* بقلم الأستاذ: جمال الدين بوغلاب ما الذي يفعله الشاعر في وجه البنادق؟ وهو لا يملك إلا قلمه؟ وهو لا يحمل إلا ألمه وهو ما ذاق لظى الحرب.. ولا زار الخنادق وهو لا يصنع إلا الكلمات وهو مهما قال عن غضبته، يهوى الحياة. أبيات للشاعر «غازي القصيبي» جال بخاطري أن أصدّر بها طالع ومفتتح «القول»، وما أدراك ما ل»القول» هذه الأيام من السحر، خصوصا إذا ما أختتم «اجماعا» و»تهليلا» و»تصفيقا». وقد يكون «إدانة» أيضا. بحسب الحالة والوضع وما يطلبه المشاهدون ومن نما إلى سمعهم. كلها «أوتوجرافات» وتواقيع بدون أختام ولا مضامين. هزني سيل المشاهد المتراوحة بين حفل توزيع الأوسكار وفيلم عودة المسيح، ومسرحية «نادي مجلس الحقن» وحديث عن موقف المرجعيات الدينية و»التمسح» على أعتاب العمامات الملونة. إنها الديمقراطية المبشر بها. وأعلن لكم سرا عن «وجع» في صدري لا أجد لسؤاله إجابة هل تحتاج أمة العرب لتحقيق نهضتها إلى «أناس» وشعوب كادحة عاملة وآراء واضحة وألسنة ناطقة تحت أشعة الشمس وأعسب النّخل وهبوب نسيم أرض الضّاد؟ أم إلى أطيافا وصورا ضبابية بعيدة عنّا لا نكاد نتفحّص ملامحها، تتحدث بأصوات سواها ومن خلف الحجب؟ هل عاد زمن الأنبياء؟ أم تداخلت العوالم؟ أم عادت الرؤية اليونانية لتصنيف «البشر». هذا من تراب وذاك من نور وثالث من نار وربما رابع من نجاسة مدانة منذ البدء؟! نزعم أننا تعلمنا من أوطاننا وتاريخنا ما به تدحض هذه «التواقيع». لنسأل ألم يكن من الأجدى أن ينزل هؤلاء من صياصيهم لشوارع «البصرة» حيث ذاكرة ومشخص «بدر شاكر السياب» وتكون تجربة «غاندي» أليست تجربة معتقد وزعامة؟ ومتى كانت الزعامات أنصاف آلهة وأشباه رسل؟ كان هذا توقيعي الأول فالوسيلة تنبؤكم بالنتيجة. والمسلك دلالة على الغاية فهل هي: «تيوموقراطية بأجنحة الغيب»؟! «الأوتوغراف» الثاني هو «الميديا» والصورة التي كنا نأنس في دواخلنا قدرة على توظيفها وجعلها مطية وصيغة لتبليغ رسالة، فإذا بالمحصلة على ما أرى أننا أضحينا ضحايا للصورة، فهل هو عجز صاحب الفكرة والمثقف في التعامل مع هذا «الحادث»؟ هل العيب فينا؟ أم نحن ضحايا توجه؟ أم هو اختيار أساسه وعي مسبق بالمسألة؟ بالعودة إلى منظومة القرائن، لا يمكن أن نقر بأن «واقعنا» من خلال الصورة كان اختيار مثقف أو حتى إعلامي. وحتى نغادر التنظير نضرب أمثلة على ذلك. أما الأول: فيتعلق ب»مصطلح» أكاديمي تأتي «نجوم الأكاديمية» وتتزامن مع حملة هوجاء على العالمين العربي والإسلامي في إطار «الشرق الكبير» بضرورة إصلاح التعليم ولسنا ندري شكلا أم جوهرا؟ والأقرب إلى الوجدان انهما معا. وأضحى المرء يخشى إن سأل طلبته أو أورد مصطلح «أكاديمي» في جملة أو مقال أن يفهم على أنه سباق للتباهي والأغاني؟ ثم هل لنا أن نسأل عن خلفيات تكريس هذه الصورة النمطية للسلوك والعيش؟ لعلها بعض أوجه الحداثة التي غابت عنا إن بفعل الجهل أو لتقصير ما في احدى مراحل المعرفة ولذلك نسأل هل للرجوع إلى مقاعد المعرفة من جديد من سبيل؟ أما المحاولة الثانية لفهم هذا التوقيع بايجابية فهو تساؤل داخلي ممنهج يتعلق بمدى «نجاح» أصحاب الرأي ومسالك التربية والتعليم في الوطن العربي على وجه الافراد في توظيف الصورة ومكونات «المشهد» المصور في بيداغوجيا المعرفة؟! وهل للشكل القديم في تلقين المعارف وتلقيها بين الباث والمتقبل قداسة واكتمال نهائي لا يمكن أن يوضع موضع تساؤل؟ وهل ان التعليم لا يكون تعليما إلا بمعلم واقف يتكلم طول الوقت وتلاميذ بمناديل وفي وضعية جلوس واصطفاف؟ ألم يكن «سقراط» و»أفلاطون» يدرسون طلبتهم في «ساحة لاغورا» مشيا حتى سميت المدرسة ب»المدرسة المشائية»؟! أعتقد انه بشيء من مغادرة عقلية الإدانة لكل موضوع تعقّل، وموضوعية نافية للمزاجية يمكن أن نفهم بعض أوجه «الأزمة» و»الظاهرة». فكيف نقبل في معاييرنا ألا تتجاوز المحاضرات الأكاديمية في المؤتمرات العشرين دقيقة وفي مدارج العلم الخمسين دقيقة، خشية تسرب الملل وضياع تركيز المتلقي؟ وبالمقابل نجد قدرات شبابية لها طاقة على تحمّل آماد أطول بشكل يمس من مسلمات القائلين بضعف تركيز جيل اليوم وعزوفه عن التعلم. لذلك يكاد يستقرّ في وجداني بأن أزمتنا ليست أزمة جوهر بقدر ما هي أزمة منهج. فلا يقال كم معلومة قدّم المدرس بل بأية وسيلة تعامل وفي أية ظروف؟ مع هذا الإنسان المشروع الذي لا نملك إلا فهمه والتعامل مع عصره لأنه المستقبل والجزء الأهم من الراهن. فلا يجوز التولية ولا التورية والإدانة واللعن وخطاب التغييب الماثل بشبه أسطورة، أوقعت هذا «الأوتوغراف» درءا ورفضا لما تشهده بعض الصحافة العربية من افتاء واستفتاء بالحرمية والتكفير. فالقول خطير وسهل والأهم منه والأصعب هو فهم الظواهر في اطارها الانساني والجغرافي والتعامل مع مكوناتها بدون إحالتها إلى «الميتافيزيقا» عبر وسائط وهمية تزيد في عمق الهوّة وتحيل قضايانا بالوكالة إلى الغير الذي لا يؤمن جانبه بالضرورة. وإن اضطررنا.