وزارة التربية تُطلق خطّة وطنية شاملة لتحصين المؤسسات التربوية من العنف    تأجيل النظر في قضية مرفوعة ضد راشد الغنوشي الى 27 فيفري الجاري    المختار ذويب (لاعب سابق في النادي الصفاقسي) ...تربطنا علاقات وطيدة بالنادي الإفريقي والانتصار للأجدر    عميد البياطرة من الحمامات ..60 ٪ من الأمراض مصدرها الحيوان    مع الشروق : ليبيا والطريق إلى السلام    وصول دفعة من الحافلات إلى ميناء حلق الوادي ضمن صفقة دولية لاقتناء 461 حافلة جديدة    البطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة (مرحلة التتويج): نتائج الدفعة الأولى لمباريات الجولة السادسة    بطولة القسم الوطني أ للكرة الطائرة (مرحلة التتويج): نتائج مباريات الجولة الثانية    أولا وأخيرا .. ...كذبة ما في الجبة الا الله    عاجل/:وزير التجارة يشرف على جلسة عمل حول آخر الاستعدادات لشهر رمضان..وهذه التفاصيل..    في مثل هذا اليوم من سنة 2008...ترجل أيقونة الفكر في تونس مصطفى الفارسي...    يهمّ كلّ تونسي: كيفاش تكنجل المواد الغذائية...معلومات لازمك تعرفها    مجموعة الترجي في دوري ابطال افريقيا.. التعادل يحسم لقاء بترو اتلتيكو وسيمبا    المركّب الصناعي الشعّال يعزّز قطيعه باقتناء 200 أنثى من الضأن البربري    منخفضات جوية عاصفة تضرب شرق المتوسط ابتداءً من 12 فيفري    النجمة الزهراء: تأجيل المؤتمر العلمي الدولي "رجال حول البارون"    سياحة طبيّة واستشفائية: تونس "نموذج افريقي" مؤهل لتصدير خبراته في مجال ملائم للتعاون جنوب-جنوب    انطلاق أشغال أول محطة لإنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية بجزيرة جربة    مدينة صفاقس تحتضن الصالون الوطني للتمويل 2026 من 9 الى 12 فيفري    عقد قرانه بطليقته في قسم الإنعاش: شنوّا الجديد في وضعية وحيد؟    عاجل/ السجن لعدل منفذ وزوجته من أجل هذه التهمة..    القصرين: تحذير صحي بعد تزايد إصابات داء الكلب الحيواني    توزر: حملة تبرّع بالدم بالسوق الأسبوعية بتوزر في إطار تعزيز المخزون الجهوي من الدم    الرياض تستثمر ملياري دولار لتطوير مطارين في حلب وتؤسس شركة طيران سورية-سعودية    العراق: استلام 2250 عنصرا من "داعش" من سوريا يحملون جنسيات مختلفة    بطولة الرابطة المحترفة الاولى (الجولة20-الدفعة1): النتائج و الترتيب    إيران تتوعد بالرد على أي هجوم من الولايات المتحدة بضرب قواعدها في المنطقة..#خير_عاجل    مُقلي ولّا في الفرن...مختصّة تحذّر التوانسة من البريك...علاش؟    بطاقة إيداع بالسجن في حقّ قاضٍ معزول    عميد البياطرة: ''اجعل غذاءك دواءك''    حي النصر : أحكام سجنية لصاحبة مركز تدليك و4 متهمين    باردو: عامل بمحطة غسيل سيارات ينسخ مفاتيح الحرفاء ثم يستولي على سياراتهم ويفككها    الفيديو أثار ضحة: صانعة محتوى تحاول الانتحار في بث مباشر..ما القصة؟!..    عاجل/ تنبيه لمتساكني هذه المناطق: لا تيار كهربائي غدا..    تونس: دعوة لتمكين ''المعاقين'' من جراية لا تقلّ عن ''السميغ''    وفد عن لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس الجهات والأقاليم يزور جندوبة    إيران تلوّح بتفعيل "الردع البحري"    تقارير اعلامية: فرنسا متورطة في اغتيال نجل القذافي بأمر من ماكرون    عاجل/ العثور على جثة امرأة بهذه المنطقة..    ويُغيّر إسمه: مغنّي راب بريطاني يعتنق الإسلام    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    الرابطة الأولى: برنامج مواجهات اليوم من الجولة الخامسة ذهابا    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    نقابة الصحفيين التونسيين تنعي الصحفي الهاشمي نويرة    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    إصدار جديد .. «تأمّلات» مجلة أدبية جديدة يصدرها بيت الرواية    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    عاجل : قبل كأس العالم 2026.. قرار صادم من مدرب المنتخب المغربي    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور حمادي صمّود في حديث مطوّل ل «الشروق»: الثورة ليست كنزا ينال كل مواطن منه قسطه وليست فرصة للاستغلال مهما كانت مشروعية المطالبات
نشر في الشروق يوم 17 - 02 - 2011

عرفته مدارج الجامعة التونسية على امتداد أربعين سنة مدرّسا مبرزا في البلاغة... تخرّج على يديه جمع كبير من الأساتذة الجامعيين... أشرف على عديد أطروحات الدكتوراه مؤطرا ومناقشا وموجها وملاحظا...
