انفجارات ضخمة تهز تل أبيب وسط دوي صفارات الإنذار    إيران.. نرفض المقترح الأميركي ونحن من سننهي الحرب وليس ترامب    رئيس الجمهورية يُؤدي زيارة إلى مصحة العمران والصيدلية المركزية.    عاجل/ ترامب يهدد ايران ويتوعد..    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    بهدوء: مقهى المساء وامتحان الأمومة    فرحة العيد    المقامة العيدية    لصوص النصوص بين النّقد الغائب والضمير المفقود    إلى حدود 25 مارس 2026: المدخرات من العملة الصعبة تُعادل 106 أيّام توريد    10 سنوات سجنا وخطية مالية لفتاة من أجل ترويج المخدرات    حين تغيب الرسائل وتضيع العبر...الدراما التونسية... موسم مرّ بلا أثر    مهرجان «الأنوف الحمر» بحمام سوسة ...المهرج بين العقلية الإجتماعية والتأثيرات النفسية    تونس تتموقع في السياحة البحرية: إقبال متزايد واستقطاب مُجهّزين بحريين دوليين جدد    "الإنسان الرابع" عمل مسرحي جديد للتياترو يسجل عودة توفيق الجبالي على الركح    نائب تستنكر    بن عروس: برمجة تلقيح أكثر من 80 بالمائة من القطيع بالجهة (دائرة الإنتاج الحيواني)    أول تحرك رسمي من السنغال لإلغاء سحب كأس إفريقيا: الجديد    ماذا تأكل عند هبوط السكر؟ 6 خيارات فعّالة وسريعة    توزر: مهرجان مسرح الطفل بدقاش في دورته ال24 بين الورشات والعروض فرصة للتكوين والترفيه    كمان سانغام"...حين تلتقي أوتار الهند بنبض الشرق في تونس    باجة: عرض تجارب الاقتصاد فى الماء بالقطاع الفلاحي بمناسبة اليوم الوطنى للاقتصاد في الماء    توزر: يوم تحسيسي إعلامي لفائدة مربي المجترات الصغرى استعدادا لموسم سفاد الأغنام    محكمة الاستئناف بتونس تقر عقد الجلسات الاستئنافية لقضايا الإرهاب عن بعد خلال أفريل    عاجل-الليلة: ''الحرارة إلى ما دون العشر درجات''    المستشار الجبائي يحذر: المهن غير التجارية عندها خصوصيات لازم القانون يحميها    وقتاش المنتخب يلعب أمام هايتي و كندا؟    عاجل: سوم الذهب يرتفع مرة أخرى    إيران تبلغ باكستان رفضها خطة أمريكية من 15 بنداً لإنهاء العداء    المنظمة الدولية للهجرة بتونس: عودة 97 مهاجرا إلى غينيا ضمن برنامج العودة الطوعية    فاجعة تهز هذه الولاية ليلة العيد..تفاصيل صادمة..    امتيازات جبائية لدعم التنقّل الكهربائي وبطاريات الليثيوم: وزارة المالية تكشف وتوضّح..    عاجل/ تحذير: سحب دفعات من حليب الأطفال "أبتاميل"..    عاجل: بطل تونس لرفع الأثقال كارم بن هنية يعلن اعتزاله وعرض ألماني ينتظره    وفاة فاليري بيرن نجمة فيلم سوبر مان    هل تدمر ''moteur ''كرهبتك بصمت؟ اكتشف الأخطاء اليومية    الترجي الجرجيسي: اليوم إستئناف التحضيرات إستعدادا للجديات    عاجل/ من بينهم شفيق جراية: احكام سجنية ثقيلة ضد هؤلاء..    إستعدادا لمواجهة النادي الإفريقي: مستقبل قابس يستقر على هوية مدربه الجديد    من أجل المحافظة على اللقب الإفريقي .. المنتخب السنغالي يتوجه إلى التاس    الوداد الرياضي المغربي يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تنظم دورة تكوينية حول التنقلات الكهربائية بصفاقس من 24 الى 26 مارس 2026    وزير الخارجية يلتقي التوانسة في المانيا...علاش؟    عاجل: هاندا أرتشيل وحبيبها السابق في دائرة التحقيق بقضية مخدرات    م..قتل سبعة من الجيش العراقي بقصف جوي استهدف قاعدة عسكرية في الأنبار    فرص لكل التلامذة التوانسة :كل ما تحب تعرفوا على المنصة المجانية    عاجل/ ملامح زيادة الأجور لعام 2026: النسبة والتطبيق قد يؤجل لهذا الموعد..    وزارة التجارة تعلن تلقي 342 شكاية خلال شهر رمضان..