قفصة.. تخصيص 8 م- د لتهيئة وانجاز عدد من المؤسسات التربوية    صلاحيات رئيس الجمهورية القادم    مباشرة من فرنسا/ المازري الحداد يكشف فحوى اتصاله بالرئيس السابق بن علي...حقيقة مرضه وأهداف الإشاعة    الناطق الرسمي باسم الهيئة الفرعية المستقلّة للانتخابات بسوسة : رؤساء مراكز الاقتراع أصبحوا يتمتعون بصلاحيات الضابطة العدلية    مدرب سيرك روسي يساعد الأطفال لإبعادهم عن عالم الجريمة    الجامعة تراسل الفيفا للتراجع عن سحب النقاط من الافريقي..تطورات جديدة    اعترافات قريب عضو بإدارة التحكيم في التحقيقات حول المراهنة ب100 ألف دينار على مباراة اتحاد بن قردان…التفاصيل    حالة الطقس ليوم الأحد 15 سبتمبر 2019    الفنان عاصي الحلاني في حالة حرجة!    القبض على 6 أشخاص بكل من صفاقس والمنستير كانوا يعتزمون اجتياز الحدود البحرية خلسة    تخربيشة : لاتطلب الحياة ستوهب لك الموت    نسبة التصويت الجملية في الخارج بلغت 3ر9 بالمائة إلى حدود السادسة من مساء السبت بتوقيت تونس    كرة اليد: تتويج تونس ببطولة إفريقيا للأمم للوسطيات    في الدورة الثانية لصالون الرياضة بسوسة: تجهيزات رياضية ومسابقات، واتفاقية شراكة مع النجم    وزارة الداخلية: تسخير 70 ألف أمني ليوم الإقتراع للرئاسية    باب بحر: القبض على شخص مورط في سلسلة من عمليات التحيل    ترامب يؤكد مقتل حمزة نجل أسامة بن لادن    تونس : النجم الساحلي ينهي تحضيراته لمواجهة أشانتي كوتوكو الغاني…التشكيلة المنتظرة للفريق    هوية الفنانة المتهمة ب«التجسس» على لطيفة لمدة 20 سنة (متابعة)    اكتشاف خلايا غامضة خطرة في جسم الإنسان    مبنى وزارة الخارجية في حالة كارثية    إيطاليا تسمح لسفينة إنقاذ بإنزال 82 مهاجرا على أراضيها    ذهاب الدور الثاني لكأس الكاف: اتحاد بن قردان ينهزم امام بندري الكيني    الولايات المتحدة: قتلى وجرحى بإطلاق نار في محطة قطارات    قبلي: انتعاشة سياحية وارتفاع في عدد الوافدين    معتصم النهار ونادين نسيب نجيم أفضل ممثلين في مهرجان الفضائيات العربية    الانتاج السعودي من النفط يتوقف    الكبارية..القبض على شخص من أجل السلب تحت طائلة التهديد    اليوم الصمت الانتخابي.. أكبر هاجس يؤرق الناخبين ألا يختار الصندوق الأفضل من بين المترشحين    أفغانستان : شرطيان يقتلان 11 من زملائهما    بنزرت.. بطاقتا إيداع بالسجن ضد منحرفين افتكا فتاة من صديقها    كيفية التعامل مع الطفل الذي يحب التملّك    نباتات الزينة: ورق الصالون....Aspidistra    مقاومة حشرات الخريف : طريقة طرد الخنافس السوداء الطائرة من المنزل    شاب ينتحل صفة عون مراقبة اقتصاديّة للتحيّل .. وهذه التفاصيل    عادات من الجهات...«الرحى الحجرية» مهنة جدّاتنا لاحضار الفطور والعشاء    صالح عبد الحي ... ليه يا بنفسج    دوري أبطال افريقيا.. الترجي في مواجهة بطل التشاد ومهمة محفوفة بالمخاطر للنجم    شان 2020 : قائمة اللاعبين المدعوين لتربص المنتخب الوطني للاعبين المحليين    مع ابن جبير في رحلته المتوسّطيّة (2)    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    من دائرة الحضارة التونسيّة...المكتبة العتيقة بالقيروان    إشراقات..متشائل    سميرة سعيد تكشف موعد عرض الموسم الخامس من ذا فويس    محمد الحبيب السلامي ينبه ويحذر : إياكم وشهادة الزور    قبل ذهابهم الى مدارسهم : حضروا هذه الأطعمة لأطفالكم    سيدي حسين .. زطلة وكوكايين ومسدس    مرتجى محجوب يكتب لكم : في يوم الصمت الإنتخابي..هنيئا لتونس    جبل الجلود.. الاطاحة بمروج كبير المخدرات    القضاء الفرنسي يتهم مؤسس "الجبهة الوطنية" بالاختلاس    برنامج أبرز مباريات اليوم السبت و النقل التلفزي    ٍلماذا ينصح بالامتناع عن تناول الموز كوجبة إفطار؟    ترامب في انتظار لقاء مع السيسي : "أين دكتاتوري المفضل"؟    حجم صادرات تونس يتراجع بنسبة 4 بالمائة مع موفي اوت 2019 مدفوعا بتقلص اداء اغلب القطاعات    حجز 75 طن من “البطاطا” غير صالحة للاستهلاك    العودة المدرسية على الابواب.. نصائح في النظام الغذائي للطفل    تكذيب رسمي وقاطع : منع السياح الجزائريين من دخول تونس تهريج «فيسبوكي»    هذه حصيلة نشاط الشرطة البلدية في يوم واحد: حجز طن من الفرينة المدعمة ومواد أخرى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دور كارتل الكيمياء والصيدليّة في الحرب العالميّة الثّانية
الحروب، دروس التاريخ:
نشر في الشعب يوم 19 - 06 - 2010

لم الحديث عن الحروب في زمن السّلم؟ ثمّ هل هناك سلم حقيقي؟ ألا يعدّ للحروب والنّزاعات في أزمنة السّلم؟ من يقف وراء هذه الحروب؟ كيف السّبيل لتجنّبها ودرء مخاطرها؟ هل تكفي الشّعارات والنّداءات من أجل ضبط النّفس والتّريّث وتقدير العواقب؟
عرف القرن العشرين حربين عالميّتين ذهب ضحيّتها ملايين البشر وكانت لهما انعكاسات بيئيّة خطيرة؟ بعضهم يدّعي أنّ الحروب إيجابيّة بما أنّ من رحمها تنبع الثّورات ويستدلّون على ذلك "بالثّورات" التي عرفتها روسيا وبلدان أوروبا الشّرقيّة. لكن بعد قرن من الدّعاية والخطب الرنّانة هاهي الحقيقة تبرز من جديد ويظهر أنّ ما كان يحسب ثورة وتغييرا لم يخرج عن المعتاد بل قد يكون أسوء وأشدّ وطأة على الشّعوب.
سأتعرّض إلى الدّور المحوري لكارتل الكيمياء والصّيدليّة في الحرب العالميّة الثانية علما بأنّ هذا الكارتل لا يزال يحتفظ بنفس القوّة والتّأثير إن لم يكن ذلك بدرجة أعلى.
هل كانت الفاشية حدثا عرضيّا أو استثناء في تاريخ البشريّة وتاريخ الرأسماليّة المعاصرة بالذات أو أنّ بروزها قد ارتبط عضويّا بنموّ الصّناعة وتراكم الإنتاج وبروز النّزعة التّوسّعيّة للإنسان على حساب الكون والطّبيعة. لقد كان القرن العشرين قرن بروز الكارتلات خصوصا منها كارتلات الكيمياء والصيدليّة والصناعة الغذائيّة ومؤسّسات الصّناعة العسكريّة وكلّها ترتبط ببعضها وتتداخل إلى حدّ بعيد: فمن المبيدات والمتفجّرات والمفاعلات والتّحوير الجيني وهيمنة نزعة الاستهلاك والقضاء على الغابات والبحار ومجاري المياه واستنزاف الخيرات، من كلّ ذلك تنبع الحروب.