في رصيده عديد المؤلفات التي أثرت المكتبة التونسية بمضامين فيها إضافة وإثراء للمعارف اللغوية والابداعية.
الدكتور حمادي صمّود التقته «الشروق» في هذا الحوار المطوّل حول ثورة 14 جانفي وارهاصاتها العديدة... وهذه الحصيلة.
٭ حوار: عبد الرحمان الناصر
٭ ثورة 14 جانفي... حدث تاريخي في تونس... هل كان لابدّ منها؟
التغيير كان لابدّ منه لان الأمور لا يمكن لها ان تتواصل على ما هي عليه... ان الوضع أصبح كابوسا لا يحتمل وأكرر ان ما حدث كان لابدّ من حدوثه.. الثورة فتحت آفاقا كبرى وحصولها يكاد يكون من باب المستحيل لذا فإن سعادتنا بها كانت كبيرة...
والأدبيات التي قيلت أشارت الى تونس من حيث أنه لم يكن في الحسبان أن يتم بهذه الطريقة وهو شيء أكثر مما كنا نتوقع لذا فالفرحة كانت مضاعفة ولكن أيضا الحذر والاحتياط من ان تزوغ لا تقل عن الفرح والحماس يجعلنا نشعر شعورا أننا أناس يعيشون حياتهم وتطلعاتهم بشكل مختلف تماما..
ولكن أيضا في نفس الوقت ومن باب المعرفة بما يحدث وحدث في الثورات المماثلة بعدد أصابع اليد الواحدة وضرورة الحذر والتوقي من المنزلقات وهي منزلقات نرجو ان لا تكون معطّلة للثورة وأن تسمح مهما كان حجمها الوصول الى تحقيق الغايات التي لابدّ من تحقيقها.
٭ كيف تحدد هذه الغايات؟
تتمثل هذه الغايات في حرية الشخص والمجتمع والديمقراطية..
والحرية هي تشمل كل الحريات من حرية الرأي الى حرية المعتقد وكل حريات الانسان ذاتا ومواطنا وعنصرا فاعلا في الحراك الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه بلادنا ثم العدالة الاجتماعية ومع هذا الثالوث نصنع ما يسمى بكرامة الانسان وشعوره بأنه ذات منصهرة في مجموعة تسعى الى تحقيق نفس الأهداف.
٭ ماهي نوعية هذه المحاذير؟
نعم لابدّ من المحاذير... هذه المحاذير تتأتى من أن مفاهيم الحرية والديمقراطية مفاهيم تبدو لي من الناحية الفكرية البحتة واقعة في منطقة ليست مستقرة تمام الاستقرار فهي تقع في تقاطع جملة من الفعاليات التاريخية التي تجعلها مفاهيم لا تقوم دون ممارسة أي أن قيامها النظري غير كاف وأنها لا تكتمل الا بالممارسة والتجسّم باعتبار ان الحرية ليست تفكيرا إنما قضية التفكير التي لا تكون الا بالممارسة وكذلك الديمقراطية لا تستكمل وجودها الا اذا تجسّمت في مؤسسات وحياة اجتماعية واقتصادية الى غير ذلك.