وهذه التفاصيل..    مواعيد تهّم التوانسة : الشهرية وقتاش ووأقرب jour férié    تحسن في الوضع الجوي اليوم..    خطير/ تعرض المترو 5 و6 الى حادثتي تهشيم واعتداء على الركاب..#خبر_عاجل    عاجل/ بعد اصدار أوامر بنشر 2000 عنصر- ممثل خامنئي يتوعد الجنود الأمريكيين: "اقتربوا"..    75% من الأدوية في تونس تُصنّع محليًا    عاجل: فيضانات محلية مرتقبة في عدة دول خليجية    الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد تختار نور الدين الطبوبي رئيساً وناطقاً رسمياً للمؤتمر    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليرفربول بنهاية الموسم الحالي    طقس اليوم.. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كنا نحتفل بفرض ارادتنا على السجّان
سليم بفون ل «منارات»: بعد وفاة والدتي لم يبق لي شيء في هذه الدنيا
نشر في الشعب يوم 24 - 04 - 2010

لتجربة السجن روائح شتى وأحاديث مختزنة وفضائح... وللسجّان أوجاعه حدّ النباح... فهل سمعتم عن جلاد ينبح وسجين يزعجه ان تتحوّل كائنات بشرية الى كلاب... أو ذئاب، قال »هوبز« »الانسان ذئب لأخيه الانسان« فهل يمكن ان يصبح السجين ذئبا لأخيه السجّان... سليم بفون... مناضل... شيوعي من الزمن الجميل... يحتفظ بلحية بيضاء وعيون زرقاء يذكرك بالألماني في رواية »اللاز« للطاهر وطّار ولكن ابتسامته حميمية... حبه للحياة لا يوحيان لك بشيء مما ستقرأه في هذا الحوار عن ايامه في السجن وعذاباته الفكرية وانتماءاته السياسية.
❊ سليم بفون... أضعت شبابك بالسياسة... وطفولتك بالشقاء ما تقول؟
لم أكن شقيا في طفولتي البتة لأنني كنت الابن الوحيد لوالدي... فلا إخوة لي ولا أخوات... وهكذا كنت الابن المدلل لعائلة مترفهة نوعا ما... أما شبابي فينقسم الى مرحلتين في الفترة الاولى كنت متأثرا بتيارات رافضة أو متمردة على القيم السائدة والمواضعات الاجتماعية أذكر منها خاصة »ليبياتنيك« و »الهيبز« ومن هنا بدأت تتنامى بداخلي الافكار الفوضوية بكل ما للكلمة من معنى ايديولوجي وسياسي وهي ما اعتبره الخطوة الاولى في المرحلة الثانية من شبابي حيث تبنيت بعدها الافكار الماركسية وكل الفضل يعود الى الرفيق محمد بن جنات حيث كنّا نلتف حوله في مقهى »برازيليا« بالبلمريوم وذلك قبل هروبه الى فرنسا.
❊ من تذكر من أصدقاء الشباب ممن كنتم تلتقون في مقهى »برازيليا« مع محمد بن جنات؟
الاسماء كثيرة أذكر منها الصديق الكاتب محمد صالح بن عمر والشاعر الطاهر الهمامي والكاتب والرسام محمود التونسي والشاعر حبيب الزناد والاديب والاستاذ الجامعي سالم ونيش والشاعر عبد الحميد خريّف والصديقين الحميمين الرفيقين محمد معالي وأحمد حاذق العرف وكانت هذه المجموعة هي النواة التي أسست الطليعة الادبية، والفضل كل الفضل لانتماء هذه الجموعة في بداياتها الى حقل الفكر التقدمي واليساري يعود الى الرفيق المناضل الكبير محمد بن جنات.
❊ ولكن من هو محمد بن جنات فأجيال من الحركة التقدمية والشباب في تونس لا يعرفونه؟
محمد بن جنات لا يمكن أن أفيه حقه في مساحة كهذه فالرجل يستحق إسالة من الحبر والكثير من الكتابة مع ذلك أحاول ان اختزل بعض الاشياء في الكلام عنه: أولا هو الذي قاد أكبر مظاهرة في تونس سنة 1967 مساندة للشعب الفلسطيني والتي أحرقت فيها واجهة سفارة بريطانيا والمركز الثقافي الامريكي وتمت محاكمته كمسؤول عن كل تلك الأحداث وتحرّك الأصدقاء من كافة أنحاء العالم وأسسوا جمعية عالمية مطالبين بإطلاق سراحه، ثم حوكم مع حركة آفاق و»تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي« وهو نفس التنظيم وكذلك العامل التونسي.