كتب "جوزاف بوركين" كتابا شهيرا تعرّض فيه إلى مسؤوليّة كارتل الصّيدليّة والكيمياء في الحرب العالميّة الثانية وبالذّات كارتال IG Farben . لقد كانت أضخم إمبراطورية اقتصاديّة في ألمانيا في النّصف الأوّل من القرن العشرين. هي مجموعة الألوان للمصالح "IG للألوان" وهي اتّحاد من شركات ضخمة هي BASF وBAYER وHOECHST التي أصبحت تسمّى اليوم AVENTIS وشركات كيميائيّة وصيدليّة أخرى Greishem, Ter Meer, Kaller, Agfa... لقد استعمل هذا الكارتل بقيادة Haber غازا خانقا في الحرب العالميّة الأولى ضدّ القوّات الفرنسيّة. فمنذ شهر ماي 1916 تمكّن كارتل الكيمياء والصّيدليّة من إنتاج النيترات الاصطناعي دون اللّجوء إلى المواد الأوّليّة المستوردة من الشّيلي. سخّرت شركة BAYER وهي فرع من كارتال IG Farben اليد العاملة البلجيكيّة للرّفع من الإنتاج. لكنّ جهود الكارتل باءت بالفشل بعد خسارة ألمانيا للحرب العالميّة الأولى وخضوعها لشروط مهينة لعلّ أهمّها دفع تعويضات عالية حدّدتها معاهدة فرساي.
بفضل تدخّل Carl Bosch المسؤول عن مؤسسّة BASF وقع إقناع الفرنسيّين بالتّخلّي عن شروطهم المجحفة مقابل اتّفاق عقدته الحكومة الفرنسيّة مع مجموعة IG Farben لإنتاج المواد الكيميائيّة بتقنيات وخبرات ألمانيّة. بالمقابل استعادت IG Farben
المؤسّسات التي افتكّت منها إثر الحرب العالميّة الثانية وأعفيت المؤسّسات الألمانيّة الخاضعة لها من دفع التّعويضات.
من ناحيتها عملت Du Pont وهي أهمّ مؤسّسات أمريكيّة لصناعة الملوّنات والمواد الكيميائيّة على الحصول على خبرة الألمان وبالتّحديد BAYER لكي تضمن احتكارها للسّوق الأمريكيّة.
تيقّن الدّكتور Carl Duisberg وهو أهمّ شخصيّة ألمانيّة في صناعة الملوّنات ومادّة Aniline في ذاك الوقت بأنّ المزاحمة الخارجيّة للمواد الكيميائيّة الألمانيّة أصبحت تشكّل تهديدا خطيرا. فاقترح في سنة 1923 تجميع أقسام التّصدير ودعّم Carl Bosch ذلك بل دعا إلى دمج كلّ مؤسّسات كارتال IG Farben وهكذا اندمجت الثّماني مؤسّسات في مؤسّسة واحدة.
لقد أصبحت IG Farben أقوى كارتل دولي للصيدلة والكيمياء وأصبح يحلم بتوسيع نشاطاته وتأثيره على كامل المعمورة.
أنشأت IG Farben في الولايات المتّحدة الأمريكيّة مؤسّسة General Deystuff Corporation وفرعا لها و دعمت علاقاتها مع مؤسّسة Standard Oil لصاحبها روكفلر لتوظيف خبراتها في ميدان الصّناعة الكيميائيّة وقد توفّرت لدى هذه الأخيرة إمكانيّات ماليّة جعلتها تتّحد مع IG Farben التي أصبحت تملك جزء من رأسمال Standard Oil والعكس أيضا إذ أصبح روكفلر يملك نسبة من رأسمال IG Farben.
على المستوى السياسي تميّزت الأحداث السياسيّة في ألمانيا ببروز الحزب القومي الاشتراكي أو النازي الذي تحصّل في سنة 1932 على 230 مقعدا من بين 608 مقعدا الرايشتاغ. طالب هتلر بتعيينه في حكومة تحالف بصفته مستشارا وقوبل طلبه بالرّفض. حينها تحالف البرلمانيّون من الحزب النّازي والحزب الاشتراكي الدّيقراطي الشّيوعي لإسقاط حكومة Van Papen وتقرّر حلّ البرلمان وتعيين انتخابات جديدة في نوفمبر 1932. تيقّن قادة كارتال IG Farben بزعامة Carl Bosch أنّ السّاعة قد حانت لتحقيق الحلم الّذي ما فتئ يراودهم وهو وضع أيديهم على مجمل الصّناعة الكيميائيّة والصّيدليّة في العالم وطالبوا من هتلر تقديم دعم لكرتال IG Farben من أجل إنتاج المحروقات الاصطناعيّة. هكذا قدّمت IG Farben دعما ماليّا للحملة الانتخابيّة لهتلر تساوي أربع مائة ألف مارك ألماني. في 5 مارس 1933 أكّد هتلر ل Carl Bosch دعمه لصناعة البترول الاصطناعي. في جوان 1933 ساهمت IG Farben مع الرايش الثالث في وضع برنامج سرّي لبناء قوّة عسكريّة بريّة سريّة وهذا في تعارض تامّ مع معاهدة فرساي. بلغت نسبة التّمويلات التي خصّصتها ميزانيّة الدّولة لقطاع الصّناعة الكيميائيّة 90 بالمائة من جملة الميزانيّة واحتفظت IG Farben ب72,7 بالمائة منها. في الحقيقة يمكن اعتبار مخطّط الأربع سنوات مخطط IG Farben. في 1937 زاد عدد المنخرطين في الحزب النّازي والمنحدرين من كارتال IG Farben ونذكر منهم على سبيل المثال Carl Krauch وFritz Ter Mer... في سنة 1938 تركّزت جهود IG Farben على الإعداد الفعلي لمقوّمات الحرب التّوسّعيّة التي كان هتلر عازما على القيام بها.
للحصول على مادّة الرّصاص Plomb-tétraéthyle الّتي تضاف لوقود الطّائرات توجّهت IG Farben لحليفتها في الولايات المتّحدة الأمريكيّة Standard Oil وقد زوّدتها هذه الأخيرة ب500 طنّا من هذه المادّة. هكذا أصبحت Standard Oil تمتلك 20 بالمائة من رأس مال IG Farben. في 11 مارس 1938 وبعد أيّام من دخول قوّات هتلر النّمسا قدّم قادة كارتال IG Farben مذكّرة لقيادة القوّات الغازيّة بعنوان: "تنظيم جديد للصّناعة الكيميائيّة في النّمسا" ويطالبون فيها بإلحاق المؤسّسات الكيميائيّة النّمساويّة بمؤسّستهم. كذلك هي الحال بالنّسبة لبولونيا في سنة 1939 لقد استعدّت IG Farben لامتصاص وإلحاق المؤسّسات الصناعيّة لكلّ من فرنسا والنّرويج وهولندا والدّانمارك واللّيكسمبرغ وبلجيكيا. تقرّر بعث أكبر مجمع كيميائي وصيدلي في منطقة أشويتز Auschwitz بدعم حكومي قدّر ب250 مليون دولارا وخضع للعمل بهذه المؤسّسات آلاف من المعتقلين في المحتشدات. لقد كان هذا المجمع يستهلك كميّة من الكهرباء تفوق ما تستهلكه مدينة برلين.
لقد كانت أضخم إمبراطورية اقتصادية في ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين. هي مجموعة الألوان للمصالح وباختصارIG للألوان". وهي اتحاد من شركات BASF و Bayerو Hoechst وشركات كيميائية ودوائية أخرى. يعدّ هذا الكارتل أكبر مموّل للحملة الانتخابية لهتلر. لقد كان بعد وصوله للحكم أكبر مستفيد من حملة الغزو الألمانية في الحرب العالمية الثانية إذ زودت مصانع الكارتل القوى النازية بالمواد المتفجرة والوقود الصناعي بنسبة 100% .
خلصت لجنة تحقيق أمريكية عام 1946 إلى القول بأنه لولا كارتل IG للألوان لما قامت الحرب العالمية الثانية قائمة.
لقد كانت آوشفتز أضخم ماكينة للإبادة الجماعية في تاريخ الإنسانية. إلا أن آوشفتز كان المركز الفرعي. أما المشروع الرئيسي فكان اسمه "آوشفتز IG " أكبر هيئة صناعية في العالم لإنتاج البنزين الصناعي والمطاط الضروريين لاحتلال أوروبا.
بتاريخ 1/3/1941 تفقد قائد البوليس السري في الرايخ برفقة مجلس الإدارة لكارتل IG للألوان" ورشة العمل.