فمشكلة الحرية تقع في منطقة مضطربة حيث أن التسلّط يرهقها والفوضى تميتها فالحرية تقع في منطقة سرعان ما تنقلب الى ضدها، التسلط وتكبيل الآراء يرهقها لذا فهي تنسحب وتتقلص ويضيق مجال ممارستها الى درجة الاختناق ولكن ايضا عدم الانتظام في ممارستها وفهمها فهما أوليا سطحيا على أنها تبيح كل شيء وتسمح بكل شيء هو ايضا مرهق لها بل لعلّه يضيق عليها الخناق أكثر مع ضرورة الإشارة الى الفرق بين التسلط والانتظام.
التسلط إقصاء لإرادة الفرد والجماعات في حين ان الانتظام هو فعل إرادي.
إذن الحرية فعل إرادي يستنبطه المواطن حفاظا على تلك الحرية ومن هذا المنطلق فالحرية إنصياع إرادي لما به تبقى الحياة الاجتماعية ممكنة ومتواصلة.
٭ هل من توضيح أكثر لهذه المسألة؟
ألاحظ انه على كل مواطن الآن وأنا أحدثك كمواطن أن يقوم بدوره للحفاظ على ما تطمح اليه الثورة وما نريد تحقيقه في أمد طويل.
كل مواطن له على الاقل دوران أساسيان:
أولا: الاقناع والاقتناع بضرورة الاقلاع عن صورة بدت لي أنها مركوزة في المخيال الجماعي وهذا ما بدا لي من خلال متابعتي لكل التونسيين من خلال ما يجري منذ شهر في مختلف أرجاء الوطن وما نراه في وسائل الإعلام وخاصة المرئي منه وهي أن الدكتاتورية في أذهان الناس كأنها مربوطة بفكرة الكنز المرصود اي الكنز الذي يتربّع عليه ثعبان مخيف وإذا ما ازلنا هذا الحيوان الخطير وقعنا على الكنز ولذلك فلكل شخص الحق الآن في أن ينعم بما في هذا الكنز وينال منه قسطه وفي رأيي ان هذا الثعبان ذهب وقد التهم الكنز.
هنا لابدّ ان نعي هذا بعمق انه ذهب وترك البلاد في حال من النهب والفوضى وما يلزم معه الآن أكثر من اي وقت مضى ان نقدّم مفاهيم التضحية والصبر والشهامة حتى يتحقق ما قامت الثورة من أجله.
أما الاحراج بهذه الطريقة وكأن هذه الفترة فرصة لا تعوّض فهو تعطيل للثورة وضرب من الوقوف في وجه ما نترقب ان نحقق وذلك مهما كانت مشروعية المطالبات وقد رأينا منها حالات ما كان الانسان يتصوّر أن تونس القرن الواحد والعشرون فيها من بؤر الفقر والحرمان ما شاهدناه.
٭ ما هو المطلوب على المستوى العاجل إذن؟
أن يفهم الناس ان المنطق الاجتماعي والمنطق التاريخي لا يمكن ان يسيرا على هذه الوتيرة وأنه لا يمكن لنا ان نخرج الذين تكفلوا بتحقيق هذه المطالب بهذا الضرب من الاحراج حتى أصبحنا لا نرى الا الإلحاح على تلبية الرغبات تلبية آنية وهذا أمر لا يمكن لأى مسؤول ان يستجيب ولا إمكانيات البلاد أيضا تسمح بذلك وعلينا أن نعمل قبل كل شيء على ان تعود الحياة الاقتصادية الى سالف نشاطها حتى نوفّر ما يمكن به من تلبية هذه المطالب ولا شك انها ستلبّى متى توفّرت أجواء الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية من وجهة نظري إن كان هناك عمل لابدّ ان نقوم به وبأقصى السرعة هو تمكين موارد الثروة وهي محدودة في بلادنا من أن تعود الى سالف نموّها وأن نسمح لكل قطاعاتنا سواء التي تستغل للاستهلاك الداخلي او للتصدير من أن تنشط وأن يعود إليها نسقها الذي كانت عليه وأحسن طبعا مما كانت عليه.
