إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    أسعار الأعلاف والحبوب والأسمدة مرشّحة للارتفاع .. الأمن الغذائي في قلب الخطر    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    نائب تستنكر    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    محكمة الاستئناف بتونس تقر عقد الجلسات الاستئنافية لقضايا الإرهاب عن بعد خلال أفريل    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا ضمن برنامج العودة الطوعية    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. محمد البدوي (رئيس اتحاد الكتاب) ل «التونسية»:الكتاب أصبح غريبا في أمّة «إقرأ»!
نشر في التونسية يوم 29 - 12 - 2014


نجحنا في المحافظة على استقلالية الاتحاد
موقع المثقف الحقيقي... فوق الأحزاب
مستقبل الكتاب بين أيدي أهل السياسة وأصحاب رأس المال
شعار المرحلة المسكوت عنه هو «تهميش الثقافة»
حاوره: عبد السلام لصيلع
ينعقد بداية هذا الأسبوع بمدينة المهدية المؤتمر التاسع عشر لاتحاد الكتاب التونسيين... وسينتخب هيئة مديرة جديدة.
بالمناسبة تستضيف «التونسية» في حوار اليوم الدكتور محمد البدوي رئيس الإتحاد الذي تحدث عن المؤتمر، وعن تقييمه للمدة الماضية، وأوضاع الإتحاد والكتّاب، والحياة الثقافية والأدبيّة في البلاد، بالإضافة إلى أزمة الكتاب التونسي، والمرحلة القادمة، والعلاقة المتوتّرة بين المثقّف والسياسي....
ماهي استعداداتكم للمؤتمر التّاسع عشر لإتحاد الكتاب التونسيين؟
الاستعدادات للمؤتمر عادية لأنها في أوقاتها وحرصنا على احترام المواعيد دون تقديم أو تأخير، ولكننا اضطررنا إلى جعل المؤتمر في غير نهاية العطلة لأن موعد 28 ديسمبر كان مرشحا للإنتخابات الرئاسية وكان لابدّ من تأكيد الحجز بالفندق فاضطررنا إلى جعل المؤتمر يومي الإثنين والثلاثاء 29 و30 ديسمبر 2014. ولقد قمنا بالإعداد المادي المتصل بطبع الملصقات واللّوازم المعتادة في كلّ مؤتمر يحترم أعضاءه. وسعينا لدى وزارة الثقافة لتتبنّى كما عوّدتنا دوما جانبا من مصاريف المؤتمر حتى لا تكون على حساب منحة النشاط والنشر. ولنا أمل كبير في الادارة الحالية لوزارة الثقافة التي وقفت معنا في المناسبات الدقيقة مثلما فعلت في زيارة الوفد الصّيني الى تونس في ماي المنصرم.
ماهو تقييمك للمدّة الماضية منذ المؤتمر الثامن عشر الى اليوم؟
تقييمي سيكون منشورا بعد أن أفرغ قريبا من مهمّتي من خلال ثلاثة مجلّدات تحمل عناوين «الأمل التحدي الحصاد» وهي عبارة عن يوميات رئيس اتحاد الكتاب التونسيين وفيها تعرية للمشهد الثقافي من الزاوية التي كنت أتابع من خلالها المشهد وقد يكون هذا التقييم نسبيا ولكنه ليس بعيدا عن الواقع لأني ملمّ بتفاصيل المرحلة وكنت أدوّنها باستمرار وبصفة تكاد تكون يومية ويمتزج فيها الذّاتي والموضوعي والسياسي مع الاجتماعي والثقافي. وهي بادرة توثيقية أرجو أن تتواتر مع آخرين وفي مختلف الميادين. ويمكن مقارنة ما سأصل اليه من تقييم بما كان في الدّورات الماضية من تاريخ اتحاد الكتاب. ولست أدري أمنْ حسن حظّنا أم من سوئه أننا جئنا في مرحلة دقيقة جدا مباشرة مع الثورة التي واكبناها وقمنا بحركة تصحيحية قبل 14 جانفي 2011 بأيام.
كانت هذه المرحلة صعبة للغاية لأن طموحات الأعضاء كثيرة ومشروعة والامكانيات التي كانت في الأصل ضعيفة تراجعت الى الرّبع. ومع هذا فقد نجحنا في أشياء كثيرة وتعثرت خطانا في أشياء أخرى.