وفي 7/4 احتفلوا بتشييد المعسكر. وبتاريخ 14/4/1941 كتب أوتو أمبروس Otto Ambros عضو مجلس الإدارة في الكارتل والمسؤول عن آوشفتز إلى زملائه في مدينة لودفكس هافن:
"ها هي صداقتنا الجديدة مع الجيش السري تؤتي ثمارها. فقد حددنا كل الإجراءات المتعلقة بتخطيط المعسكر لصالح شركتنا. يضاف لذلك كله أن قسم الصناعات الدوائية في كارتل IG للألوان قام باستخدام المعتقلين كحقل تجارب وخاصة لتجربة اللقاحات الجديدة."
لم يكن المعتقلون في حاجة إلى التفكير في الضمان والرعاية عند شيخوختهم. فالمرضى والضعفاء منهم كانوا يفرزون على بوابة المعمل التابع لمجمع IG ثم يحرقون. حتى أن معامل IG هي التي أنتجت الغاز السام Zyklon B والذي فتك بخمسة ملايين من البشر.
بالرغم من أن محاكم نورنبرغ لمجرمي الحرب قد أدانت 24 مديرا من مجمع IG بتهم الإعدام الجماعي واستعباد الشعوب وغيرها إلا أنهم كانوا طلقاء بحلول عام 1951 . صدر قرار من محاكم نورنبرغ بحظر الكارتل IG وتفكيكه إلى ثلاث شركات هي BASF, Bayer , Hoechst . أما اليوم فيبلغ حجم كل ربيبة منها 20 ضعفا مقارنة بالشركة الأم IG للألوان في زمن أوجها عام 1944 آخر سنين الحرب.
أما رئاسة مجالس الإدارة وهي قمة الهرم الإداري للشركات الثلاث BASF, Bayer , Hoechst فقد ظل يشغلها أعضاء في حزب العمال القومي الاشتراكي مدة 25 سنة بعد انتهاء الحرب . فرئيس مجلس إدارة BASF حتى عام 1974 كارل فورستر Carl Wurster شغل إبان الحرب عضوية مجلس الإدارة في معمل الغاز Zyklon B. أما كارل وناكرKarl Winnacker رئيس مجلس إدارة Hoechst حتى السبعينات فقد شغل عضوية مجلس الإدارة في IG للألوان وعضوية فرقة الاقتحام. وأما ثالثهم كورت هانزن Kurt Hansen فهو رئيس مجلس إدارة Bayer حتى السبعينات وقد كان أحد المنظمين للحملة الحربية فيما يسمى بالهيئة الرئيسية لتوفير المواد الخام.
أما في نظام ما بعد الحرب فقد ساندت ربائب الكارتل IG للألوان أولئك السياسيين الذين مثلوا مصالحهم . فقد دعمت شركة BASF في الخمسينات والستينات المستقبل السياسي نائبا صاعدا من أحد ضواحي مدينة لودفكس هافن (ألمانيا). ثم تطورت العلاقة لصالح الطرفين وبقي هذا النائب 16 سنة مستشارا لألمانيا وأصبحت شركات الصناعات الكيميائية والدوائية في عهد حكومته في قمة الشركات الضخمة المصدرة في العالم وقد كان لها فروع في أكثر من 120 دولة في العالم بما يفوق الكارتل في ذلك الزمان.
هكذا نرى أن للسياسة الألمانية الداعمة لمصالح الكارتلات الاقتصادية العالمية منها والألمانية تقاليد تفوق مائة عام.
على ضوء هذه الخلفية التاريخية نفهم الدعم الذي قدمته بون لمشاريع لجنة الدستور الغذائي Codex Alimentarius.
قد تنبأ رئيس المشتكين الأمريكيين ضد مدراء كارتل IG للألوان لدى محاكم نورنبرغ لمجرمي الحرب بهذا التطور عندما قال:" إن هؤلاء المتهمين هم مجرمو الحرب الأساسيون وليسوا أولئك المتطرفين النازيين القاصرين عن التمييز. فإذا لم يسلّط الضوء على مسؤولية هؤلاء المتهمين ثم يحاكموا فسيشكلون خطرا على السلام العالمي في المستقبل أكبر مما يشكله هتلر فيما لو كان حيا".
❊ دور البنوك الأمريكية
بعد فرض معاهدة فرساي على ألمانيا التي خسرت الحرب العالمية الأولى وإجبارها على دفع تعويضات قدّرت ب 123 مليار من الماركات ذهبا وتخصيص 26 بالمائة من صادراتها للتعويضات وما صاحب ذلك من انهيار للعملة وعدم احترام ألمانيا لتعهّداتها وما تلى ذلك من مساومات لخّصت في مخطّط DAWES ثم في مخطط OWEN YOUNG أقرّت الدول المنتصرة تقديم قروض لألمانيا. هكذا وقع تحويل أموال ضخمة من بنوك الولايات المتحدة الأمريكية إلى ألمانيا وقد ساهم هذا المجهود المالي في الإعداد للحرب العالمية الثانية. فإلى حدّ سنة 1936 تورّطت أكثر من 100 مؤسسة أميركية في بناء الآلة العسكرية الألمانية.
اتفقت مؤسسة روكفلر ومؤسسة IG Farben الألمانية على تقاسم مناطق النفوذ وهذا يعود بنا إلى ما قبل هذا التاريخ ب18 سنة حيث أدينت مؤسسة روكفلر بتقسيم الولايات المتحدة الأمريكية إلى مناطق نفوذ.
كانت IG Farben المساهم الرّئيسي في شركة روكفلر Standard Oilالتي تسمّى اليوم ESSO و EXXON والعكس صحيح أيضا بما أنّ مجموعة روكفلر كانت تتحكّم في 90% من النشاط البتروكيميائي في الولايات المتحدة الأمريكية. لا ننسى أن النفط هو المادة الأولية الأساسية للكيمياء المعاصرة. منذ سنة 1925 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان هناك تعاون وثيق بين IG Farben و Wall street بل لقد كسب العديد من مواطني الولايات المتحدة الأمريكية المساهمون في هذه الشركة وذلك إلى سنة 1942 والحال أن الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا كانتا في حالة حرب ولقد وفرت بواخر النفط الأمريكية النفط لنظام هتلر، هذا النفط الضروري للصناعة الكيميائية والصناعة الحربية للرايش. في سنة 1939 كانت مؤسّسة Standard Oil تمتلك 15% من رأس مال IG Farben. من المعلوم أنّ الحلفاء قد تجنّبوا تفجير مصانع IG Farben للحفاظ على مصالح روكفلر. جاء في مقال نشرته مجلة Philadelphia City Paper بتاريخ 18/01/2001 وبقلم Robert Lecherman "لقد كان لمؤسسات روكفلرو Duponts و Général Motors و Henry Ford والبنوك والمؤسسات التي على ملك عائلة بوش دورا هاما في دعم القدرات الصناعية لنظام هتلر".
❊ أهم المؤسسات المكونة لكارتل
هي المجموعة الكيميائية الألمانية وهي أضخم مجمع كيميائي عالمي. اليوم تمتلك هذه المؤسسة 160 فرعا ومؤسسة مساهمة وتنشط في 380 موقع إنتاج في العالم ز في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية وأمركا الجنوبية وأفريقيا... في سنة 2009 شغّل هذا المجمع 104 ألف شخصا من بينهم 48 ألفا في ألمانيا وبلغ رقم معاملاته 50.7 مليار يورو بينما بلغت أرباحه 3.07 مليار يورو.
كلمة BASF تشير إلى التعبير الألماني التالي : مؤسسة الأنيلين و"صودا الباد" وقد أنشئت في سنة 1865 واختصّت في إنتاج الملونات المستخرجة من القطران. ارتفع عدد عمال هذه الشركة من 7 آلاف في سنة 1900 إلى 24 ألف سنة 1920.في سنة 1925 أسست بالتعاون مع HOECHST و BAYER كارتال IG Farben الذي أصبح يمثل حجر الزاوية في المجهود الاقتصادي والعسكري للنظام النازي. هي أول من أنتج ملوّنات من نوع أليزارين واللون النيلي أو النيلة والكاوتش الاصطناعي والأمونياك والمبيدات وكانت أيضا رائدة في صناعة المواد الصيدلية. في سنة 1921 حدث انفجار في إحدى مصانعها أدّى إلى وفاة 565 شخصا. في سنة 1935 اخترعت BASF آلة التسجيل وقد قدّمت بذلك عملا جليلا للدعاية النازية.