٭ يتفق الجميع ان القطاع التربوي يعيش وضعا استثنائيا قياسا بحجم المشاكل التي يتخبط فيها وأعني هنا بدرجة أولى المستوى الجامعي ومشكل الخريجين العاطلين عن العمل؟
فعلا القطاع التربوي أعرفه أكثر من غيره وهو قطاع يعاني مشاكل عديدة زادها التراكم حدّة وقسوة أحيانا وأعني بذلك خاصة ما يسمى ببطالة أصحاب الشهائد العليا هذه معضلة بلاشك ولكن ليست مستحيلة الحل.
٭ أنت تطرح حلولا إذن؟
الحلول يمكن بلوغها والتوصل إليها لكن علينا ان نعي ان هذه الحلول لا يمكن ان تقع في زمن وجيز او بعصا سحرية، فعدد العاطلين من أصحاب الشهائد العليا لا يقل عن 100 ألف كيف يمكن لبلد أن يجد حلاّ ل 100 ألف عاطل عن العمل دفعة واحدة لا طاقة استيعاب الوظيفة العمومية ولا إمكانيات الدولة الآن ولا حسن استعداد المسؤولين الذين أخذوا على عاتقهم هذا القطاع بقادر على أن يستجيب لكل المطالب دفعة واحدة.
فالحل الشامل لها يتطلب وقتا ويتطلب تضافر جهود القوى الوطنية باعتبار ان هذا مشكل تربوي فقط بل هو مشكل وطني أيضا وأنا شخصيا لا أشك في أن جانبا كبيرا منهم يدرك هذا الأمر وله طاقة التفهم لصعوبة الحل ولكن لابدّ من أن يوجد هذا الحلّ ولكن على أمد متوسط وربما على أمد طويل.
لا أعتقد شخصيا أن هناك بلد قادر على أن يستوعب في أسابيع كل هذا العدد وأن يستغلهم ويدمجهم في الدورة الاقتصادية مع الالحاح دائما على أنه مشكل لابد أن يكون من أولوية الأولويات في نطاق ما ستؤول إليه حياتنا في أجل قريب عندما تستقر الأوضاع وعندما نتجاوز هذه المرحلة الانتقالية ولذلك يصبح الاحراج بالاعتصام والاضراب نوعا من التعجيز الذي لا نعرف كيف ستكون نتائجه على هذا المرتقب الذي نتطلع إليه جميعا بعد هذه الثورة الكبيرة.
هناك تأكيد منك من أن الثورة أمام تحديات كثيرة وصعبة في قادم الأيام؟
الثورة أمام تحديات صعبة وأرجو أنها ليست عقلية التفكير في أنها فرصة، الثورة ليست فرصة... إن الذين قاموا بالثورة وضحّوا من أجلها وهم في ريعان الشباب في الأغلب لهم علينا حق المحافظة على ما قاموا به وأن نفكّر في الآتي ولا يكون التفكير في الآتي إلاّ بأن ندرك تمام الإدراك ما نحن مدعوون إليه من تضحيات إضافية في هذه الفترة الدقيقة الحرجة. أظنّ أن الناس المؤمنين بهذه الثورة والمترقبين لما ستحدثه من انقلاب في حياتنا وأفكارنا ورؤانا قادرون على أن يفهموا أن من واجبنا قبل كل شيء الوقوف في وجه كل هذه المعيقات وأن يقدموا مصلحة المجتمع ومصلحة البلاد على كل ما يتصل بالذات وبالقطاعات أو بالأشخاص، أرى أنه من غير المعقول أن تكون قطاعاتنا في إضرابات منذ شهر حيث لم تقف هذه المطالبات وإن كنت أؤكد على شرعيتها وأنه لابد من دراستها والنظر فيها وتلبية المعقول منها.
في كلامك مسحة من التفاؤل رغم ما أشرت إليه وحددته من صعوبات؟
كمواطن أنا متفائل ويجب أن أكون كذلك ولكن أدعو إلى شيء من تأجيل ما لابدّ من تأجيله، يجب أن يفهم الناس وألحّ هنا على كلمة تأجيل ذلك.