وأهمّ شيء نجحنا فيه هو المحافظة على استقلالية الاتحاد والنأي به عن التجاذبات الحزبية والصّراعات السياسوية. ورغم أن اتحاد الكتاب التونسيين منفتح على كلّ التيارات الفكرية وغيرها فإننا لم نسمح باستغلال المنظمة وتوجيهها في أي مسار حزبي. وكانت بياناتنا صريحة وجريئة واختلفنا مع الاختيارات الرّسمية للحكومة ولرئاسة الجمهورية كما في مواقفنا من سوريا ومصر ومن الشأن الداخلي. لقد نجحنا في أن نبرز استقلاليّة الإتحاد في الوقت الذي عبّرت فيه منظمات شبيهة عن ولائها لجهات معيّنة وهي حرّة في اختياراتها. كما نجحنا في إنجاز عدّة أنشطة سيبرزها التقرير الأدبي وتوفّقنا في اشعاع الإتحاد عربيا وقاريا فكان حضورنا في اتحاد الكتاب العرب أو في كتاب آسيا وافريقيا محترما وقدمنا الاضافة. وفي علاقتنا مع الصين نجحنا في خلق تواصل وتبادل للوفود سيستفيد منه كثيرون لاثراء معرفتهم بالآخر.
ومن خصائص التقييم الإقرار بأن القائمة التي نجحت في المؤتمر السابق ذهب نصفها مع الريح ولم يقدّموا شيئا يشرفهم وكانت المراهنة عليهم فاشلة وستكون التفاصيل في وقتها. وليتهم ما ترشحوا.
ماهي الأوضاع المادية والمعنوية للإتحاد؟
مثلما ذكرنا آنفا فإن حال الإتحاد هي من حال البلاد ونحن نراعي الظروف الصعبة التي تمرّ بها بلادنا. ونأسف أن بعض الوزراء السابقين تعاملو معنا وكأنهم سيعطوننا من مالهم الخاص، رغم أن تمويل العمل الثقافي من المال العام حقّ صار يقرّه الدستور وليس مزية من أحد والبعض كان يقول: «هاني أعطيتكم كذا وكذا». وباسم العدل يساوي بين جمعيّة فيها 650 كاتبا وأخرى لا يتجاوز عددها 30 نفرا وليس لها نشاط يذكر.
وما عانينا منه حقا هو البطء الإداري. فمنحة هذين العامين الماضيين وصلت في أوت ومنحة هذا العام وصلت في آخر أكتوبر. فكيف ستنشط في هذه الظروف وكيف ستموّل محاضرات وأمسيات؟ ومن المشاكل التي اعترضتنا أن الادارة التونسية اشترطت علينا أن يكون لنا معرّف جبائي، وساوت بيننا وبين الشركات والجمعيات الخيرية وهو أمر لا يستقيم لأننا جمعية ثقافية منحتنا ملاليم ولسنا خيرية تأتيها المليارات من جهات معروفة وغير معروفة. واعتمدنا في أنشطتنا على علاقاتنا الطيبة مع الكثير من الأدباء من تونس وخارجها. وما نأسف له أنه ستبقى في رقابنا ديون عديدة لاتحاد الكتاب العرب واتحاد كتاب آسيا وافريقيا ونرجو أن يتم تسديدها بالتنسيق مع الوزارات القادمة رغم أن الدكتور مراد الصّكلي عبّر عن استعداده لدفع هذه الديون بما يتيسر للوزارة وكان عند وعوده في كثير من الأمور.
هناك عدّة هياكل للكتّاب، لماذا لا يقع توحيدها في هيكل واحد؟
في البدء لابد من التذكير أن اتحاد الكتاب التونسيين وان كان منفتحا على كلّ التيارات والتوجهات الفكرية والايديولوجية فهو لا يعارض وجود جمعيات أخرى شبيهة ونحن نشترك في العمل الثقافي ونتعاون رغم اختلافنا ولا أحد يعوّض أو يلغي الآخر.