حوكم قادة BASF في نورمبرغ بتهم مشابهة لحليفاتها أي الاستعباد وجرائم حرب ضد الإنسانية لكن ذلك لم يمنعها من استعادة سلطتها لتتوسّع دائرة سلطتها ونفوذها مع الاحتفاظ بنفس الاسم. اليوم تنشط في مجال الكيمياء والصيدلة والزراعة والتحوير الجيني وهي تعقد تحالفا مع مؤسسة مونسنتو Monsanto الرائدة في التحوير الجيني وصاحبة المادة البرتقالية السامة التي استعملت في حرب الفيتنام.
أنشئت مؤسسة HOECHST في سنة 1863 وقد اختصّت في إنتاج الملوّنات والأنيلين ومادة الفيشسين الحمراء اللون. في سنة 1883 شرعت في إنتاج مادة الكينوليين التي تستعمل في الصناعة الصيدلية لتخفيض الحرارة وفي صناعة الملوّنات. هكذا اقتحمت هذه المؤسسة ميدان الصيدلة. بفضل بحوثKOCH و BEHRING تمكّنت المؤسسة من إنتاج مواد مضادة لمرض السل والدفتيريا. أنشأت المؤسسة فروعا لها في فرنسا وانكلترا وروسيا. بعد الحرب العالمية الأولى وفرض معاهدة فرساي فقدت المؤسسة جزء هاما من تأثيرها وموقعها الدولي. لكن في سنة 1925 اندمجت في كارتل IG Farben وارتبطت بصفة وثيقة بالنظام النازي ودعّمته. في كتاب للمؤرّخ الألماني Stéphan H. Lindner المختص في التاريخ المعاصر من جامعة ميونخ تعرّض هذا الأخير إلى أرشيف هذه الشركة. جمع المِؤرخ عناصر بيوغرافية وتاريخا مدقّقا للملوّنات والمواد الصيدلية. رغم اندماجها مع مؤسسة Rhône-Poulenc لكي تفرز مؤسسة Aventis ثم Sanofi-Aventis فإنّ تغيير الاسم لم يحل دون اعتبار هذا المؤرّخ هذه المؤسّسة أساسا نازية بما أنها كانت تشكّل طرفا في المثلث الذي أسّس IG Farben.
بمجرّد ارتباطها بالنظام النازي عملت هذه المؤسسة على طرد اليهود واليساريين من صفوفها وسخّرت أشخاصا كفئران مختبر في المحتشدات المخصّصة لتجربة الأدوية. منذ سنة 1933 أشرف المدير Ludwig Hermann على انتقاء العمال والمختصّين من أصحاب المهارات من بين النازيين الملتزمين والنشطين بل كان يعتبر نفسه "ضابطا على رأس جيش من الجنود". من خلال دراسة ملفات العمال بهذه المؤسسة تبيّن أنها قد قامت بعملية فرز وطرد لبعض العمال وإحالتهم على المعاش. أثناء الحرب وبما أن الجزء الأكبر من العمال الألمان قد سخّروا للأعمال العسكرية قامت مِؤسسة HOECHST بسدّ هذا النقص عن طريق التشغيل القسري لليد العاملة الأجنبية وذلك في ظروف لا إنسانية ولإنتاج الملوّنات واللباس العسكري ل"الفيرماخت" والألياف الاصطناعية. لقد حوّلت الموقوفين في محتشد أشويتز كفئران مختبر وذلك بإخضاعهم لتجربة بعض الأدوية كالعلاج المضاد للتيفوويد الذي تسبّب في ارتفاع نسبة الوفيات في أوساط المساجين. هكذا وقعت تجربة خليط "3582" المضاد للتيفوس على المساجين بعد أن يقع تعريضهم للتعفن بجرثومة المرض. في محاكمة نورمبرغ وجّهت لمؤسسة HOECHST تهمتي الاستعباد وتسخير المساجين كفئران مختبر.
Bayer بنت من بنات IG Farben الثلاثة. هي مؤسسة مركزها Leverkusen بألمانيا وهي منتج للمواد الكيميائية والأدوية والمبيدات والمواد البلاستيكيّة. تشغّل هذه المؤسّسة 120 ألف شخصا في مختلف أطراف العالم ويبلغ رقم معاملاتها السنوي 28 مليار دولارا. تمثل الولايات المتحدة الأمريكيّة السوق الأولى لمؤسسة Bayer حيث توجد فروع لها كما تتواجد هذه المؤسسة في المكسيك والبرازيل وأفريقيا الجنوبيّة والهند وتايلنديا والصّين واليابان وعديد البلدان الأوروبيّة. تنشط Bayer في 4 قطاعات وذلك منذ 125 سنة.
تأسّست Bayer في سنة 1863 من طرف بائع مواد ملوّنة اصطناعيّة. بين سنة 1881 و1913 تحوّلت Bayer إلى مؤسّسة دوليّة مختصّة في المواد الكيميائيّة. ثمّ نوعت من نشاطاتها : التصوير الصيدلة. في سنة 1892 أنتجت Bayer مبيد Antinomine وفي سنة 1897 الأسبيرين وفي سنة 1915 الكاوتش الاصطناعي. عندما بدأت الحرب العالمية الأولى اندمجت Bayer في الاقتصاد الحربي وشرعت في إنتاج الآلات العسكريّة. فهي من دشّن الحرب الكيميائيّة بما في ذلك الغازات وأسست لذلك "مدرسة الحرب الكيميائيّة (School for Chemical war fare) كما اختصّت أيضا في صناعة المتفجّرات. كانت Bayer تنسّق نشاطاتها مع مؤسستي BASF و AGFA وذلك منذ 1905. بعد نهاية الحرب العالمية الأولى اندمجت هذه المؤسسات في مؤسسة IG Farben
جرائم Bayer تعود إلى بداية القرن العشرين. فخلال الحرب العالميّة الأولى اخترعت الحرب الكيميائيّة وأنشأت "مدرسة الحرب الكيميائيّة". بعد ثلاثين سنة أصبحت Bayer جزء من الكارتل الكيميائي IG Farben الذي تعاون مع هتلر. في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي أنتجت مبيدات الفوسفات العضوي (Sarin, tabun) وبيعت تحت أسماء تجاريّة متعدّدةE605, Folidol Nemacur, Fenthion .
من بين منتجات Bayer
- الأسبرين.
- غاز الخردل وهو سلاح كيميائي وقع استعماله في الحرب العالمية الثانية.
- غاز Tabun الذي يؤثر على الجهاز العصبي.
- المضاد الحيوي Cipro
في ظلّ النظام النّازي قامت شركة Bayer وهي فرع من مؤسسة IG Farben بتجارب طبية على المساجين الذين كانت تحصل عليهم من محتشدات هتلر. تشير مجلة Patriote Résistant في عددها لشهر فيفري 1947 إلى مقتطفات من 5 رسائل بعثت بها مؤسسة Bayer إلى المسؤول عن محتشد "أوزويتش (Auschwitz). نقرأ في هذه الرّسائل ما يلي:
الرّسالة الأولى: للقيام بتجربة مادّة معيّنة هل يمكنكم توفير بعض النسوة مع تحديد السعر وظروف نقل النسوة.
الرّسالة الثانية: لقد اطّلعنا على رسالتكم. نعتبر أنّ سعر 200 مارك للمرأة الواحدة مجحف ونقترح عليكم 170 ماركا للرّأس الواحد. نحن بحاجة ل160 امرأة.
الرّسالة الثالثة: لقد وافقنا على السعر الذي اقترحتموه. جهّزوا لنا 150 امرأة سليمة وسنبعث بمن سينقلهنّ.
الرّسالة الرّابعة: لقد وصلت مجموعة من 150 امرأة. لقد أصبتم الاختيار لكن النسوة هزيلات وضعيفات البنية. سنحيطكم علما بنتائج تجاربنا.
الرّسالة الخامسة: لم تكلّل تجاربنا بالنجاح فلقد توفيت كلّ النسوة. سنكاتبكم في المستقبل لكي تعدّوا مجموعة أخرى من النسوة.