نحن نعرف أن الانخرام الاجتماعي هو نتيجة التسلط الذي خلق تفاوتا غير مقبول ولكن للمطالبة أوان أو على الأقل تكون المطالبة في نسق جدولي، الحكومة تستجيب للفئات المتدهورة لكن غير قادرة على الاستجابة إلى كل المشاكل.
وأظن أن الإعلام له دور وعليه مسؤولية ولا أخفي عنك، أن الإعلام المرئي يعيش أحيانا منزلقات خطيرة ولعله بذلك يكبّل أكثر مما يسمح بهذه الثورة بأن تبلغ ما تريده، وهذا أمر غير مقصود. الاعلام المرئي انتقل من الضدّ إلى الضدّ... من جهاز في يد الحاكم إلى إعلام أصبح كأنّه مرآة عاكسة مجرد انعكاس لكل ما يحدث في البلد وبأقساط.
هذا يعني من وجهة نظرك أن الاعلام المرئي يعمل دون خط تحريري واضح؟
نعم أصبح الاعلام منبرا لكل من أراد أن يعبّر في الغالب عن حالة شخصية دون أن يكون للقائم على الموضوع فاعلية ولا يتدخل بالسؤال.
الاعلام ليس مرآة عاكسة وهذا انطباع حصل لي كما كان الناس مقلعين عن الاعلام عندما كان أداة في يد الحاكم أصبحوا مقبلين عليه الآن لأنه أصبح يعكس دون موقف وإذا بنا أمام ركام من الخطابات المتشنجة يغلب عليها الصراخ أكثر من الكلام، يعرض فيها الناس أحوالهم، وهي أحوال على درجة من السوء عجيبة وكثيرة حتى لكأنه ليس في البلد نقطة واحدة مضيئة وهذا أمر يدعو إلى كثير من التدبّر وإعادة النظر.
لكن هذا لا يعني أننا لا نريد أن نكشف هذه الحقائق لكن أن نشخص المسائل إلى هذه الدرجة أجرأ وأقول أن كشف الحال بالمعنى الدارج للكلمة إذ يذهب بكرامة المتظلمين وبشهامتهم لأن الشعب الذي قام بالثورة شعب لابد أن تتوفر فيه خصال الشهامة وإباء الضيم والتضحية كأننا بين عشية وضحاها فقدنا هذه المعاني، ويمكن للإنسان أن يبلغ صوته وأن يقدم بؤسه ومأساته ولكن بشيء من الشهامة والستر، فإن كان الاعلام يرمي من وراء ذلك إلى تعرية ممارسات الحكم السابق، فأظن أن ما نعرفه عنه يكفي لتوريطه والرغبة عنه والتقزز منه، لا نحتاج لنعلم مدى ما اقترفه الحكم البائد من جرائم في حق الوطن، نحن لا نحتاج إلى هذا الذي نسمعه يوميا وفي كل نشرة أخبار تقريبا.
أنت تنادي بخاطب إعلامي جديد؟
هناك أشياء مهمة، فالاعلام في حاجة إلى تشريك المواطنين في حوارات مع بعضهم البعض، حوارات تكون فاعلة في صورة تونس المقبلة وأن يكون الاعلام مسؤولا وله القدرة على التمييز بين الأهم والمهم وفهم خصوصيات هذه المرحلة.
في هذه المرحلة يحدثنا أهل الاقتصاد أن البلاد خسرت أموالا بحكم الثورة وهي خسائر لا تساوي شيئا أمام ما غنمناه منها وعلينا في خطاب التحميس والاستنفار أن نرفع الكرامة قبل الخبز وهو أساسي في استنفار الناس ودفعهم إلى الفعل الثوري.
