لم تكن حادثة مقتل الشاب السارق على يدي المحامي في منزله بسوسة لتثير كل هذه الضجة الشعبية والقانونية ولتخلق جدلا واسعا حول مسألة «الدفاع الشرعي» ولتثير المخاوف والفزع لدى الرأي العام لو كان تطبيق القانون تجاه السرقات والعنف و»البراكاجات» والنشل متشددا وصارما وبشكل يردع مثل هذه الجرائم القاسية والمؤلمة او على الأقل يقلل منها إلى حدّ كبير.. آلاف الجرائم تضرر منها كبار في السن وشبان ونساء ورجال وتلاميذ وتلميذات وطلبة وعاملات مصانع وحُراس وسواق تاكسي وركاب النقل العمومي وغيرهم ممن لا تتوفر لديهم أسباب الحماية الضرورية ، ومنهم من توفي أو تشوّه أو أصيب بإعاقة بسبب طعنة خلال عملية «براكاج» في الشارع او اثناء مداهمة منزله او مقر عمله أو سيارته من اجل السرقة.. لقد تحول انتشار مثل هذه الجرائم في تونس إلى ظاهرة خطيرة تلقي بظلالها على الشأن العام اقتصاديا واجتماعيا. فكل مدن الجمهورية بما في ذلك العاصمة والمناطق السياحية تتحول منذ الساعة الثامنة تقريبا الى «مدن أشباح» تُغلق فيها المحلات التجارية وتتوقف فيها أغلب سيارات الاجرة عن العمل وتُوصد فيها أبواب المنازل بإحكام من الداخل وتتوقف الحركية التجارية والاقتصادية وأغلب الخدمات وتمتنع العائلات عن الخروج للسهر والترفيه وتغيب ليلا المظاهر الاحتفالية المختلفة ، وكل ذلك بسبب الخوف من الجريمة. ورغم ما تقوم به السلطات الامنية في تونس من جهود لمكافحة مثل هذه الجرائم ولإيقاف المجرمين في وقت وجيز وتقديمهم للعدالة، وما يقوم به القضاء من دور لردعهم، إلا أن بعض النقائص التنظيمية واللوجيستية مازالت تكبل العمل الأمني والقضائي في هذا المجال. فأغلب مراكز الامن أصبحت تُغلق ليلا والدوريات الليلية المتحركة عبر الشوارع وفي الاحياء الشعبية والراقية عادة ما تشتكي من ضعف وقلة الامكانات مثل السيارات الامنية والزاد البشري لتأمين مختلف المناطق. وإذا كان قطع دابر الجريمة نهائيا أمر شبه مستحيل في المجتمعات فان التقليص منها الى اقصى حد يجب ان يكون في مطلع اهتمام السلطة. ولا يمكن ان يتحقق ذلك إلا بمزيد تطوير العمل الامني وبمزيد ردع جرائم «البراكاج» والنشل والسرقات، خاصة تلك المروعة الناتج عنها العنف والقتل، وتطبيق أقصى العقاب في شأنها ولم لا سنّ نصوص قانونية خاصة بها ترفع من العقاب وتمنع التمتع بظروف التخفيف الواردة بالفصل 53 من المجلة الجنائية. كما لا يتحقق ذلك إلا إذا تم رصد عقاب شديد لكل من يسعى إلى التدخل لدى السلطات الامنية والقضائية باستعمال النفوذ او علاقات القرابة والصداقة للمساعدة على تخليص مجرم من العقاب.