كيف استطاعت شركة Bayer أن تلمّع صورتها وتعود بقوّة. في الحقيقة لم تقتصر هذه الشركة على إنتاج الأسبرين بل هي تنتج أيضا المواد الكيميائيّة والصيدلية. كيف تمكّنت هذه المؤسّسة من وضع شراكة مع منظمة الأمم المتحدة؟
تعتبر Bayer نفسها عضوا مؤسّسا لها بGlobal Compact هذه الشراكة التي تساهم فيها عديد المؤسسات الدوليّة بالاشتراك مع منظمة الأمم المتحدة. من الضروري قراءة مدى التزام Bayer بالمبادئ التسع لهذه الشراكة والتي تخصّ احترام حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة. فهذا السيّد Philip Mimkes عضو التحالف ضدّ مخاطر شركة Bayer يسرد علينا تاريخ هذا الالتزام !
اليوم تمثّل Bayer عضوا بارزا لتجمّع من مئات اللوبيات وهي تعارض وضع الحدود الجمركية وتدعو إلى التحرير الكامل للتجارة وتعارض كلّ الإجراءات التي تخصّ البيئة والصحّة والتي تحدّ من هذه الحريّة.
ساهمت Bayer بنشاط في بعث ما يعرف بTransatlantic Business Dialogue أين تتجمّع الشركات متعدّدة الجنسيات الأوروبية والأمريكيّة لتؤثّر في السياسات وذلك باتجاه مزيد من التحرير.
في سنة 2002 ساهمت Bayer بالاشتراك مع BASF وكلاهما من إفراز IG Farben في وضع شراكة من منظمة الأمم المتحدة (Global contact). تبرز Bayer تعاونها مع منظمة الأمم المتحدة وذلك بتخصيص افتتاحيتها لخطاب كوفي عنان حول "التنمية المستديمة". كما تروّج لدورها في مقاومة تشغيل الأطفال وتجنب ظهور مناعة البكتيريا تجاه المضادات الحيوية.
تحتل Bayer المرتبة الثالثة في إنتاج مبيدات الأعشاب الطفيلية كما تهيمن على سوق مبيعات الحشرات وهذه الأخيرة هي المسؤولة الأولى عن حالات التسمم المسجلة في بلدان الجنوب. تشير المنظمة العالمية للصحّة إلى أنّ حالات التسمم المسجّلة قد بلغت 2 مليون حالة وأنّ الرقم الحقيقي يفوق 10 مليون حالة. يموت 200 ألف شخصا سنويا بفعل التسمم بالمبيدات.
في سنة 1995 وعدت Bayer بسحب مبيداتها الأكثر سمومة من السوق ولكنّها واصلت بيعها لهذه المواد التي اعتبرتها المنظمة العالميّة للصحّة خطيرة جدّا. لكن Bayer اعتبرت أنّه على مستعملي المبيدات أن يتّخذوا الاحتياطات الضرورية للحدّ من التسمّم بالمبيدات. وضعت Bayer مشروع Agrovida في أمريكا اللاتينية وقد أهّلت آلاف المزارعين لاستعمال المبيدات. لكنّ المنظّمة العالميّة للتغذية والزراعة تطالب المؤسسات بحصر بيع المبيدات لمهنييّن متحصّلين على شهائد ويرتدون ألبسة واقية وهو ما لم تحترمه. Bayer فحتّى في البرازيل أين طبّق مشروع Agrovida فلقد تسمّم مئات المزارعين في حقول القهوة وأدّى ذلك إلى وفاة 30 مزارعا. كما وقع تلميع صورة المبيد Baysiston وإخفاء مخاطره إلى درجة أنّ الكثير من المزارعين كانوا يعتقدون أنّ Baysiston سماد مغذّي للتربية. لقد أشار القاضي الذي كلّف بملفّ التسمم بهذا المبيد إلى عملية الإشهار المغلوطة التي قدّمته بأنّه خال من أيّ مخاطر. وقع ترويج المبيد Gaucho منذ 1999 ولقد أشار مربو النحل في فرنسا أنّ ما يقارب 500 ألف خلية نحل قد اندثرت بفعل هذا المبيد ورفعوا قضايا ضدّ Bayer
في سنة 2006 سحبت Bayer مبيدها المعروف بGaucho لأنه يقتل أسرابالنحل. في أكتوبر 1999 توفي 24 طفلا من البيرو نتيجة لتسممهم بالمبيد Parathion-méthyle الذي تنتجه وارتفعت حصّة Bayer من مبيعات المبيدات في آسيا خلال السنوات الأخيرة ومثلت 13,6 بالمائة من رقم معاملاتها.
تنتج Bayer أيضا مبيد Clorthianidine الذي لم يحصل سوى على ترخيص محدود في كندا نظرا لسمومته العالية وقضائه على أسراب النحل والطيور وتأثيره السلبي على صحّة الإنسان. يتسرب هذا المبيد إلى التربة ويمكن أن يبقى من سنة إلى أربع سنوات والحال أنّ البلدان الأوروبية تضع حدّا أقصى لبقاء المبيدات في التربة ب90 يوما.
تختصّ Bayer أيضا في حرق نفايات لحساب 300 مؤسّسة عالميّة..
في ما يخصّ التزام Bayer بمقاومة مناعة البكتيريا تجاه المضادات الحيويّة فإنّ الحقيقة تفنّدها تماما. فهذه المؤسّسة تنتج المضادات الحيوية ومنها مضاد Cipro الصالح للبشر و Baytirللحيوان (وهو من نفس الصنف). من بين أسباب ظهور هذه المناعة تغذية الماشية والحيوانات بصفة عامّة بمواد تحتوي على مضادات حيوية (الخنازير-الطيور-الأبقار...). تقدّم للحيوانات مضادات مؤسّسة Bayer وقد ساهم ذلك في ظهور بكتيريا Campylobacter منيعة ضدّ Cipro حسب مؤسّسة مراقبة الغذاء والأدوية FDA بالولايات المتّحدة الأمريكيّة. صنّفت مجلّة Multinational Monitor Washington مؤسسة Bayer ضمن قائمة من "العشر مؤسسات السيئة لسنة 2001".
Bayer أيضا هي المؤسّسة التي صنعت دواء Lipobay/Baycol المخفض للكولسترول والذي تسبب في وفاة 100 شخصا.
في سنة 1990 اتهمت Bayer بتصدير دم ملوّث إلى اليابان وقد اضطرت المؤسسة إلى دفع تعويضات للمتضرّرين.
في 22 ماي 2003 جاء في مجلّة نيويورك تايمز أنّ مؤسّسة تابعة ل Bayer قد باعت لبلدان في آسيا وأمريكا اللاّتينيّة أدوية ملوّثة بفيروس الأيدز وبعلم مسبّق منها.
في سنة 2003 وقع إعادة هيكلة Bayer وأصبحت تظمّ تجمّعات بحيث كلّفت كلّ مؤسسة خفية الاسم بقطاع : الكيمياء الزراعية، الصحّة، مواد البناء، الكيمياء.
في 2006 وقع اكتشاف كميات من الأرز العادي ملوثا بنوعية من الأرز المحوّر جنيّا (LL601) الذي أنتجته Bayer والذي لم يسمح له بان يكون غذاء للبشر. ثم ظهر أن كميات من الأرز بألمانيا وإيطاليا وسويسرا وهولندا وبلدان الشرق الأوسط والخليج هي الأخرى ملوثة بهذا الأرز غير الصالح لغذاء البشر. توقفت كلّ من أوروبا واليابان عن توريد الأرز من الولايات المتحدة الأمريكية وقد لحقت بها كوريا الجنوبية. إثر هذه الفضيحة انحدر ثمن الأرز في الأسواق الدولية. يعود هذا التلوث إلى تجارب Bayer في الأراضي الزراعية دون أخذ الاحتياطات اللازمة لعزلها عن محيطها.
في سنة 2007 منعت البرازيل ترويج الذرّة المحوّرة جينيّا لمؤسّسة Bayer لعدم احترامها قواعد الأمان البيولوجية ممّا أدّى إلى تلويث الذرّة العاديّة.
في سنة 2007 وقع اكتشاف كميّات من الكولزا Colza ملوّثة بكولزا محوّرة جينيّا ومتقبلة لكميات لا حصر لها من مبيد الأعشاب.
