هم صبية صغار في عمر الزهور تراهم منذ الصباح الباكر فرادى وجماعات يجوبون مختلف أنهج وشوارع المدينة باحثين عن بقايا علب البلاستيك التي عادة ما يعثروا عليها بجهات «الشعشاع» و«عين سلطان» و«السعادة» وغيرها من المصبات العشوائية التي تكاثرت في زمن ما بعد الثورة ... «التونسية» كانت لها مصافحة مع البعض من صغار «البرباشة» الذين التقيناهم بصدد البحث بين النفايات عما يمكن الظفر به من فواضل البلاستيك. حيث تحدث إلينا في البدء الشاب عمر المطيري له من العمر 12 سنة تلميذ مرسم بالسنة السادسة ابتدائي الذي صافحناه في مرتفعات عين سلطان والعرق يتصبب من جبينه بسبب لفحات الشمس التي زاد من لهيبها عدم حمله لمظلة تقيه أشعتها الحارقة فذكر أنه قاطن بحي السعادة يعيش في كفالة والده عامل يومي يشتغل مرة واحدة في الأسبوع في مجال الملابس القديمة إلى جانب ستة من افراد عائلته. ينطلق يوميا في حدود الساعة السابعة صباحا ليتجول بين مصبات الفواضل المنزلية بحثا عن علب البلاستيك وذلك على امتداد قرابة الخمس ساعات من العمل المتواصل ليتوجها بجمع محصول يتراوح بين كيسين وثلاثة يتراوح وزن الواحد منها بين 3 و4 كلغ ويباع بحساب 300 مليما للكلغ الواحد. وهو ما يسمح له بتوفير مبلغ يومي يصل إلى حدود 3600 مليما يسارع بتسليمها مباشرة إلى والده محدود الدخل حتى يساعده على توفير مستلزمات عودته هو وإخوته إلى مقاعد الدراسة وما تتطلبه من مصروف احتياطي. في حين ذكر الشاب يسري العنابي البالغ من العمر 10 سنوات هو تلميذ مرسم بالسنة الخامسة ابتدائي قاطن هو الآخر بحي السعادة انه يعيش في كفالة والده عمال يومي رفقة 2 من إخوته أن الضرورة الملحة قد دفعت به إلى الاشتغال في جمع قوارير البلاستيك التي يجمع منها يوميا كيسين توفر له دخلا في حدود 1800 مليما . يسلمها إلى والده بهدف دعمه في مشوار الدراسة باعتبارها من أهم طموحاته المستقبلية. فهو يعول عليها كثيرا في تغيير واقعهم المعيشي الصعب في ظل الخصاصة والحرمان التي يعيشونها في حي السعادة الذي لا يحمل أية علامة دالة على سعادة متساكنيه لأنهم يفتقرون العديد من المرافق الضرورية للحياة اليومية. وحول سؤال يتعلق بأهم صعوبات العمل التي تعترضهم يوميا أجاب يسري أن أجسامهم النحيلة كثيرا ما يصيبها الإعياء بسبب جرهم لأكياس البلاستيك عبر عربات صغيرة متداعية للسقوط في كل لحظة. وهي عملية شاقة ولكنها في الوقت نفسه ضرورية لتأمين مستلزمات قوتهم اليومي الذي لا يمكن الحصول عليه سوى بالتنقل عبر مسافات بعيدة وفي جهات مختلفة كثيرا ما لا نجد بها ضالتنا باعتبار تنامي وجود الجيل الجديد من «البرباشة» الصغار الذين حكم عليهم الزمان بضرورة السعي لتأمين قوتهم اليومي من فضلات الميسورين من عامة الشعب الذي يجب عليه النظر بعين الرحمة إلى نضالات أطفال في عمر الزهور أجبرتهم ظروف الحياة على الخروج المبكر لمجابهة معركة البقاء والعيش على أمل أن تتغير الظروف لتعود البسمة وترتسم على شفاه الحزينة.