في سابقة خطيرة وقلّ حدوثها تعيش عدّة جهات من البلاد على وقع أزمة مياه الشراب، انقطاع لماء الصوناد بصفة متكرّرة ولأيّام طويلة مرات دون سابق إعلام. وقد أثار تتالي عمليات قطع المياه حفيظة شريحة واسعة من التونسيّين الذين أدانوا هذا السلوك من الجهات المسؤولة واستغربوا من تباطؤ الحكومة في ايجاد الحلول الناجعة برغم ما تمّ التأكيد عليه خلال فصل الشتاء المنقضي بارتفاع منسوب المياه في جل السدود التونسيّة. ستّون سنة بعد الاستقلال وأكثر من سبع سنوات على الثورة وتونسيون يعانون مشاق العطش ويلهثون خلف قطرات ماء للارتواء وقضاء سائر شؤونهم، والحكومة تُمعنُ في الاستخفاف بأحد اهم الحقوق الفردية والاجتماعية التي خلنا أنّ بلادنا قد تمكّنت من تحصيلها بتوسيع شبكات الربط بالماء الصالح للشراب على مدار عقود دولة الاستقلال، فالماء حاجة اساسية وهو من أول الحقوق الطبيعية البدائية التي على الحكومات أن توفّرها لمواطنيها. ويطرح ملف الماء في تونس ما تعانيه اجهزة الدولة من غياب الرؤية الاستراتيجية لأهم القطاعات الحيوية في حياة البشر وتجاهلها لملف هو الأخطر اليوم في جل دول العالم الا وهو ملف الماء الذي يعدّ من الرهانات الصعبة التي باتت تهدِّد الاجتماع الإنساني وتحتاج بالتالي لخطط وبرامج ومشاريع استشراف وتأهيل لتفادي كوارث العطش وندرة المياه خلال العقود القادمة، ونسأل هنا مثل فعلت الجهات الحكومية المسؤولة في هذا الملف وماذا أعدّت من برامج وطرق تمويلها؟ وقد بلغ الأمر في أحد أهم مدن البلاد التونسيّة الى انعقاد جلسة عمل طارئة بمقر ولاية صفاقس لبحث ازمة انقطاع الماء الصالح للشرب على عديد المناطق لليوم الثامن على التوالي وبرغم ما قيل عن اتخاذ عدد من القرارات الفورية منها قبول عديد المؤسسات تزويد بعض المناطق بالمياه، فإنّ الجهات الحكومية ما تزال تُحجم عن إبراز الأسباب الرئيسيّة لما يجري وحقيقة الإشكال القائم والذي أوشك أن يكون من باب المعتاد والمألوف المزعج في حياة التونسيّين الذين باتوا يصدمون بين الفينة والأخرى بانقطاع المياه. ما الذي يجري؟ لماذا تكرّرت الحوادث؟ لماذا تغالط الجهات الادارية المواطن ولا تسعى لتقديم المعلومة الصحيحة ولماذا تِسارع الحكومة الى ادانة التحرّكات الاحتجاجية المشروعة؟ ويتخوّف كثيرون من أن يكون الذي يجري بصفة تكاد تكون يوميا منذ فترة مدخلا لإقرار ضغوطات جديدة على المواطن والترفيع في أسعار ماء الصوناد بما سيُثقل من جديد كاهل القدرة المعيشية للمواطنين في جميع جهات البلاد، وهذا الأمر يجعل الحكومة في موضع أخلاقي خطير في كيفية إدارة الشأن العام والتعاطي بالمغالطات وصنوف الخديعة مع الرأي العام. وضع مريب يحتاج إلى حزم وتحركات عاجلة، فالمواطنون يعانون الأمرّين من انقطاع المياه الصالحة للشراب خاصة بدخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وما زاد الحيرة غموض الأسباب وتصاعد وقع الإشاعات بخصوص الزيادة في تعريفة الصوناد. والخوف كل الخوف والانزعاج كل الانزعاج من أن تكون قطاع حياتية حيوية أضحت خارج التحكّم والسيطرة وافتقدت بالتالي لحسن التصريف والإدارة من الجهات المسؤولة.