أقنعت هذه الإجابة لسؤال كيف الخلاص من كل مظاهر الشر الموجود فوق هذه الأرض ؟ وهل أفادت في تحقيق الطمأنينة عند من يحيره سلوك بعض الناس في علاقة بانتشار مظاهر الأوساخ وانعدام النظافة في مجتمعاتنا العربية وضعف منسوب احترام القانون واحترام الآخر واحترام الفضاء العام ؟ وهل قدمت حلا معقولا لكل مظاهر التخلف والانحطاط وتراجع الحياة المدنية عند بعض البشر؟ وهل ساعدت على ايجاد المخرج للنهوض والارتقاء والانبعاث من جديد ؟ في رأيي قد تكون إجابة راهب رواية باولو كويلهو قد حققت قدرا من الراحة والطمأنينة لمن يبحث عن إجابة دينية ولكن قطعا لم تقنع الأديب توفيق الحكيم ولا أقنعت حماره الذي لازمه لفترة والذي حاوره في كتابه " حمار الحكيم " وكتابه " حماري قال لي " وفي هذا الأخير نقرأ نصا بديعا وطريفا طرح فيه الحكيم كل هذه الأسئلة المتعلقة بمشكلة الإنسانية ومعضلة الحروب التي تشقها والشرور التي تحكمها وكل مظاهر الخلل الذي يعمها وهو نص يحاور فيه الحكيم حماره حول الطوفان الذي حصل في زمن النبي نوح وقصة فناء البشرية بعد أن عمتها الشرور والآثام والظلم واستحال معها مواصلة الحياة فكان لا بد من تجديد الحياة وتجديد إنسانية أخرى تقطع مع ما كان موجودا زمن ما قبل الطوفان فكانت قصة السفينة وقصة بعث الانسانية من جديد بعد أن تخلصت من كل الأشرار والعناصر الآثمة والطاغية فكانت السفينة هي وسيلة النجاة وأنقاذ الأخيار ممن بقي مع نوح بعد الطوفان وقبل أن يغيظ الماء نحو حياة لا ظلم فيها ولا شر . لكن سؤال الحمار لتوفيق الحكيم كان إذا كيف نفسر عودة الشر من جديد بعد أن تخلصت منه البشرية بالطوفان ؟ ولماذا نبت الطغيان والظلم من جديد وعرف الإنسان القتل والتناحر وسفك الدماء بعد ان تخلصت الانسانية من سلوكها السيئ بحادثة الطوفان ؟ كانت إجابة الحكيم بأن كل الخلل الذي جاء الطوفان لتخليص الانسان منه قد نبت من جديد بسبب تسلل الشيطان إلى السفينة مع من ركب فيها وأنه تسلل بعد أن علق بذيل الحمار بما يعني أن البشرية قد توهمت أنها تخلصت من ماضيها السيئ وأنها سوف تعيد بناء حياة جديدة لا ظلم فيها ولا شر ولا طغيان ولا إعتداء ولكن ما حصل هو أن الانسانية عادت من جديد إلى سالف عهدها وعاد الظلم والشر وعادت الحروب والدمار وسفك الدماء والنزاعات على الحكم ومن أجل المال والزعامة . أجابه الحمار قائلا: أتدري يا حكيم ما مشكلة الإنسان ؟ إن مشكلتكم أنتم معشر البشر أنكم لا تريدون أن تتحرروا نهائيا من طغيان الغرائز الدنيا وأن تكفوا عن تمزيق بعضكم بعضا وأنتم لا تستطيعون فعل ذلك لأن الشيطان الذي تمكن وتسلل إلى سفينة نوح قد أعاد نفس صنيعه الأول في غواية البشر وتمكن من ذلك لأنكم لم تغيروا من طباعكم وسلوككم وحياتكم لذلك فإن علاجكم معشر البشر عندنا نحن فصيلة الحمير .. فنحن نفكر جميعا تفكيرا واحدا فليس عندنا حمار مثالي وآخر مادي ولا عندنا زعماء ولا قادة ولا أوثان نصنعها ونعبدها كما صنعتموها وعبدتموها نحن فصيلة تحمل نفسا صافية لا عبث ولا سخرية فيها ولا نحتاج إلى طوفان الدماء الذي ضرب البناء وهدم الجدران بل يوجد عندنا حمير على أرض الله وكفى شعورها واحد وقلوبها واحدة لذلك فان الشيطان لا يجد طريقا لغوايتنا .. الشيطان وجد فيكم ما جعله يفتن بينكم ويبث شروره وأحقاده لقد راهن على تناقضاتكم وعلى اختلافاتكم وعلى تمييزكم لبعضكم بين فقير وغني وحاكم ومحكوم ووجد في الفروق التي وضعتموها شقوقا تسرب منها لإرباككم وإنهاككم كما يتسلل الماء من شق الجدار فيهدمه فحصل لكم ما حصل أما نحن فصيلة الحمير فليس لدينا ما لديكم لذلك لا نحتاج إلى ما تحتاجونه من صراعات ونزاعات وحروب وإني أنصحك يا حكيم أن تسمع قولي وتتبع علاجي لحالكم وهو أن تتبعوا طريقتنا في الحياة فتجعلوا كل الناس سواسية من دون تفريق بينهم ولا تمييز من أي نوع كان .. إنكم تحتاجون إلى عملية نقل دماء جديدة بعد أن تلوثت وفسدت دماءكم فلا أمل لكم إلا بتجديد دمكم ولكني لا أقترح أن يكون النقل من دمائنا نحن الحمير لأن تضحية كبرى مثل هذه لا يضحى بها من أجل الانسان ولا نتحملها نحن الحمير من أجلكم . فهل نقبل نحن معشر البشر بنصيحة حمار الحكيم ونصلح من حالنا حتى لا نجعل أنفسنا عرضة لمثل هذا الموقف الذي وقع فيه الحكيم مع حماره ؟ وهل استوعبنا الدرس من حيوان نعتناه بالحمق والبلاهة وانعدام الذكاء ؟