كثيرون عاملونا بمنطق الاقصاء والانتقام لكن الأيام أثبتت عراقة الاتحاد وصلابته. لقد عبّرنا في محاضر الجلسات وفي وسائل الإعلام عن ترحيبنا بالجمعيات التي نبتت في المدة الأخيرة وإن كان وجود بعضها لم يتجاوز صفحات الفايس بوك أو الجلسة التأسيسية. ولم نعمد الى اقصاء من انتموا الى هذه الجمعيات من غير أن يقدموا استقالاتهم رسميا كما فعلوا عند طلب الانخراط وترفّعنا عن الدخول في مهاترات مع من سعوا الى تحقيق بطولات افتراضية وحاربوا طواحين هوائية، بل وجهنا اليهم دعوات الحضور في المؤتمر وتجاوزنا عن كثير من الممارسات الصّبيانية.
لقد دعونا بعض أعضاء الجمعيات المنافسة الى حضور أنشطتنا على أن نلبي دعواتهم لكنهم آثروا أن يبقوا بعيدين. وليكن فإن لاتحاد الكتاب أناسا يحبّونه ويغارون عليه.
أما عن توحيد المنظمات في هيكل واحد فلا أرى فيه جدوى حاليا، لأن كثيرين يبحثون عن زعامات ووجاهة لن يحصلوا عليها في اتحاد الكتاب الذي يخضع لمنطق انتخابي ونظام داخلي وتجاوز مرحلة الهواية. ومن رغب أن يكون مع الجماعة ومع الأغلبية فالإتحاد مفتوح لمن له كتابان منشوران. ولقد انتهى زمن الإنخراط بمقالات صحفية أو بعلاقات شخصية أو جهوية أو انتخابية. واتحاد الكتاب ليس ملك لأحد أيّا كان. وانتهى زمن بقاء المسؤول في الهيئة المديرة أو في الرئاسة أكثر من دورتين.
لماذا نلاحظ عزوفا من الكتاب والأدباء عن الاتحاد؟
لست أدري من أين جاء العزوف وقد انخرط في الاتحاد منذ الثورة الى اليوم أكثر من 200 كاتب جميعهم نشروا كتابين أو أكثر، والاستثناء الوحيد كان لكاتب كفيف له أربعة كتب لم تسمح ظروفه المادية إلا بنشر كتاب واحد. ولسنا كمن يرغب في تضخيم الجمعية فيقبل الأعضاء بكتاب واحد. ونحن لم نمنح العضوية لأي كاتب كما ذكرت سابقا دون أن يكون جديرا بها. والأكثر من هذا أنّنا رفضنا مطالب انخراط عديدة لأصحابها كتابان وأكثر لأن الانتاج ضعيف أو لأنها تخرج عن الاختصاص. فالذين انخرطوا منذ الثورة الى اليوم يكوّنون وحدهم جمعية ولا يمرّ اجتماع هيئة مديرة لا تكون فيها مطالب انخراط. ومنذ أيام أغلقنا باب الانخراط حتى لا يؤوّله البعض بأنه لأسباب انتخابية. وأغلب أعضاء الهيئة غير معنيين بالترشح ولا تعنيهم شؤون الانتخاب.
وما ينفي وجود العزوف هو أن أنشطتنا أسبوعية بل قد تعددت في الأسبوع الواحد.
كان لنا لقاء مع الشاعر اللّيبي محمد علي الدنقلي ولم تكف الكراسي لكل الحاضرين. لكننا لا ننكر أن انشغال الناس بالشأن السياسي الذي غرقت فيه وسائل الإعلام كادت تنسيهم الأنشطة الثقافية.
كيف كانت الحياة الثقافية والأدبية في الأربع سنوات الماضية؟
كيف تريد للثقافة أن تكون في خضمّ هذا الصراع السياسي وفي التجاذبات الحزبية والسياسوية التي ملأت ساعات البثّ اليومي لمختلف القنوات حتى ضجّ الناس من هذه الخطابات المصلحية التي ضاعت فيها قيم الثقافة والإبداع، وصار الكسب في الانتخابات موضوع كلّ الجهود؟ وتقرأ في الصحف وتسمع في القنوات فلا تكاد تجد برنامجا ثقافيا لأيّ حزب بما في ذلك الأحزاب الكبيرة بين قوسين. إنّ شعار المرحلة المسكوت عنه هو «تهميش الثقافة» وقد يكون اراديا أو عن جهل لأن فاقد الشيء لا يعطيه. إننا نأسف بحق لطريقة تعامل المؤسسات الرسمية والإعلامية مع الشأن الثقافي والأدبي. وإذا استثنينا اذاعة «تونس الثقافية» فإن بقية الإعلام المرئي خصوصا ساهمت في تهميش العمل الثقافي ونشاط الاتحاد بصفة خاصة. وحتى ان حضرت بعض الأسماء الأدبية والشعرية فلكيْ تحقق الفرجة SHOW.
