أنتجت الثورات تاريخيا قياداتها السياسية التي افتكت السلطة، و أقامت مباشرة محاكمها الشعبية لمحاسبة رموز الفساد و الاستبداد في الأنظمة السابقة لها، و عاشت الشعوب لحظات ما بعد ثورية دموية و عنيفة، صفى فيها الثوريون أعداء الثورة. غير أن ثورات نهايات القرن العشرين لم تعرف نفس النهايات، و عجزت الجماهير عن افتكاك أدوات السلطة، مثلما هو حال «الثورة التونسية». و عجزت تبعا لذلك عن محاسبة الفاسدين. و هو ما خلق حالة من التوجس و الخوف من أن يعيد الاستبداد و الفساد تنظيم نفسه و الاستفادة من الانتقال الديمقراطي، ليبقي نفس العلاقات الاجتماعية والسياسية القائمة على منطق الزبونية و الموالاة . و تمت لتجنب ذلك صياغة مفهوم جديد «العدالة الانتقالية» لتجنب ذلك من جهة و لتجاوز حالة العجز الثوري عن المحاسبة الحقيقية. و لتحقيق ذلك تم وضع آليات يمكن إجمالها في ما يلي : -1- فرض الحقيقة، أي حسم مسؤولية التجاوزات الخطيرة و الممنهجة في دولة الفساد و الاستبداد -2- الاهتمام بإصلاح حال الضحايا، بالعناية بهم اجتماعيا و صحيا -3- محاسبة قضائية لكل من ثبت تورطهم في جرائم مالية و اقتصادية و جرائم التعذيب -4- بناء شبكة إصلاحات تمس القوانين و القضاء و السجون و الإعلام ، بما يضمن عدم معاودة ما حصل -5- المصالحة بين الضحايا و الجلادين و بين المواطن و المؤسسات، عبر إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة بما هي أصلا في خدمة المواطن و الشعب لا النظام السياسي . إن هذا النوع من العدالة، آلية ما فوق قضائية، ولا تلغي دور القضاء المؤسساتي، لان الفرق الجوهري بينهما هو أن العدالة الانتقالية، تجعل من «الضحية» أي الشعب جوهر اهتمامها عكس السلطة القضائية التي تهتم بالمذنب فقط. و هي بذلك شكل بناء في المحاسبة و هو الضامن لعملية الانتقال الديمقراطي من جهة، و لبناء دولة المؤسسات القائمة على ثقة المواطن في المؤسسات. و تقود هذه الطريقة في المحاسبة إلى : -التعويض المادي و المعنوي للضحايا، فتركهم يعبرون عما عانوه من أهوال و صنوف التعذيب، يغسل ذاكرتهم عبر عملية تطهر تتحول إلى تطهر اجتماعي، و يتم توثيق الشهادات بكل الوسائل، لتطلع عليها الأجيال اللاحقة و تصبح وقودا يمنحهم الشجاعة لمحاسبة كل محاولات الفساد و الاستبداد التي قد تحاول معاودة الظهور - إعادة تأهيل الضحايا وإدماجهم في الحياة ورعايتهم الصحية المجانية - اعتراف الدولة الرمزي و المعنوي ليس للضحايا بل للمجتمع عامة، على ما ارتكبته في حقه من ظلم و استبداد و استباحة لكرامة أفراده و ثوراته - الإصلاح الجماعي للجهات المحرومة، فالتوزيع غير العادل للثروة هو شكل من أشكال الاستبداد و الظلم و الفساد المالي و الإداري المحاسبة بهذه الطريقة، ليست اهتماما بالماضي فحسب، بل بالأساس نظر إلى المستقبل، نظرة تضمن عدم المعاودة. إنها شكل من أشكال تربية المجتمع على أن يتصالح نهائيا مع نفسه، فالمحاسبة هي علاج فردي و لكنها في عمقها محاسبة جماعية، يتخلص فيها المجتمع، شعبا و دولة و أجهزة من بقايا الفساد يتطهر ليكون قادرا على أن يبني مجتمعا حرا قائما على كرامة الوطن و الشعب و على دولة القانون و على مؤسسات في خدمة المواطن و هو بذلك، يضمن التحول من «التظلم» الذي تمارسه بعض الأطراف السياسية التي تستعطف الناخب ليمنحها صوته لأنها تحاول جعل القمع الذي مورس عليها، ادخارا استثماريا،إلى المواطنة أي إعلاء قيمة الإنسان. و يضمن ذلك، الانتهاء من الانتقالية إلى الديمقراطية التي لا تتحقق إلا بتوازن السلطات في المجتمع. و ترسي المحاسبة أسس الحكم الرشيد- و هو على النقيض من نظام الخلافة أو الامامة او ولاية الفقيه- المسير للشأن العام البعيد عن الزبونية و الموالاة الانتهازية، و تعود المؤسسات إلى أدوارها الطبيعية في المجتمع خدمة للمواطن و تقدس القانون . إن ما يحصل في تونس اليوم، لم يستطع أن يكون عدالة قضائية و لا حتى عدالة انتقالية. قد تغيب وسائل الإثبات القضائي عند المؤسسة القضائية، لكن المحاسبة السياسية لا تحتاج إلى أدلة لأنها مشاعة عند كل المواطنين التونسيين. إن الذي شارك في القرار أو كان قريبا منه مسؤول، والذي صمت عن الجريمة مشارك فيها. و ليس ممكنا و الحال تلك أن تتحول مسألة المحاسبة الى وسيلة ضغط سياسي، يتم بموجبها ابتزاز رجالات النظام السابق من اجل الهيمنة بهم و بواسطتهم على مؤسسات الدولة، او بتهديدهم من الحرمان من المشاركة في الحياة السياسية، بموجب ما يتم تداوله من نية سن قانون يمنعهم من الاسهام في المرحلة السياسية القادمة. ان العدالة الانتقالية ليست قائمة على التشفي و ليست وسيلة لاعادة انتاج الاستبداد، و لا يمكن ان تكون فوق المواثيق الدولية لحقوق الانسان التي تُجرم العقاب الجماعي و التي تمنح لكل مواطن الحق في المشاركة السياسية في شأن بلاده و اختيار من يمثله في قيادتها. و ما يتم الترويج له من منع وقوانين حرمان، ليس في جوهره الا رغبة في اقصاء خصم سياسي، و هو في كل الحالات انتهازية و نفاق سياسي. ان المحاسبة أمر حتمي لا إمكانية لبناء الديمقراطية دونها، لانها تكريس لمبدأ عدم الافلات من العقاب. إنها غسل للذاكرة وتطهير للمجتمع و هو ما سيسمح لنا بكتابة تاريخ الشعب لا تاريخ الحاكم. هي لحظة نُبل جماعي ينأى بنفسه عما في النفس من رغبة في الانتقام، هي تعال على جراح الذات من اجل وطن مصلحته فوق مصلحة الافراد وهي اعتراف للضحابا بالذنب، و تذكير للمذنب بجُرمه، المحاسبة ذاكرة لا تقبل النسيان. المهدي بنعبد الجواد أستاذ و باحث