❊ إذن هو من قادك الى السجن؟
من قادني الى السجن هو السلطة وأعوانها... أما إن كنت تقصد من كان سببا في تنظمي في تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي فهو الرفيق العزيز والصديق والاخ محمد معالي.
❊ إذن قادتك السلطة الى السجن... التجربة اذا يا أبا السلم كما يحلو لي أن أقول لك دائما؟
أولا وقبل الجواب لابد ان أعرّج على أمر هام وهو ان يقع رفد الملحق بحوار وشهادة للمشرف عليه الذي عايش السجن والمنفى والتجربة خصوصا سنة 1974 حيث زجّ به في زنازين أمن الدولة ونفي الى مدنين من اجل قصيد نُشر في جريدة العامل التونسي باللهجة العامية الذي كان يعتبر الخط السائد للجريدة وان لم تخنني الذاكرة سأسرد منها مطلعها:
»بلادي مريضه
جميع الطبّة حاروا في دْواها
على ايديكم يا عمّال وفلاّحة
يتم شفاها
يا رفيقي يا بايت الليل ساهر
للمناشير وزّع وزّع
والنائمين واللي ساكتين على داهم فزّع فزّع
العامل التونسي لازم تتوزّع
في كل زنقة وفي كل حومة
❊ أنت تتحدث كثيرا عن تجارب أصدقائك. فهلا حدثنا عنك يا رجل؟
الحديث عن الرفاق هو شيء من تجربتي... فبدونهم لا تجربة لي... وفي هذا السياق أريد من خلال تجربتي أن أتحدث عن صمود شريحة نساها أغلب الرفاق في الحديث عن التجربة وهي عائلات المساجين السياسيين.
فما قامت به كل من ليلى عدة زوجة الرفيق صالح الزغيدي، روضة الغربي زوجة الرفيق الطاهر شقروش، عائلة الرفيق ثامر السويسي وخصوصا أمي فريدة بن يوسف أم الرفيق عثمان بن يوسف التي رغم جذورها الارستقراطية وموقعها الاجتماعي حيث كانت من أغنى العوائل في باجة، كانت تسندنا وتدعمنا بكل ما تملك بل تجاوزت ذلك الى حد اعتصامها مع مجموعة من العائلات امام مقر الوزارة الاولى مطالبات بإطلاق سراحنا أو التعجيل بمحاكمتنا.
❊ حسنا ها أنك تعود الى الحديث عن الرفاق وها أنني أعود الى السؤال عن تجربتك السجنية؟
تجربتي السجنية لا تختلف مع تجربة رفاقي خصوصا منهم مجموعة 1975 أما اذا أردت أن أحدثك عن السجن فإني أختزل حديثي في نقطتين تضامننا وصمودنا.
❊ فلنبدأ بالصمود إذن؟
البداية كانت من فترة البحث الاولى في زنازين سلامة أمن الدولة وسوف لن أكرر ما ذكره بعض الرفاق وعايشناه معا لمحمد معالي مثلا كالتعذيب اثناء الاستنطاق، فأنا أريد أن أذكر حادثة وقعت يوم 20 مارس 1975 حيث كنت في الزنزانة عدد 4 في الطابق الارضي لوزارة الداخلية مع الرفاق الآتي ذكرهم محمد اللافي عمران علوان صالح الهمامي ومحمد الحاجي وكان التحقيق قد شارف على الاكتمال وكانت حالتنا الصحية جد منهكة من التعذيب اثناء البحث وكانت روائح ابداننا كريهة مقرفة والقمل غزا ملابسنا ورؤسنا وبعد ان نفذ صبرنا في المطالبة بحملنا الى »الدوش« ورفضهم ذلك، قررنا الدخول في اضراب جوع ذو صبغة سياسية وذلك في ذكرى الاستقلال فما كان من الجلادين وهي حادثة لم تمحي من ذاكرتي الى الآن الا أن أخذونا الى الطابق الثاني في احدى غرف التعذيب وهي »بيت الصابون« نزعوا كل أدباشنا، عراة كنا كما يوم جئنا الى الدنيا وانهالوا علينا بالهراوات المطاطية بشكل عشوائي وفي كل الأمكنة مع اصدارهم لصيحات تواتريّة: هَهْ ... هَهْ ... الى درجة أنني في لحظة صرت لا أسمع الا أصوات السياط على أجسادنا وشبه نباح كلاب: هَبْ ... هَبْ ... هَبْ ... بعدها ودون ادراكي للزمن لم يسمحوا لنا الا بلبس التبان وأنزلونا على الادراج زحفا على ركائبنا وأيدينا مرفوعة ممسكة ببقية ملابسنا وكل من ينزل إحدى يديه او يتوقف عن الزحف او يحاول الوقوف ينهال السطو عليه الى ان وصلنا الى زنزانتنا، ثم لم يتركونا الا بعد ان أكلنا.
