- نورالدين الخميري ألمانيا شهدت تونس على مدى أكثر من عقدين من الزمن حاللة رهيبة من الإنغلاق والتحجّر ، حالت دون معرفتنا لحقيقة الأوضاع ،غيرأنّ ذلك لم يمنعنا من متابعة تطورات الأحداث ، وكان الأمل يراودنا أن تشهد البلاد نهضة اقتصاديّة وثقافيّة واجتماعيّة تضاهي ما تتمتّع به كثيرا من دول العالم . ولعلّ ما كان ينقل لنا عبر وسائل إعلامنا من تصريحات ومشاهد حيويّة عن تونس جعلنا نؤمن بقدر كبير بأنّ ما تحقّق على أرض الواقع من إنجازات محل فخر واعتزاز لكلّ تونسي ، الأمر الذي جعلنا نلحّ على زملائنا الألمان في أحيان كثيرة على قضاء العطلة السنويّة ببلادنا ، غير أنّ ما كان يروّج له من أخبار لم يكن في حقيقته سوى مسرحيّة هزليّة أعدّ أدوارها وإخراجها ثلّة من المنتفعين وصنّاع الخراب ، توضّحت معالمها عندما انكشف السّتار وضاعت خروج الحروف من أفواه الممثلين،وقد لامست آثارها عند زيارتي الأخيرة لتونس ، حيث أتاحت لي الفرصة الوقوف على تطلعات الأجيال الجديدة التي قاومت تلوّث الهواء وظلمة الشوارع ، وكشفت لي ما كان مستورا عبر رحلة شاقّة في أعماق مدن وأرياف تونس . كانت البداية نواحي مدينة جندوبة ، حيث أذهلت للوهلة الأولى لقتامة المشهد ، بطون خاوية ، وعقول معطّلة ، وألسنة عربيّة تحسن اللّهجة التونسيّة ، لكنّها لا تملك من مظاهر الحضارة غير هواتف نقالة وشاشات تلفزيّة قديمة قدم مقدّمي بعض البرامج ، أمّا المسالك الريفيّة على كثرتها فقد رسمت خطوطها أقدام الحفايا بطريقة هندسيّة عجيبة اعتمدت فيها قواعد علميّة لاختصار المسافات اقتبستها من نظريّة " بيتاغور"، في حين شيّدت البيوت بطريقة جمعت بين الماضي والحاضر ، وفي كلّ بيت منها تنبعث أنوار النواميس وهي تقاوم ظلمة المكان كلّما هبط الليل ، بما يوحي بوجود حياة بشريّة طالما تمنّى أهلها وصول الكهرباء إليهم ، أمّا شوارع بعض القرى فقد زيّنت بحفر بأحجام مختلفة عطّلت حركة السير وأنتجت نوعا من الفوضى الخلاّقة ، أضفت عليها أكوام القمامة المتناثرة تحت لهيب الشمس الحارقة معادلة كيميائيّة انكشفت أسرارها بعد غروب الشمس مع بداية نسمات الليل الأولى ، لتجسّد في مجملها لوحة نادرة تسدّ الأنوف وتبعث على الإشمئزاز، أمّا الإنتصاب الفوضوي للباعة وإن يبعث على القلق أحيانا، فإنّه يكشف مدى تردّي أوضاع الناس الإجتماعيّة والتي زادت من حدّتها تفشي ظاهرة الرشوة بشكل مرعب، وانهيار القيم وضياع الأخلاق وارتفاع نسبة الجريمة. وفي ظلّ هذا المناخ المتردّي ظلّت النخبة التونسيّة تعيش حالة من التهميش والمعاناة ، فواقع رجال التعليم في مدينة جندوبة والذي جلب اهتمامي أكثر من غيره غلبت عليه هموم السياسة والعطالة ، فتشكّل على نحو مجموعات كبيرة أمام مقرّ البلديّة وفي نواحي مختلفة من الحديقة المحاذية لها ، فمنهم من راح يقلّب صحيفة يوميّة للإطلاع على آخر الأخبار، ومنهم من انخرط في البحث عن مآلات الأوضاع السياسيّة ومسار الثورة ، وشقّ آخر فضّل احتساء قهوته في إحدى أركان المقاهي المنتشرة في كلّ مكان دون عابئ بالزمان ولا بالمكان ، وإذا سألت أحدهم عن سرّ هذا الضياع يجيبك بسرعة المدرك ، وما البديل إذا ؟؟ فنجان قهوة وقارورة ماء ، ثم فنجان آخر، وربما ثالث ،ورابع، وحديث هنا وهناك حتّى ينقضي النصف الأوّل من اليوم ، لتعقبه استراحة مناظل حتّى المساء ، حيث يتجدّد موعد السهرة مع الزملاء عبر "طرح رمي" أو " طرح شكبّة " . أمّا المشهد في مدينة طبرقة رغم جمالها فلم يكن بأحسن حال، فالعديد من البنايات والمنشآت الحيويّة قد استحوذت عليها العائلة الحاكمة لتحوّلها إلى مشاريع خاصّة ، وعشرات الأبنية الخرسانيّة متوقفة عن البناء تعلن اعتداءها بجرأة على مساحات شاسعة من الأراضي ، في حين ظلّت وحشة البرد القارس ، ومرارة الجوع ، ولهيب الأوجاع عند الناس على حالها لم تتغيّر، كخطابات سي الجيلاني الذي أعرب في أكثر من مناسبة عن سعادته لما تحقّق من مشاريع، كان من بينها إحداث مجمع طبّي وسط المدينة يحمل اسمه وملكيته بالخطّ العربي العريض ليقدّم آخر ابتكارات الطبّ الحديث ، في حين كان للصوص المدينة وضعا آخر إذ يأتي الواحد منهم فقيرا معدوما وعندما تتمّ نقلته إلى مكان آخر يكون قد ارتفعت مكانته وتحسّنت أحواله حتّى كادت تظاهي أصحاب المصالح والنفوذ . وفي ظلّ هذه الفوضى انتشرت ظاهرة وقوف السيارات في أماكن حيويّة بشكل عبثيّ في تحد صارخ لقوانين المرور، وانتصب الباعة بالطرق يبيعون كلّ شيء بلا رقيب أو حسيب ،وتناثرت أكوام القمامة في كثير من شوارع المدينة، لتبدو لك الصورة وكأنّها تقف متحدّية لتقول لك : "انتبه أنت في مدينة الإهمال والقبح والفوضى"، لينضاف لهذا المشهد القاتم انقطاع الماء الصالح للشراب على مدى ثلاثة أيّام ، نتيجة توقف محطة ضخّ المياه عن العمل ، الأمر الذي دفعني إلى مغادرة المدينة والعودة إلى عائلتي بجندوبة دون أن أكلّف نفسي البحث عن الأسباب . أتجهت إلى مكان وقوف الحافلة نظرا لعدم وجود سيّارات نقل عمومي " لواج " في ذلك الوقت لأنّ الساعة تشير إلى الخامسة مساء، فكانت الحشود على أشدها تنتظر لحظة الإنطلاق ، وفي غمرة ذلك الزحام استطعت اقتطاع تذكرة سفر وصعود الحافلة ، غير أنّي بقيت واقفا . كان المشهد صادما ، أجسام بشريّة متلاصقة ، وروائح السجائر تنبعث من كلّ مكان ، وألفاظ خادشة للحياء لا تليق بإنسان سويّ يتمتع بالحدّ الأدنى من الذوق والأدب والإحترام ، وقهقهة ، وصيحات ضحك ، وحديث عن الهجرة يخفي وراءه حرمانا وآلاما. بدأت الحافلة تشقّ طريقها تحت أشعة الشمس الحارقة باتجاه جندوبة ، ففضلت التمتع بالمناظر الجبليّة الخلّابة دون الإكتراث بما يدور حولي ، غير أنّ انحرفات الطريق المعطبة ، وكثرة الزحمة ، ورائحة العرق المنبعثة التي تبعث على القيّ والإغماء ، نغّصت عني التمتع بجمال الطبيعة الخلاّبة. وفي ظلّ هذا المشهد البائس للحافلة المكدّسة بالركّاب أعلن السّائق فجأة بأنّ الحافلة لا يمكن لها أن تتوقف نظرا لوجود عطب بالمحرّك، ووعد بتخفيض السرعة قدر الإمكان عند كلّ إشارة للنزول . هذا المشهد الدرامي الرهيب يعكس حالة مترديّة لنظام سياسي فاسد انكشفت عوراته وحقيقتة بمجرّد إزاحته من الحكم ، فلا مكان هنا للإتصال ، ولا للإسعاف ، ولا للإعلام ، وهو ما دفعني للقفز خارج الحافلة عند مدخل حمام بورقيبة خوفا من حصول الأسوأ . هذا المشهد يذكرني بدوره بمشهد آخر بإحدى حافلات النقل العمومي الرابطة بين حي المرجان وطبرقةالمدينة ، حيث