وهذه النظرة القاتمة لا تنفي وجود أناس يعملون في صمت الزّهّاد والعابدين بعيدا عن الأضواء ليقدموا الاضافة المرجوة وينحتوا واقعا ثقافيا ملتزما بالقيم النّبيلة التي قامت من أجلها الثورة في كلّ المجالات.
والآن كيف هي هذه الحياة الثقافية والأدبية؟
اليوم امتداد للأمس ولكن الأمل صار معقودا على تجاوز المرحلة الإنتقالية من خلال كتابة الدستور وانتخاب مجلس نوّاب الشعب ورئيس للجمهورية ويصبح بامكان الحكومة القادمة أن تعمل على امتداد خمس سنوات وهي مطالبة بتحقيق التوازن بين التنمية الإقتصادية والإجتماعية والتنمية الثقافية بكل مقوّماتها.
ماهو وضع الكتاب التونسي، طباعة وترويجا وقراءة؟
لا شك أن الكتاب أساس كلّ نهضة فكرية وثقافية. ولو تألمنا في الأمم المتقدمة صناعيا واقتصاديا لوجدنا أنها متقدمة ثقافيا وأن عدد المطبوعات في بلد واحد يساوي كل ما تطبعه الأقطار العربية مجتمعة. ولا تكاد تجد محطة قطارات أو مساحة تجارية كبرى تخلو من جناح لبيع الكتاب. ولو نظرنا في عدد المنشورات كلّ سنة بتونس لوجدناها في تصاعد هندسي.
لكن كميّة السّحب في تناقص مريع وانتقل الطّبع بآلاف النسخ الى طبع بالمئات لأن القرّاء والمقبلين على الكتاب صاروا عملة نادرة، وأصبح الكتاب غريبا في أمّة «إقرأ» ولو لم يكن دعم وزارة الثقافة بالورق والشراءات لأغلقت دور النشر أبوابها ولتخصصت المطابع في انتاج الفواتير والملصقات.
فالأزمة الحقيقية هي أزمة توزيع، وهي مرتبطة بوجود القارئ. ولو توفر القراء لجاءتهم الكتب تسعى. وحتي المكتبات العمومية التي توفر للقراء مادة ثرية تحوّلت في فترات عديدة الى قاعات مراجعة. ولابد من معالجة الأمر بين وزارة الثقافة ووزارة التربية التي فقدت مكتباتها المدرسية. وكان بالامكان أن تتفوّق وزارة التربية على شقيقتها وزارة الثقافة في الشراءات لتمويل مكتباتها المدرسية.
ماهو المطلوب من أجل الثقافة والأدب والابداع والفكر في هذه المرحلة وفي المرحلة القادمة؟
المطلوب ليس من هؤلاء لأنهم يشتغلون كلّ في ميدانه وبامكانياته ويقدمون باستمرار انتاجا يختلف من واحد الى آخر في الجودة. والمطلوب حقا هو من الساسة ومن القائمين على الشأن العام وعلى وسائل الإعلام للتعريف بانتاجنا في مختلف المحافل ليسافر في كل الآفاق وليشجّعوا على نقله الى لغات العالم.
والمطلوب هو مساهمة رأس المال الوطني في دعم العمل الثقافي باعتباره قطاعا حيويا.
ولو كان ثمّة وعي حقيقي بالمسألة الثقافية لتحوّلت وزارة الثقافة الى وزارة سيادة. وتصلنا في اتحاد الكتاب التونسيين في كل سنة مراسلة من لجنة جائزة نوبل للآداب تطلب منّا نرشيح اسم أو أكثر لنيل جائزة العام الموالي. وليس خافيا أنّنا نجد صعوبة في الاختيار ليس لأن أدبنا غير جيّد بل لأنه لا يتجاوز الحدود ولم ينتقل الى لغات العالم ولا يكاد يسمع به أحد إلا نصوص قليلة. فالمسؤولية مشتركة بين أصحاب القرار السياسي وأصحاب رأس المال الوطني للوقوف الى جانب المبدعين وإخراج الأعمال المخطوطة والمرقونة من رفوف المكتبات الجامعية والتعريف بها داخليا وخارجيا.