❊ حسنا... هذا في البحث الاول والسجن؟
السجن في اطار الصمود يتميز أولا برفضنا المطلق لكل مظهر من مظاهر الانصياع والخضوع والانضباط للقوانين السجنية المذلّة للانسان منها رفض الوقوف في صفّ محكم اثنين، اثنين، رفض التحية للعون أو مدير السجن، رفض الاهانات وفرضنا داخل السجن معاملة خاصة بنا واحترامنا كمساجين سياسيين.
❊ كيف ذلك؟
كان سلاحنا الوحيد هو التضحية بصحتنا وأجسادنا وخوض اضرابات جوع لا حصر لها حتى ان مجموعة 75 التي اشتهرت بذلك كانت تحتفل بالأعياد الوطنية بانجاز اضراب جوع يدوم من يوم الى ثلاثة أيام وارسال رسالة الى كل من رئاسة الدولة والوزارة الاولى ووزارة الداخلية تتضمن ادانة اكثر حدة من المناشير التي كنا نصدرها قبل السجن.
❊ هذا السجن والصمود فما السجن والتضامن؟
لقد كنا نشكّل داخل السجن أسرة بأتم معنى الكلمة أو جسدا واحدا اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسند المادي والمعنوي، بالاعتصام، باحتمال العصا، واحتمال غضب ادارة السجن، فكنا اذا مرض أحدنا، أو أصابه مكروه، نقف معا.
❊ كيف ذلك؟
الاحداث كثيرة لا تحصى أذكر منها بالخصوص عندما أنزلونا الى كهف برج الرومي وأعلنّا اضراب جوع، كان الجلادون يأتون 4 مرات في اليوم ويطالبوننا بالتحية والوقوف اثنين اثنين وأمام رفضنا ينهالون علينا ضربا بالهراوات المطاطية والعصي وكنا لمواجهة هذا الوضع نقيم تنظيما بسيطا يتمثل في اقامة ثلاثة حلقات: تكون الاولى او الداخلية تتركب من المرضى والمنهكين، تلتف عليهم حلقة ثانية امكانياتها البدنية أفضل بقليل أما المجموعة التي تقوم بحماية المجموعتين تتحمل كل الوان العصا... وكنت من حسن حظي من بين المجموعة الضعيفة لأنني كنت قد خرجت لتويّ من عملية جراحية... تنتهي الحفلة عادة بفرض ارادتنا على السجّان.
❊ تتهرب دائما من الحديث عن نفسك مع أن أصدقاءك جميعا يعلمون ان لك شيئا خاصا وهو وفاة أمك وأنت داخل السجن؟
هذا ليس أمرا خاصا اذ توفي آباء وأمهات البعض من رفاقنا مثل والد الرفيق محمد الصالح فليس والاخوين اللوز: محمد ومنجي.
❊ ولكن هذا لا ينفي حميمية الموقف؟
صحيح، إذ بفقدان والدتي العزيزة لم يبق لي شيء في هذه الدنيا بما أنه ليس لي كما سبق أن ذكرت أخوة ولا أخوات وعزائي الوحيد في تلك الفترة الذي جعلني في مرارة السجن لم أحسّ فضاعة الفاجعة هو احاطة الرفاق بي مع أن الفاجعة تضخمت لديّ عندما خرجت من السجن نهائيا وقضيت ليال أبكي لأني فعلا أحسست بالوحدة والفراغ الذي تركته الوالدة.
❊ صحيح انك حينما أخذوك الى موكب الدفن من السجن وأنت محاط بالحرّاس هتفت بحياة العامل التونسي؟
قد أحرجتني بالسؤال، صحيح لأني بعد دفن الوالدة العزيزة أحسست في ذلك الوقت أني فقدت أمي لكنني لم أتيتّم لأن أمي الأكبر هي العامل التونسي.
❊ ولكن بعد خروجك من السجن تخليت عن أمك الكبرى العامل التونسي وذهبت الى أم أخرى، فهل أنت متعدد الأمهات؟
لا، لم أتخلّى عن أمي الكبرى العامل التونسي بل وجدت أبا هو الحزب الشيوعي التونسي وبعد اليتم من الام والاب صار لي أب وأم رغم اختلافهما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.