كان الرابط المطاطي بين الجزء الأوّل والثاني من الحافلة مقسوما على امتداد أكثر من متر دون أن يعبأ أحد بحجم الكارثة التي قد تحصل . وصلت إلى مدينة جندوبة بعدما تمكنت من الإتصال بأخي ، الذي قام بنقلي عبر سيارته الخاصّة ، فحمدت الله على السلامة وقضيت ليلتي تلك مع والدتي وأنا أصارع لسعات النّاموس . قمت في اليوم الموالي باكرا ، فأديت صلاة الفجر، واحتسيت قهوتي ، ثمّ أخذت وجهتي مع صديقا لي باتجاه العاصمة أملا في أن أستمتع برحلة جميلة تنسيني هموم مدينتي الحزينة . لم تكن الحركة بالعاصمة كما عهدتها قبل ثلاثة عقود ، فالمقاهي مملوءة على بكرة أبيها حتّى أنّي خلت إنّي في يوم عطلة ، والإزدحام خانق ، وسيارات التاكسي الجماعي والحافلات الصفراء قد أربكت حركة السير ، أمّا الأسلاك الشائكة التي انتصبت أمام وزارة الدّاخليّة فقد تعلّقت بها بقايا أوراق متناثرة وقطع من البلاستيك لتشكّل في مجملها مع حرارة الشمس الملتهبة لوحة شعريّة لمشهد قاتم ، في حين ظلّ شارع الحبيب بورقيبة بنفس الصورة التي توقعت ، وظلّت المدينة العربي هي الأخرى على حالها وكأنّ الزمن قد توقف عن الإصلاح والترميم . أشار عليّ صديقي وكانت السّاعة تشير إلى الثانية بعد الزوال ، بأن نأخذ وجهتنا باتجاه المرسى وننهي رحلتنا هناك ، فاستسمحته نظرا لحرارة الشمس وشدّة العطش والجوع أن نتوقف قليلا عند أوّل مطعم لنأخذ لمجة سريعة قبل أن نواصل الطريق . أخذنا الطريق باتجاه باب الخضراء وهناك توقفنا عند أحد المطاعم ، كان محلاّ متواضعا تنبعث منه رائحة الزيت المقلي ، وتكسو جدرانه أسراب من الذباب الأسود ، في حين انتشرت فتاة الخبز على الأرض . أخذنا مكانا عند الباب ، فاستقبلنا أحد العمّال بابتسامة تونسيّة حلوة عارضا علينا ما هوّ متوفر لديه من مأكولات ومشروبات ، وراح عامل ثاني وكأنّه شعر بحالة ارتباك لدينا يقاوم أسراب الذباب بمادة مبيدة للحشرات ، وهو يتمتم وكأنّه يريد أن يقول شيء ما . أخذنا سندويتشات خفيفة ومشروب بارد ، ثمّ ودعنا بعدها صاحب المحل لنواصل رحلتنا ، وعند مقربتنا من مدينة المرسى تغيّر المشهد كليّا ، بنايات شامخة شموخ جبال خمير ، ومؤسسات عملاقة ، ومحلات عصرية ،وفنادق ضخمة، وطرقات ومناظر طبيعية رائعة زادها جمال البحر حسنا وجمالا. قال صاحبي بعد أن أن أطلق زفرة أحسستها كافية لاجتثاث جذور الفساد : هذه الأراضي التي تراها حذو البحر قد استولت عليها عائلة الطرابلسيّة ، وهذه المنشآت الحيويّة قد حوّلها الرئيس المخلوع إلى أماكن خاصّة تابعة للرآسة ، وهذه المباني التي تشاهدها أغلبها لأصحاب رؤوس الأموال الفاسدة ، ثم أضاف قائلا : شكلي سيأخذ شكل المكان والزمان ، ولغتي العربيّة لا حدود لها ، أغنيتي عشق الوطن وأنا لست ظلّا ولا رقما في معادلة حسابيّة مغلوطة ، ولا أحمل هويّة مسافر ، بل أنا الماضي والحاظر في الأحلام والأوهام ، وفي دفاتر التاريخ والجغرافيا ، وفي بلد لم يعد له صوت واحد ولا شعار واحد . تعجبت لكلامه رغم أنيّ لم أدرك كلّ معانيه ، وقضينا وقتا ممتعا نكتشف فيه معالم المدينة ونستمتع بمناظرها الجميلة ، ومع مساء اليوم أخذنا طريقنا باتجاه جندوبة وفي عيني تحاورني دمعة. Publié le: 2015-11-08 21:28:25