عندما تهون الأمة على أبنائها، فإنها تهون حتما على الغرباء.. وعندما تطأطئ الأمة رأسها، فإنها تشجع البعيد والقريب، القوي والضعيف على التطاول عليها... فتنهال عليها الصفعات من كل حدب وصوب.. وقد «نتفهّم» الأمر حين تأتينا الصفعات من اقطاب دولية كبيرة ومن قوى مهيمنة ومدججة بكل أدوات القتل والتدمير... وقد نتحجج بانخرام موازين القوى وبعدم مواتاة الرياح الدولية التي تهب بما لا نشتهي... وقد نقبل قول قائل بأن المواجهة في ظل هكذا اوضاع تصبح من قبيل الانتحار وان كانت المقاومة الباسلة في فلسطين والعراق تعطينا دورسا اخرى مفادها ان الإرادة قوة لا تقهر وان الإيمان بالحق وبعدالة القضية قادر على صنع المعجزات.. ولكن؟ ان تأتينا الصفعة هذه المرة من رئيس اريتريا مع احترامنا للشعب الاريتري الشقيق ولما تربطنا بأغلبيته الساحقة من روابط ووشائج فإن الكيل يكون قد طفح، ولا نعتقد ان في هذه الأمة انسانا واحدا يقبل مثل هذه الصفعة او يدعو الأمة الى الاستدارة بخدها الآخر لتلقي المزيد. الرئىس الاريتري اطلق «قذائفه» باتجاه عدة دول عربية لتطال شظاياها الجميع على اعتبار ان مثل هذه «الجرأة» إنما تعكس في نهاية المطاف عقلية موجودة في الساحة الدولية وتنزع بقوة نحو الاستهانة بكل ما هو عربي.. فقد هاجم الرئىس عرفات وقال ان اخطاء قيادته جلبت المشاكل للشرق الأوسط. ووصف تصريحات الرئىس السوداني بأنها «زي الاسطوانة المشروخة». هاجم الجامعة العربية واعتبرها «ناديا كبيرا ينسحب منه اعضاؤه فكيف ننضم اليه»؟ وحمل على الأمين العام للجامعة عمرو موسى الذي «أخطأ حين دعا اريتريا الى عدم التدخل في شؤون السودان». كما حمل على اليمن التي يروج وزير خارجيتها كلاما ليغشّ الناس ويغض النظر عن تفاصيل هذا الهجوم المتعدد الرؤوس وعن اسبابه وخلفياته فإن ما يعنينا ليس التصدر للردّ بدلا عن هذه الاطراف العربية، فهي تملك كل الوسائل والقدرات للدفاع عن نفسها... لكن ما يعنينا هو هذه العقلية التي باتت منتشرة هنا وهناك في العالم والتي تكشف استهانة كبيرة بالأمة العربية.. استهانة تزيّن لمن هبّ ودبّ التطاول علينا وافراغ كل شحنات الحقد والازدراء... وهذه العقلية تستمد ماهيتها وتجد جذورها في استقالة العرب الكاملة من كل قضاياهم وتنازلهم عن كل ثوابتهم وحتى مبادئهم والتي كانت على الدوام ترسم خطوط حمراء يدرك القاصي والداني ان الاقتراب منها وليس المساس بها من المحرمات التي دوّنها ردّ الفعل المناسب والدروس الملائمة... وهذا واقع لا مبرر له اصلا لأنه ليس لأمتنا العربية ما تخجل به او منه وكونها تتعرض لأفظع عدوان من اعتى قوة دولية هي أمريكا ومن أعتى وكيل لها في العالم كله وهو اسرائىل لا يستنقص من قدرها ومن هيبتها ومن ثقلها ومكانتها شيئا فهي تقاتل وتقاوم وتبلي البلاء الحسن في صراع الارادات والايام دول بين الناس ومن سرّه زمن، ساءته أزمان... والمنطق السليم يقتضي ان تنهض الأمة وان يعمل ابناؤها على تمكينها من رفع رأسها حتى تستعيد مكانها اللائق تحت شمس الامم، وتصحح هذه الصورة الخاطئة التي باتت تلتصق بها والتي تزيّن لمن هبّ ودبّ التطاول عليها... وسوف لن ترفع الأمة رأسها ولن تعود صورتها ناصعة نقية إلا بعودة ابنائها الى ثوابتهم والى قيمهم والى مرجعياتهم التي صنعت على الدوام قوتهم وجعلت لهم وزنا وصوتا مسموعا على الساحة الدولية... ودون ذلك فسوف تظل الصفعات تأتينا حتى من دويلة «ميانمار» المجهرية ومن رئيس اريتريا الذي لم تتحرر بلاده الا بدعم عربي... لو يتذكّر.