اليك أرقام الطوارئ للاتصال الفوري عند وقوع أي حادث جوي أو مروري    دراسة: 72% من تلاميذ الابتدائي والثانوي في تونس لهم صعوبات في الرياضيات    اختتام مشروع فضاء 21 : تدريب وتكوين أكثر من 300 شاب وإدماج 116 شابا في سوق الشغل    أمسية احتفالية للترويج للوجهة التونسية في السوق المجرية    سيدي بوزيد: تأكيد انتظام التزويد بالمواد الأساسية خلال شهر رمضان    رضا شكندالي: لماذا لا يشعر التونسي بانخفاض التضخم؟    عاجل/ الفيضانات تضرب هذه المنطقة في ايطاليا واعلان حالة الطوارئ..    بطولة إفريقيا للاواسط: يوسف سلامة يعزز حظوظه في سباق التاهل إلى أولمبياد الشباب داكار 2026    غازي العيادي ينضم الى نادي ابو سليم الليبي    عاجل/ درجة انذار كبيرة ب6 ولايات..والرصد الجوي يحذر..    معهد الرصد الجوي: إسناد درجة إنذار كبيرة بست ولايات مع توقع هبوب رياح قوية    الصندوق العالمي للطبيعة بشمال إفريقيا يعلن عن إطلاق الدورة الأولى من "أكاديمية المواهب "    هام: بلدية تونس تحدد توقيت إخراج الفضلات خلال رمضان    عامر بحبة: رياح قد تتجاوز 100 كلم/س واليقظة مطلوبة    لطفي بوشناق يحل ضيفا ضمن سلسلة "فنانو العالم ضيوف الإيسيسكو"    ليالي رمضان بالنادي الثقافي الطاهر الحداد من 21 فيفري إلى 11 مارس 2026    رمضان ودواء الغدة الدرقية: وقتاش أحسن وقت باش تأخذوا؟    شوف وين كانت أعلى كميات الأمطار المسجلّة    الرابطة الثانية: برنامج مباريات اليوم    كارفور تونس: تخفيضات استثنائية وخصم 40% مع يسير و1500 قفة رمضان    أوباما يكسر صمته ويعلّق على نشر ترمب لفيديو "القردة"    انتخاب المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بجندوبة وخالد العبيدي كاتب عام من جديد    طقس اليوم الأحد 15 فيفري 2026    الرصد الجوي: درجة انذار كبيرة ب6 ولايات    سيدي بوزيد: الدورة الثانية للبطولة الاقليمية لديوان الخدمات الجامعية للوسط لكرة القدم النسائية    دوري أبطال إفريقيا: وقتاش الترجي يتعرّف على المنافس متاعو في ربع النهائي؟    تمثيل جريمة مقتل الفنانة هدى شعراوي... والعاملة المنزلية للفنانة تتحدث عن سبب قتلها "أم زكي" وتعتذر من الشعب السوري    مواجهات نارية في الرابطة الأولى: شكون ضدّ شكون ووقتاش؟    "رعب لا يوصف".. وثائق إبستين تكشف يوميات الضحايا وكواليس الاستدراج    تونس والسنغال: 6 عمليات ناجحة بتقنيات حديثة لتوسيع الصمام الميترالي بالقسطرة في مستشفى دلال جام    فرنسا: النيابة العامة تشكل فريقا خاصا للنظر في وثائق إبستين    الصراع الأوروبي الأمريكي: من تحالف الضرورة إلى تنافس النفوذ    الإعلان عن نتائج الأعمال المقبولة في الدورة 24 لمهرجان الأغنية التونسية    لماذا تتكاثر قضايا الاغتصاب والفضائح الجنسية في الغرب رغم اتاحته؟ ولماذا تتكرر في المجتمعات المحافظة رغم اللاءات الدينية و الأسرية؟    وثائق وزارة العدل الأمريكية: ظهور ستة مسؤولين كبار على الأقل من إدارة ترامب في ملفات جيفري إبستين    الدراما تسيطر والكوميديا تتراجع ..لماذا تغيّرت برمجة رمضان على تلفزاتنا؟    بين تونس وأثيوبيا: دفع التعاون في المجال الصحّي    3 أسرار عن الحبّ تتعلّق بالدماغ والرائحة والألم    سيدي بوزيد: رفع 55 مخالفة اقتصادية خلال حملة اقليمية    نابل: إتلاف 6.6 طن من المواد الغذائية غير الصالحة وغلق 6 محلات    للتوانسة...لقيت مشكل في الأسعار؟ اتصل بالرقم الأخضر !    فاجعة مزلزلة: العثور على أجنة ملقاة في القمامة..ما القصة؟!..    