فشعار «خبز وماء وبن علي لا» خطاب مهم في فترة معينة من حياة الثورة، فترة استنهاض الناس واستثارة الشعب والتضحية والموت في سبيل أن تحيا تونس ولكن مباشرة بعد هذا لابد أن نفهم أنه لا كرامة بلا خبز بمعنى أنه لا كرامة دون أن يعود الناس إلى الانتاج وتوفير الثروة حتى تقسم قسمة عادلة وحتى يجد المجتمع شيئا فشيئا توازنه الجديد الذي تبنيه الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
بعض الآراء تقول إن الطبقة المثقفة لم تقم بما هو منتظر منها تجاه الثورة ما هو تعليقك؟
لا يختلف حالها كثيرا عن حال بقية المواطنين لأن مشاعر المحافظة على الذات والحياة لا تختلف عن الطبقات الأخرى، بقي أن الطبقة المثقفة وأتحدث هنا من موقعي كمدرس ساهمت في الثورة على صعيدين على الأقل :
الصعيد الأول : المطالبات المباشرة والعمل النقابي واللوائح المباشرة التي كانت تعرض الموقعين عليها إلى العقاب، وأذكر هنا أنه في كلية الآداب لا يمرّ اجتماع نقابي إلا وقال فيه النقابيون رأيهم في تجاوزات السلطة، ولكن وإن لم يؤد إلى شيء كثير، لذلك كانت بعض مؤسسات التعليم العالي محاصرة لوجود حراك للرفض ولكنه لا يتجاوز شكل اللوائح.
التي صحيح أنها لم تغير من الأمر شيئا كثيرا.
وكان لابد من أجسام كيميائية أخرى حتى يتم الأمر بالكيفية التي رأيناها.
الصعيد الثاني وهو مهم أظن أن المساهمة الفعالة في تكوين الأجيال المتعاقبة تكوينا علميا عصريا حاولت أن تمارس فيه حريتها في المنابر المتوفرة لها وأدت واجبها بكثير من الشجاعة وكنا نعرف أن ما يقال في الأقسام ومدارس الجامعة يبلّغ إلى السلطة.
من وجهة نظري كانت مساهمة في وضع الأجيال التي علمناها في حضرة أهم ما ينتج في العالم من أفكار وما تبشر به تلك الأفكار من تطلعات وقدرة على تغيير الأفكار والأنساق والرؤى كل في مجال اختصاصه وأظن أن هذا كان له تأثير غير مباشر في الثورة.
علمنا الأجيال مما يقتضيه العيش في العصر من متطلبات في حرية الرأي وحرية المعتقد ونسبية الحقيقة وعلمناهم أن الحقيقة ليست ملكا لأحد وأنها نسبية وأن كل الأنساق (الكوليانية) أنساق على هامش العصر ولابد أن يأتي يوم تحاصر فيه تلك الأنساق ويتبين الناس رهافتها وأعتقد أن الانتقال إلى هذه الأفكار من الأنساق الفكرية إلى الأنساق السياسية انتقال سهل بعملية قياسية بسيطة يفهم الناس أن التسلط والدغمائية والانفراد بالرأي كلها مفاهيم لم يعد لها مكان في هذا العصر.
بكل تواضع هذا ما قمت به وربينا عليه طلبتنا وربيناهم أساسا على الاختلاف وشخصيا في اختصاصي القريب مني أنا مدرّس بلاغة، ولا يمكن لبلاغة أن تقوم إلا في وجود الاختلاف وتعدد الرأي.
حققت الثورة هدفها الرئيسي المتمثل في اسقاط النظام الدكتاتوري... هي ثورة شعبية ما هو المطلوب من المثقف اليوم حتى تحافظ هذه الثورة على ألقها وتوهجها؟
الدور المطلوب من المثقف اليوم شأنه في ذلك شأن المواطن العادي يجعله من الأولويات للدفاع عن الدولة المدنية، الدولة الحديثة، الدولة التي تحتكم إلى قوانين وضعية وتكون في صلب العصر لا على هامش العصر وضرورة الانتباه إلى كل الحركات والتطلعات والطموحات التي تعمل في السر والعلانية لتردنا إلى وضع لا يختلف عن الوضع الذي كان قبل الثورة، نحن نريد دولة حرة ديمقراطية تقوم على العدالة الاجتماعية وتنبع من صلب العصر ومعين الحداثة ولعل هذا الواجب الثاني أولى لأنه هو الذي سيضع المرتقب على المسار الصحيح لا سبيل إلى أي شكل من الأشكال التي تتحدث باسم الميتافيزيقيا أو علم الغيب والتي تعتقد أنها تمتلك الحقيقة وتريد أن تقنع الناس بأنها وصية عليهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.