❊ أسماء يذكرها التّاريخ
من بين الشّخصيّات النّافذة في كارتال IG Farben والّذين حوكوا في نورمبرغ بتهمة جرائم ضدّ الإنسانيّة والبالغ عددهم أربع وعشرون نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
Fritz Ter Meer (1967-1884):
وهو عضو في اللّجنة التّنفيذيّة لكارتل IG Farben بين سنوات 1926 و 1945 وهو عسكري ومدير صناعي مسؤول عن أشويتز. حوكم بتهمة "الاستغلال" و"الاستعباد" بسبع سنوات !! ثمّ غادر السّجن في سنة 1952 ليصبح مدير مؤسّسة Bayer ثمّ رئيس مجلس إدارتها بين سنوات 1956 و1964 كما أنّه أصبح عضوا بارزا في جمعيّة بنوك ألمانيا الغربيّة.
كارل كروش Carl Krauch (1987-1968)
عضو في اللّجنة التّنفيذيّة ل IG Farben بين سنوات 1440 و1945 ومدير الشّؤون الاقتصاديّة للرّيش وهو قائد عسكري ومختصّ في القضايا المتعلّقة بالصّناعة الكيميائيّة. حوكم بتهمة استعباد المساجين ب6 سنوات وغادر السّجن سنة 1950 ليتقلّد مناصب هامّة في مؤسّسات ألمانيّة.
كارل ورستل Carl Wurster (1900-1974)
عضو في اللّجنة التّنفيذيّة لمؤسّسة IG Farben بين سنوات 1938 و1945 مدير Degesch المؤسّسة التي كانت تصنع غازا خانقا لبيوت الغاز وشغل منصب مسؤول عن المجموعة الاقتصاديّة العسكريّة في حكومة هتلر. حوكم بعدم سماع الدّعوى في نورمبرغ. في سنة 1952 أصبح رئيس مجلس إدارة مؤسّسة BASF وعضوا في مجالس إدارة عديد المؤسّسات العالميّة الكبرى.
-V-الدستور الغذائي ودور المؤسسات الوارثة ل IG Farben في فرض معاييره
في وثيقة رسمية تحت عنوان "أضواء على الدستور الغذائي" الدستور الغذائي والمستقبل نقرأ ما يلي: "الدستور الغذائي عبارة عن مجموعة من المواصفات الغذائية الدولية التي أقرتها هيئة الدستور الغذائي. يغطي هذا الدستور جميع الأغذية الرئيسية مصنعة كانت أو شبه مصنعة أو طازجة. علاوة على ذلك يشمل الدستور الغذائية المواد التي تستخدم في المنتجات الغذائية لتحقيق الأهداف الرئيسية أي حماية صحة المستهلكين وتيسير الممارسات النزيهة في تجارة الأغذية. تتعلق نصوص الدستور بنوعية التغذية من ناحية النظافة العامة والناحية الغذائية بما في ذلك المعايير الميكروبيولوجية والمواد المضافة إلى الأغذية ومخلفات العقاقير البيطرية ومبيدات الآفات والملوثات ووضع البيانات على العبوات وعرضها وطرق أخذ العينات وتحليل المخاطر. كما تشكل المواصفات المختلفة ومدونات الممارسات الاستشارية والخطوط التوجيهية وغير ذلك من التدابير الموصى بها جزءا مهما من مدونة الأغذية العامة. يمكن القول دون مبالغة أن الدستور الغذائي هو أهم مرجعية دولية في المسائل المتعلقة بجودة الأغذية. علاوة على ذلك فلقد أسفر وضع هذا الدستور عن إجراء بحوث علمية ذات صلة بالأغذية وعن تعميق وعي المجتمع العالمي بالقضايا الحيوية موضع الاهتمام ألا وهي جودة الأغذية وسلامتها والصحة العامة".
❊ ما الحاجة لدستور غذاء عالمي؟
ظهر الدستور الغذائي العالمي Codex Alimentarius في سنة 1963 من خلال هيئة مشتركة بين المنظمة العالمية للصحة ومنظمة الأغذية والزراعة و ذلك بارتباط بنمو التجارة العالمية للمواد الغذائية وبتطور قطاع الصناعة الغذائية. فلقد نصت المبادئ العامة للدستور الغذائي إلى أن الهدف من وضعه هو "توجيه وتعزيز عملية وضع وتحديد تعريف للأغذية واشتراطاتها من أجل المساعدة على تحقيق التنسيق بينها والإسهام من ثمة في تيسير تدفق التجارة الدولية".
هي إذن جهاز دولي مهمته وضع أسس قانونية خاصة بالغذاء وتحديد مواصفات دولية موحدة ومراجعتها بصفة دورية وهو يتكون من أجهزة فرعية مختصة ويشغّل خبراء في شتى الميادين المتعلقة بجودة الغذاء ومواصفاته وسلامته ومجالات علف الحيوان والأغذية المستمدة من التقانة الحيوية أو البيوتكنولوجيا وهي قاعدة أساسية للاتفاقات التجارية الثنائية ومتعددة الأطراف والخاصة بتحرير تجارة المواد الزراعية.
تظم هيئة الدستور الغذائي معظم بلدان العالم وتعقد دورات منتظمة تصدر عنها تقارير جديدة ومرجعات يقع اعتمادها في تحديد مواصفات المواد الغذائية.
إذن على كل بلد أن يراجع مواصفات مواده الغذائية المخصصة للتجارة الداخلية أو المعدة للتبادل التجاري الدولي وهذا يستدعي تناسق وتجانس القوانين الخاصة بالغذاء وصولا إلى تبني مواصفات دولية موحدة وهذا من شانه أن ييسر المبادلات التجارية الدولية. فلقد فاق حجم المبادلات التجارية الدولية للمواد الغذائية 500 مليار دولار سنويا.
يرى خبراء المنظمة العالمية للأغذية الزراعة ومنظمة الصحة العالمية وهيئة الدستور الغذائي أن
"تحقيق التناسق بين القوانين الغذائية للبلدان واعتمادها لمواصفات متفق عليها دوليا من شانه الحد من الحواجز التي تعترض التجارة وتيسير حرية انتقال المواد الغذائية بين البلدان الأمر الذي سيكون في صالح المزارعين و أسرهم و سيساعد أيضا على الحد من الجوع والفقر".
إلى أي حد ساهم الدستور الغذائي في تامين مواد غذائية سليمة وفي ضمان تجارة عادلة والحد من الفقر والمجاعة وخدمة المنتجين والمستهلكين؟ ماذا بعد 35 سنة من فرض الدستور الغذائي العالمي؟ في محاضرة ألقاها الدكتو Rima E.Laibow المختص في أمراض الأعصاب في سنة 2005 ونشرت على موقع HEALTH FREEDOM USA ومن خلال مراقبة نشاط هيئة الدستور الغذائي العالمي لمدة 10 سنوات خلص إلى أن هذه الهيئة ليست إطارا لتدعيم الصحة العمومية وحماية المستهلك ولكنها بالأساس هيئة تجارية هدفها الوحيد هو خدمة مصالح الشركات المتعددة الجنسية الكبرى كمؤسسات الكيمياء والبيوتكنولوجيا وقطاع الصناعة الغذائية...
فبين سنة 1950 وسنة 2008 ارتفعت نسبة الإصابة بمرض السرطان ب300% بينما خسرت المواد الغذائية 50% من مكوناتها الغذائية (فيتامينات وأملاح) نتيجة لاستعمال المبيدات وتراجع التنوع البيولوجي وظهرت في الأثناء 500 مادة كيميائية جديدة مخصصة لقطاع الغذاء والزراعة واستفحلت المجاعة في العالم .
نظريا كل البلدان حرة في تبني معايير ومواصفات الدستور الغذائي أو رفضها. لكن هذه المعايير معتمدة من طرف المنظمة العالمية للصحة وهي مرجع يقع اعتماده في حل الخلافات التجارية العالمية الخاصة بالمواد الغذائية. عمليا فان البلدان الأعضاء في المنظمة العالمية للصحة مجبرة على اعتماد هذه المعايير والتوجيهات الخاصة بالفيتامينات والمكملات الغذائية والمواد المتأتية من الزراعة العضوية والمواد المحورة جينيا والملصقات والإشهار والمواد المضافة وبقايا المبيدات والقضايا المتعلقة بالصحة.