بطولة القسم الوطني أ للكرة الطائرة – مرحلة التتويج: نتائج الجولة الرابعة    الليلة.. أمطار أحيانا غزيرة وتساقط محلي للبرد    بين الرومانسية والأصالة.. لطفي بوشناق يفتتح "غيبوبة" برمضان    الجوية الجزائرية تعيد هيكلة رحلاتها نحو الشرق الأوسط وآسيا    عاجل : الصين تتجه لتطبيق إعفاء ديواني على الواردات من 53 دولة أفريقية    عرض خاص بشهر الصيام: لحوم محلية بأسعار تراعي القدرة الشرائية    الرابطة الأولى: مستقبل سليمان يواجه اليوم مستقبل المرسى    بعد ربع قرن.. رمضان يعود لفصل الشتاء    عاجل: القبض على شبكة مخدرات بين نابل والحمامات    منوبة: تواصل الحملة الجهوية لتلقيح الماشية من اجل بلوغ اهداف حمايتها من الامراض    طقس بارد وصيام قصير... رمضان يعود للشتاء بعد 26 عاماً..    من القديس فالنتاين إلى محلات الهدايا: حكاية يوم عيد الحب    رويترز: ويتكوف وكوشنير يعقدان اجتماعا مع مسؤولين إيرانيين في جنيف الثلاثاء    الشاب مامي، ناس الغيوان وكارول سماحة في الدورة السادسة ل''رمضان في المدينة''    أقل عدد ساعات صيام تسجّل في هذه الدول    اليك دعاء آخر جمعة في شهر شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الجودة ولوازمها
مشروع قانون توجيهي للتعليم العالي:
نشر في الصباح يوم 13 - 02 - 2008

من أهمّ مقتضيات قراءة النّصوص القانونيّة قراءة منتجة النظر إلى عناوينها وأبوابها وفصولها بربطها بالمبادئ الكبرى المتحكّمة في صياغتها والبانية لوحدتها الضّامنة لانسجامها.
بعض القراءات التي اطلعنا عليها لمشروع القانون التوجيهي الجديد للتعليم العالي سعت إلى التركيز على بعض فصوله وقد عزلتها. عمدا أو سهوا عمّا يسميه فقهاء القانون "بالوحدة العليا" Unité supérieure التي لا يخلو منها نصّ قانوني مثلما لم تنتبه إلى ضرورة التمييز بين القواعد التشريعيّة المعياريّة والقواعد التكوينيّة أوالتقنيّة.
تحدّد القواعد الأولى المبادئ العامة الموجّهة التّي على أساسها وداخل إطارها تشتقّ وتصاغ القواعد والفصول التكوينيّة لتشكل مجتمعة نصّا أومشروع قانون ذا قيمة نسقيّة داخليّة عالية.
- ومن أهمّ مقتضيات قراءة النصوص القانونية ومناقشتها النفاذ إليها من خلال المبادئ الكبرى لا من خلال اختيار بعض فصولها للاستدلال عمّا يكون القارئ قد اعتقده ويريد الدّفاع عنه قبل قراءة النصّ. أمّا قراءة النصوص القانونيّة قراءة خارجيّة فأداتها ربط النصّ بعد فهم فصوله في صلتها بالمبادي بالواقع التاريخي الذي دعا إليها وحمل عليها.
- يبدوالانسجام الداخلي لمشروع القانون التوجيهي الجديد للتعليم العالي في مسائل وقضايا تتكرّر بصور مختلفة في سياقات متعدّدة تجري جميعا للتأكيد على أنّ الضّابط الأكبر والمبدأ المولّد لهذا القانون هو ما يسمّيه النصّ بالأولويات الوطنيّة".
- ويبدوذلك أيضا عندما يتكفّل النصّ بالتأكيد عبر مختلف فصوله على الأهداف، أهداف منظومة التعليم العالي ومقاصد إصلاحها وعلى الوسائل الضروريّة لتحقيقها. وقد بان ذلك جليّا في تشبّع النصّ بعبارات وألفاظ كالتعاقد والشراكة والجودة والتقييم التي تحوّلت بفعل السّياق القانوني إلى مفاهيم مركزيّة مركّبة ومتعدّدة المعاني والقيم تشكّل نوى الإصلاح ومصدر مشروعيّة إرساء القانون الجديد.
- أمّا إذا نظرنا إلى هذا القانون من جهة الأسباب الدّاعية إليه وخصائص المرحلة التاريخيّة التي جاء فيها وتساءلنا كما يتساءل النصّ نفسه: لماذا؟ انتهينا إلى أمر مهمّ مفاده أنّ القانون القديم (1989) وما أدخل عليه من تنقيحات لم يعد يفي بما شهدته الجامعة - وتشهده- من تغيرات عميقة.