ثبت أن هناك أزمة قائمة في مستوى القطيعة بين المثقف والسياسي في تونس فكيف الخروج منها؟
طبيعي أن تكون ثمّة قطيعة لأن المثقف يتعالى على السياسي ايمانا منه بأنه مبدع وأنه قام بواجبه من حيث انتاج المادة الثقافية وبقيّة المسؤولية يتحملها السياسي والإداري. والسياسي بدوره يخشى من المثقف لأنه مؤهل في كلّ آن كي يسحب منه البساط ويأخذ مكانه. وقد تكون الصدفة وحدها والعلاقات الجانبية سببا في ظهور هذا السياسي، فيتوهم أنه بامتلاكه السلطة يمتلك الرّقاب. لكل حزب مثقفوه ومنظّروه، ولكن المثقف الحقيقي هو من يكون فوق كلّ الأحزاب... إنها تحتاج إليه وليس هو من يحتاج اليها. وفي العالم العربي والعالم الثالث عموما نجد العلاقة مقلوبة.
ونجد المثقف يتودّد للسياسي طمعا في الفتات، وهؤلاء غالبا ما يكونون من المتعلّمين لا من المثقفين وشتّان بين الاثنين.
أنت ككاتب وجامعي كيف ترى مستقبل تونس؟
قدري أن أكون متفائلا وإلا على الدّنيا السلام. إننا مازلنا نصرف من الرّصيد الذي كسبته تونس من الإصلاح التربوي وتعميم التعليم في الستينات والسّبعينات، ونحتاج بصفة خاصة الى اصلاح جوهري للتعليم ينقذ المؤسسة التربوية والبحث العلمي من جناية العهد السابق الذي انساق فيه خبراء التربية الى املاءات أجنبية و«تعلّموا الحجامة في رؤوس اليتامى». فكان ما سمّي بالاصلاحات عبارة عن تجارب عبثت بكثير من المكاسب وأنتجت جيلا فارغ الذهن، فاقدا لأدنى مقومات الشخصية، يبحث عن بطولات فلا يجدها في غير كرة القدم التي تحقق له بعض الأوهام وتوهمه بما يتمنى واستثني عددا من الشباب المتميز الذين تصرف البلاد على تعليمهم ويبقون في أوروبا وأمريكا نظرا لتوفر المناخ الفكري والإقتصادي والسياسي المشجع على الإبداع في أي مكان كان.
وماذا تضيف في النهاية؟
سنقدم للمؤتمر القادم حصاد ما أنجزنا وأنا مدرك أنه لن يعجب من في نفوسهم مرض حتى وإنْ جئناهم بالعجب العجاب. وإرضاء الناس غاية لا تدرك. المهم أننا لم نكن منفصلين عن الشأن العام ولم نسكن أبراجا عاجية. فمن حسن حظ الإتحاد في هذه المرحلة أن كنت متقاعدا وليست لي التزامات عائلية كبيرة فسخّرت أغلب وقتي للمنظمة التي مازال البعض يقارنها بالسّنوات التي كان يشرف عليها رجال الدّولة ونعني الوزير الأول الأسبق المرحوم محمد مزالي ووزير الثقافة الأسبق البشير بن سلامة. وكانت الميزانية الى سنوات قليلة تصل الى أكثر من 150 آلف دينار في السنة.
وكان بالمقر أربعة موظفين وساع، واليوم بعد أن سحبت وزارة الثقافة كل موظفيها صار رئيس الإتحاد يقوم بأغلب الأدوار خصوصا بعد تخلّي أطراف عديدة في الهيئة المديرة لم يكونوا في حجم المسؤولية. وستكشف اليوميات هذا بالتفصيل.
فلا تجوز المقارنة مع وجود الفارق. ولهذا لم أشأ أن أدخل في جدال عقيم مع من يعيشون الى اليوم على ذكرى محمد مزالي رحمه الله وهم لا يعرفون أحدا من الهيئة ولا ماذا كتب. وربّي يكون في عون الهيئة القادمة.
وبعيدا عن الأماني نرجو أن تتعدّل الأوتار ويصبح التونسي يقدّس قيمة العمل، فمازلنا نردد عبارة «العمل عبادة» ولكننا لا نعمل بها. فهل يحقق الجيل القادم ما عجزنا عن تحقيقه نحن؟ إنّ غدا لناظره قريب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.