هل يمكن اختزال الحياة في معايير والحال أن السمة الأساسية للحياة هي التنوع والتشعب. يرى Jean Pierre Berlan الخبير الزراعي و صاحب كتاب "الحرب ضد الكائنات الحية" أن من خصائص الطبيعة أنها تدرّ علينا بخيراتها بصفة مجانية وبوفرة. لكن هذه المجانية تتناقض مع مصلحة المصنعين وكبار التجار. لذا توجّب على هؤلاء اكتساح المجالات المحدودة التي يحتلها المزارعون الصغار والذين لا تتوفر لديهم الآلات كالثلاجات الكبرى وآلات التخزين. فباسم الحفاظ على الأجبان من التلوث بيكتريا اللستيريا listeria اضمحلت أو تكاد المؤسسات العائلية المختصة في هذا الميدان وكذلك هي الحال بالنسبة للمسالخ المحلية والمطاعم الصغيرة التي فرضت عليها مواصفات القطاع الصناعي. ففي البلدان الصناعية وفي اغلب الحالات لم يعد ممكنا إعداد الطعام محليا في بيوت الشيخوخة والمطاعم المدرسية والمحاضن واستعيض عن ذلك ي"المطاعم الصناعية".
خلف القواعد والأمور القانونية والوثائق التقنية وكراسات الشروط يختفي اتجاه نحو توحيد المعايير وفقا لمواصفات القطاع الصناعي والتي وضعها دستور الغذاء. "المواصفة تسمح بإنتاج عقلاني على قاعدة التقنيات المعتمدة". إذن لا مجال للابتكار والتصور مادامت العقلانية الجديدة التي خططت لها ربيبات IG Farben تفترض الالتزام بقواعد مضبوطة من طرف الدستور الغذائي. فهذه المواصفات تفرض على سبيل المثال غسل الخضر في مسابح تحتوي على مادة الكلور وتشعيع الغذاء واللّف المكثف أو الحزم emballage التي تفترضه ضرورة الحفاظ على سلامة غذاء يقع نقله على امتداد آلاف الكيلومترات. إذن هي مواصفات لا تخص المواد الغذائية الطازجة المنتجة و المستهلكة محليا.
يحول دستور الغذاء دون ترويج وتبادل وبيع البذور التقليدية غير المسجلة أو تلك المواد التي وقعت معالجتها بطرق تقليدية ومحلية (استعمال المناقيع وسماد النباتات كسماد القراص الذي وقع منعه والعطور الزيتية). فلا يمكن بيع مواد لم تحصل على ترخيص رسمي (autorisation de mise sur le marché). هذا ما حصل بالنسبة لمؤسسة Kokopelli المخصصة في جمع البذور الأصلية والتي منعت من بيعها ووقعت تخطئتها بآلاف الدولارات. يحدد دستور الغذاء مواصفة خاصة بالمواد التي خضعت للتشعيع (irradiation). كلما لم يبلغ التلوث الإشعاعي حدا معينا فإن هذا التلوث لن يؤخذ بعين الاعتبار: "هي المواد الغذائية الملوثة بالإشعاع بصفة محدودة" و التي يمكن ترويجها.
في الحقيقة وبعد كارثة تشرنوبيل ومع تقادم المولدات النووية في العالم وتسرب المواد المشعة إلى المحيط وانتشار المواد الغذائية الملوثة بالإشعاعات سعت مؤسسات الصناعة الغذائية إلى الحد من القيود الخاصة بالإشعاعات والتي قد تمثل عائقا أمام تجارة المواد الغذائية بل أنها فرضت على الدستور الغذائي تبني موقفها الرافض لكل مقاضاة قانونية لمنتجي هذه المواد الغذائية الملوثة بالإشعاعات. من الغريب أن أكثر من نصف أعضاء هيئة الدستور الغذائي العالمي مرتبطون بصفة مباشرة أو غير مباشرة بقطاع الصناعة الصيدلية التي لها امتدادات في قطاع الزراعة وإنتاج البذور والمبيدات و المواد المضافة للغذاء....
من ناحية أخرى وأمام تعاظم الخوف من المواد الغذائية الصناعية وبروز دراسات عديدة تؤكد المخاطر الناتجة عن استعمال المبيدات وتلوث الغذاء بالمواد الكيميائية عرفت الزراعة العضوية تطورا هاما و هذا ما أثار اهتمام هيئة دستور الغذاء العالمي. خلال السنوات الأخيرة اهتمت هذه الهيئة بتوسيم (الملصقات) الغذاء العضوي أي تحديد بيانات خاصة بهذا الغذاء. ستسمح المواصفات الجديدة للأغذية المتأتية من الزراعة العضوية باستعمال ثاني أكسيد الكبريت الذي يتسبب في حالات حساسية ونيتريت الصوديوم ونيترات الصوديوم المتسببان في حالات سرطان وفي نشاط مفرط لدى الأطفال وكذلك مادة Carraghénine التي قد تتسبب في قروح في المعي وأورام سرطانية في المعي. في أواخر 2006 أجاز دستور الغذاء استعمال مادة الأثيلين Ethylène في الغذاء المتأتي من الزراعة العضوية. تتسبب هذه المادة الكيميائية في عملية نضج اصطناعية للغلال والخضر و ذلك أثناء فترة نقل المواد الغذائية.
ماذا سيبقى من الغذاء العضوي إذا ما أجزنا استعمال مثل هذه المواد الملوثة والخطيرة على الصحة. يشير السيد Anthony Taylor ممثل الفيدرالية الوطنية الألمانية للصحة في جلسة هيئة دستور الغذاء المنعقدة في نوفمبر 2007 بألمانيا إلى الأسباب الحقيقية لاهتمام دستور الغذاء بالمواد العضوية. فهذه المواد تباع بأسعار تفوق أسعار المواد الغذائية المتأتية من الفلاحة المصنعة. فالمواد العضوية غنية بالمغذيات والفيتامينات والأملاح ولا تحتوي على بقايا المبيدات. إن مزاحمة المواد العضوية تشكل خطرا على صناعة الغذاء ومؤسسات الصيدلة العالمية بما أنها تفرض تحديد الطلب على المبيدات والأسمدة والأدوية البيطرية والبذور المحورة جينيا (وكلها لا تستعملها الزراعة العضوية). ثم إن بذور الزراعة العضوية لا تخضع للبراءة وليست ملكا خاصا لأي مؤسسة ويمكن تبادلها وإهداءها. إذن تسعى مؤسسات الصيدلة والغذاء الصناعي إلى اقتحام ميدان الزراعة العضوية وفرض مواصفات جديدة تؤدي حتما إلى القضاء على الزراعة العضوية وإلغاء الفروق بينها وبين الزراعة الكيميائية.
أما بالنسبة للغذاء والبذور المحورة جينيا فلقد تبنت هيئة دستور الغذاء التوجهات الأولى والمبادئ الخاصة بالمواد المحورة جينيا وذلك منذ سنة 2003 وقد اعتمدتها كل من الولايات الأمريكية وكندا والأرجنتين في الخلاف التجاري بينها و بين بلدان أوروبا الرافضة للمواد المحورة جينيا.
إن اعتماد هذه المواصفات سيفرض على كل البلدان ضرورة استيراد المواد المحورة جينيا وإلا تعرضت لعقوبات وخطايا. تحتل المؤسسات الصيدلية الكبرى مثل BASF و BAYER وهما مؤسستان كانتا تنتميان لمؤسسة IG Farben التي دعمت هتلر في حملته الانتخابية موقعا رياديا في إنتاج البذور المحورة جينيا الخاضعة لمبدأ البراءة.
يعتبر الدستور العالمي للغذاء كل ترويج لمعلومات بديلة تتعلق بالصحة والفيتامينات والمغذيات ضربا من المروق والخروج عن القانون. فلقد أقرت اللجنة الفرعية الخاصة بتوسيم المواد الغذائية (الملصقات) والتي وقع بعثها منذ سنة 1965 بوضع عوائق تحول دون إعلام المستهلك بفوائد المكملات الغذائية ودورها في الوقاية من الأمراض وعلاجها. ابتداء من سنة 2005 أقر الدستور القرارات توجيهية عرفت بالقرارات التوجيهية الأوروبية الخاصة بالمكملات الغذائية والتي تفرض على المنتجين الالتزام بها وإلا تعرضوا إلى خطايا. تهدف هذه القرارات إلى القضاء على قطاع إنتاج المكملات الغذائية واستبدالها ب 28 مادة اصطناعية تخضع للبراءة وعلى ملك المؤسسات الصيدلية وتباع حصرا في الصيدليات. على المدى المتوسط تهدف هذه القرارات إلى القضاء على قطاعات الطب البديل وفرض تشعيع الغذاء بمادة الكوبلت Cobalt كما تهدف إلى احتكار إنتاج وتجارة الحوامض الأمينية وزيوت السمك والفيتامينات والأملاح من طرف شركات الصيدلة.
