يوم 4 جويلية، أي في شهرنا هذا، احتفلت الولاياتالمتحدةالأمريكية بعيد استقلالها عن المتروبول الإنقليزي، وهو عيد استمرّت تحييه منذ سنة 1779، ولها الحقّ كلّه في الافتخار به، لأنه يذكّر شعب الولاياتالمتحدةالأمريكية باليوم الذي نال فيه حريّته، وتخلّص من نير الاستعمار البريطاني المجحف، بعد حرب قاسية دامت ثماني سنوات، خاضها ببسالة، وبكل طوائفه، تحت قيادة جورج واشنطن والضبّاط الفرنسيين الذين هبّوا لمساعدته، من أمثال روشمبو، ولافاييت' ودي قراس. لكن حرب الاستقلال لم تكن هي أشرف الحروب الأمريكية على الإطلاق، إذ اضطرّت أمريكا بعد قرن تقريبا من الحرب الأولى، وبحكم ظروف تاريخية وبشرية واقتصادية إلى خوض حرب شرسة أخرى دامت خمس سنوات، وكانت حربا انفصالية هذه المرّة، وضعت ولايات الشمال الأمريكي الدّاعية إلى تحرير العبيد في مواجهة ولايات الجنوب الرّافضة للمبدإ من أساسه. وكان أبراهام لنكولن في فترة احتدام النزاع بين الشمال والجنوب زعيما هامّا من أكبر الداعين إلى إلغاء الرق وتحرير الزنوج في أمريكا، لذا أعطى انتخابه رئيسا لجمهورية الولاياتالمتحدة عام 1858 إشارة الانطلاق لحرب أهلية انفصالية قسمت البلاد إلى معسكرين متعاديين. لكن بعد أن انتصرت ولايات الشمال وأطلق سراح العبيد امتدت يد غادرة ربّما بدافع انتقامي لاغتيال ذلك الرجل الذي يجمع أهل أمريكا على وطنيته ونبل أخلاقه. لهذا الرجل في نفسي احترام وإجلال، وفي ذاكرتي تفاصيل كثيرة عن حياته وكفاحه،أحتفظ بها منذ شاهدت في شبابي شريطا عن أحداث الحرب الانفصالية ورأيت بلاء ذلك المحرّر ذي الوجه الهادىء النبيل فيها ' وتحمّسه للمبادىء التي قامت من أجلها. ولمّا زرت الولايات المتّحدة – في السنوات الأخيرة - رأيت ظواهر التمجيد لشخصية لنكولن مجسّمة بتمثال ضخم أقيم له بواشنطن ' وإذا هو بذات اللحية الكثّة والملامح النبيلة جالس على منصة عالية يصعد الناس إليها بمدرج له عرض البناية كلها، لا يفرغ من الزوار، ومن شباب المدارس والطلبة خاصة. يوجد التمثال وسط مبنى عظيم واجهته مفتوحة بالكامل على مستطيل من الأرض معشب، تملأه نصب تذكارية تخلّد أهمّ الأحداث الوطنية، وليس فيه ما يحجب مبنى «الكابيتول» الواقع في الطرف الآخر على بعد كيلومترين. بعد الزيارة والنزول تعترضك مسلة شاهقة الطول نحتت هي والأرض تحتها من حجارة بيضاء صقيلة لكن لا كتابة ولا علامات عليها كما في المسلسلات المصرية عادة ، مما يحيّر الباحث عن مدلولها وسبب وضعها في ذلك المكان مندفعة إلى الأعلى كالصاروخ الموشك على الانطلاق. فهل ترمز إلى الرفعة وحبّ الصّعود، أو تشير إلى الصلف والاستعلاء، أو هي إصبع موجّه إلى العالم محمّل بمعاني الأمر والتحدي؟... قال بعض رفاقي: «نعم، في المسلة بعض من هذا. ألا ترى استهانة من بنوها بحقوق الشعوب الصغيرة وإظهار غلبتهم عليها، سواء بالديبلوماسية النشيطة الضاغطة، أو بالقوة المالية المهيمنة على الشركات الأممية والبنوك الدولية، وأخيرا بقوة السلاح الضارب الرادع الذي لايقف أمامه أحد ؟». نعم، لقد انقلبت قوّة ذلك الشعب من البحث عن استقلال له كامل الحقّ فيه، ومن الدّفاع عن حقّ العبيد في التحرّر، إلى شعب ينشر ترسانته الحربيّة في كل مكان، ويرفع عصاه الغليظة للتدخل حيثما شاء، دون مراعاة لسيادة الدول على أراضيها، ولا لحقوقها الشرعية في اختيار ما تريد من السياسات والمصائر. اعتادت أمريكا وضع مصالحها في المقام الأول، وفي سبيل الحفاظ عليها هي تعلي من تريد وتحطّ من شأن من تريد، وتسطّر القوانين على قياسها وبمقتضى أحوالها ورغباتها. إن أمريكا اليوم تبتعد سنوات ضوئية عن جورج واشنطن وروحه النضالية' وعن عهد لنكولن ومبادئه الإنسانية النبيلة التي دافع عنها ومات من أجلها، هو ومحررو العبيد من رجال ولايات الشمال. والدليل على ذلك موجود في هذه الفقرة من مقال جورج إيليس أحد محرري «واشنطن بوست» الذي قد توضّح ذلك التضارب الملحوظ بين ماضي الولاياتالمتحدة وحاضرها، وفيها يقول: « لقد بدأت أمريكا حياتها بقيم ومبادىء مناهضة للإمبريالية، وكانت أول مستعمرة تحرز النصر في حرب استقلال، وأول جمهورية كبيرة تلتزم مبدأ الحكم بالتوافق وليس بالإكراه. كنا معارضين للقوة العالمية بالصيغة الرومانية أو البريطانية من حيث المبدإ، ولكن حكامنا احتفظوا بالمبدإ في خطبهم فقط ولم يطبقوه على الواقع. انظروا إلى وجود قواتنا المنتشرة في العالم إذا أردتم دليلا على ما أقول». هذا الشاهد من أهل أمريكا ذاتها يجعلني أطمئن إلى أنني لم أبالغ في شيء، ولم أخطىء في أحكامي.