"لنوقف التطور المتسارع للفيتامينات والمكملات الغذائية والعلاج بالنباتات التي أدت إلى تراجع مبيعات المواد الصيدلية". هذا هو شعار خليفات IG Farben. فمنذ التسعينات فرض على الحبوب الحاوية لأكثر من نصف غرام من فيتامين ج اعتبارها دواء يباع في الصيدليات.
يعتبر الدكتور Rima E.Laibow المختص في أمراض الأعصاب أن اعتماد مواصفات دستور الغذاء قد سمح بترويج المبيدات الأكثر سمومة وضررا على الصحة رغم أن هذه المواد وقع رفضها من طرف 176 بلدا بينما سيصبح ترويج الفيتامينات والأملاح النافعة للصحة عملا لا قانونيا. في الوقت الذي يتسامح فيه دستور الغذاء مع المواد المضافة للغذاء والمبيدات و كلها مواد تنتجها مجمعات الصيدلة والغذاء الدولية هاهي تحرم الملايين بل المليارات من منافع المغذيات و الأملاح.
لم تعترف أفريقيا الجنوبية بمواصفات دستور الغذاء خصوصا وأنها تحرم الملايين من العلاج البديل لأوبئة كالأيدز و تفرض مبدأ البراءة على الأدوية. كذلك الحال بالنسبة للهند بما أن هذا الدستور قد أجاز بيع مواد غذائية للأطفال تحتوي على مواد كيميائية تسببت في التهابات وفي القضاء على نسيج الجهاز العصبي للرضع. من المعلوم أنه قد وقع تجاهل ممثّل الهند في نقاشات هيئة الدستور حول هذا الموضوع وعندما ألحّ على تبليغ صوته أجبر على مغادرة الجلسة وأطرد من قاعة النقاشات. كذلك هي الحال بالنسبة لجمعية الأطباء والجراحين بالولايات المتحدة الأمريكية والأطباء البريطانيين المهتمين بالعلاج الطبيعي. فكيف يسمح ببيع 260 ألف دواء كيميائي والحال أن المنظمة العالمية للصحة تعتبر أن هناك 26 دواء أساسيا وتمنع مؤسسات الطب الطبيعي ومنتجي المكملات الغذائية والمواد الغذائية العضوية من الترويج لموادها والتعريف بمزاياها ومنافعها على الصحة. إنها "الحرب ضد الكائنات الحية " التي أشار لها المفكر والخبير الزراعي Jean Pierre Berlan والتي تمثل لعمري آخر الحروب لأن نتائجها العملية هي القضاء على جزء هام من البشرية إما جوعا أو مرضا. إنها أيضا "تجارة الصحة" التي تدر لأصحابها مئات المليارات.
أمام هذا الخطر الداهم عرف العالم يقظة تجلت معالمها في تنامي الحركة العالمية المناهضة لدستور الغذاء وتراجع ثقة المواطن بالصناعة الصيدلية وهي ذاتها التي تتحكم في صناعة الغذاء والبذور والمواد الكيميائية وهي أيضا المؤسسات التي تقف وراء فرض مواصفات دستور الغذاء بدعوى حماية المستهلك. فلقد وقّع أكثر من 600 مليون مواطنا على عريضة تكشف ألاعيب وأغراض القوى التي تقف وراء دستور الغذاء.
لا نبالغ إذا قلنا أن دستور الغذاء العالمي Codex Alimentarius ومواصفاته ليست سوى "تقنيات القوي في مواجهة إبداعات الضعيف" كما جاء ذلك على لسان أحد المختصين في المواصفات. فالمواصفة ليست في الحقيقة وكما جاء في إحدى تعريفاتها سوى "تقنين وتشريع الأمر الواقع" أي تقنين التوجهات التي تفرضها المؤسسات العالمية الكبرى لتصبح "علما" مصطنعا يسلط على رقاب المزارعين والحرفيين والشعوب والمجموعات والأفراد وهي أداة لفرض هيمنة المؤسسات الكبرى على ما تبقى من الجيوب التي لا زالت إلى حد ما خارج سيطرتها وبالأساس الكائنات الحية من نبات وحيوانات وأملاح ومغذيات وأساليب علاج. هي بخلاصة دكتاتورية الغذاء والدواء باسم العقلانية وتحت غطاء حماية المستهلك الذي لم تقع استشارته ولو يوما واحدا في تحديد المواصفات.
❊ خلاصة
لقد كان هتلر هو ذاته IG Farben وهذه الأخيرة هي الّتي بعثت هتلر وسلطته للوجود. لم يكن هتلر ولا الفاشيّون قادرين على الصّعود إلى السّلطة لولا دعم كارتل الصيدليّة والكيمياء والمتجسّد في IG Farben. لكنّ الغريب أنّ معظم المؤرّخين والمسؤولين ورجال الإعلام يتجاهلون هذه الحقيقة أو يتغافلون عن ذكرها.
بفضل الوثائق الّتي وفّرتها جامعة هارفارد وبعض الوثائق التي عثر عليها إثر الحرب العالميّة الثانية والتي وقع الكشف عن جزء ضئيل منها أصبح من الممكن مراجعة هذا التّاريخ بما يكشف الدّور المحوري لقطاع الكيمياء والصّيدلة في هذه الحرب المدمّرة.
من المعلوم أنّ أغلب الّذين حوكموا من كارتال IG Farben بتهمة جرائم ضدّ الإنسانيّة قد وقع إطلاق سراحهم وتسلّل معظمهم إلى أهمّ المؤسّسات الصّناعيّة. فإلى حدّ السّنوات السّبعين كان الرّؤساء المديرون العامّون لمؤسّسات BASF وBAYER و HOECHST (الّتي اندمجت بعد ذلك في Aventis) أعضاء بارزين في الحزب النّازي.
IGFarben هي المؤسّسة الّتي دعّمت هتلر وهي صاحبة الغاز القاتل Zyklon B الّذي استعمل في محتشدات الموت وهي المسؤولة عن موت 6 ملايين شخص. لقد شغّلت 190 ألف شخص من بينهم 80 ألف معتقل واستعملت أرواح بشريّة كفئران مختبر.
في محاكمة نورمبرغ لم يتلقّي هؤلاء المسؤولون العقاب الّذي يستحقّونه وبما يتماشى مع أعمالهم الإجراميّة وهذا بتأثير من روكفلر الّذي كانت له علاقات وطيدة مع هذا الكارتل ولازالت هناك جمعيّات ومؤسّسات تطالب إلى يومنا هذا بمراجعة التاّريخ بما يبرز المسؤوليّات الحقيقيّة.
من سخرية التّاريخ أنّ وثيقة قدّمت من محاكمة نورمبرغ تمثّلت في رسالة بعثها مدير كارتال IG Farben إلى الحكومة النازيّة في 20 جويلية 1940 أي بعد مدّة وجيزة من الانتصار على فرنسا تشير إلى الوسيلة الّتي ستحكم بها IG Farben قبضتها على أوروبا:"عملة أوروبيّة واحدة، قانون موحّد، ونظام قضائي موحّد" تحت إدارة النّظام النّازي IG Farben.
من سخرية التاريخ أيضا أنّ Walter Hallstein (1901-1982) الّذي كان من بين المسؤولين الإثني عشر الّذين وقّعوا معاهدة روما للإتّحاد الأوروبّي كان نازيّا ملتزما في أستاذ القانون وضابطا في الجيش النّازي وقد ساهم في تحرير الوثيقة الخاصّة بالسّياسة الزّراعيّة للإتّحاد الأوروبّي. يحفظ له التّاريخ مقولته الشّهيرة في سنة 1939:"من بين القوانين الأكثر أهميّة (والخاصّة بالبلدان الأوروبيّة المستعمرة) قانون حماية العرق الألماني"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.