- هناك واقع جديد أصبح يحتاج إلى سند قانوني جديد ينظمه ويؤطره ويتحكّم في تطوره. إذ ليس ما يشهده التعليم العالي اليوم مجرّد إصلاحات جزئيّة أو كمّية بحيث نحتاج فقط إلى إدخال إصلاحات على القانون القديم "لسدّ الفراغات التشريعية" بالاجتهاد والتأويل.
إن منظومة التعليم العالي تعيش نقلة نوعية عميقة تحتاج إلى نص قانوني جديد ينظّمها ويضبط مؤسساتها لتستجيب لحاجات الوقت وقد تغيرت السياقات وتبدّل العالم.
والرأي عندنا أن كلّ نقاش لا يأخذ بعين الاعتبار مقتضيات القراءة الدّاخلية ومراسم القراءة الخارجيّة سيسقط في الاختزال والتّبسط وتحويل جهات التأويل إلى أهداف ومقاصد ليست هي مقاصد النصّ ولا هي أسباب نشأته.
بعد هذه الملاحظات ذات الصبغة المنهجية الضروريّة نسعى في هذه المحاولة إلى عرض أهمّ نتائج قراءتنا على أن نعود في مناسبات أخرى إلى قراءة تحليلية مفصّلة نتبع فيها النصّ فصلا فصلا ونرصد مفاهيمه واحدا فواحدا لمزيد الاستدلال على انسجامه الداخلي وعلى مشروعيّته التاريخيّة. ولنبدأ بالعنوان الأول الذي خصّص لبيان الأهداف الأساسيّة والتنظيم العام.
احتوى هذا العنوان الأوّل على ثمانية فصول جرت جميعها إلى بيان أهداف التعليم العالي والمهام الموكولة إليه:
- أول ما يجدر الإشارة إليه في هذا الباب أنّ الجامعة لم تتخلّ - كما قد سبق إلى أذهان البعض وكما قرأنا ذلك في بعض ردود الفعل - عن أدوار ووظائف كثيرا ما اصطلحنا عليها بأنّها أدوار تقليديّة.
- وقد يبدوفي الأمر مفارقة - سنعود إلى رفعها- من ذلك تأكيد فصوله الأولى على أنّ التعليم العالي "يهدف إلى إسداء التكوين الجامعي (...) وإثراء العلوم والمعارف(ف1). وليس كما ذهب البعض إلى القول أن التعليم العالي أصبح تكوينا مهنيا. ويؤكد القانون في سياق قريب (ف 2) أنّ الجامعة تهدف إلى "تنمية المعارف" مثلما يؤكد على أن التعليم العالي سيظلّ يقوم بدور آخر مهم تقليديّ هو دور البحث العلمي والعمل على تطويره وتنظيمه (ف2) مثلما ستواصل الجامعة بصفتها المصدر الأساسي للمعرفة في التصور التقليدي تأمين التكوين الحضوري (ف2) المتعارف عليه. منذ نشأة المدارس والكلّيات النظاميّة مثلما تضمن مجانيّته (ف7) وتفتح أبوابها لجميع المتحصلين على شهادة الباكالوريا أوعلى شهادة أجنبية معترف بمعادلتها لها (ف7). وإن جاء في الفصل السابع أنّه "يرخّص لمؤسسات التعليم العالي والبحث أن توظّف على الطلبة رسوم تسجيل" (ف7) فليس في هذا أي رفع أو دفع لمجانيّة التعليم وعموميّته. بل لعلّه من اللافت أن يؤكد العنوان الأول في فصله الثاني على أنّ الجامعة تضمن وتوفر "فرص التعلّم مدى الحياة" (ف2). وإذا وفرت هذا فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن يقال ان الجامعة تخلّت عن مجانيّة التعليم فقط لأن نفس الفصل (7) أشار إلى امكانية توظيف رسوم التسجيل على الطلبة مشروط بترخيص سلطة الإشراف.
- وأهمّ ما يتّصل بهذه الأدوار التقليديّة التي لم يتخلّ عنها التعليم العالي تأكيد القانون الجديد(ف2) أن من مهام التعليم العالي: المساهمة في إشاعة قيم المواطنة وتجذير الانخراط في الحداثة وتأكيد الهويّة الوطنيّة وإثرائها الحضاريّ وتفاعلها الإيجابيّ مع الحضارات الإنسانيّة". وهذا الدور كما لا يخفى اضطلعت به الجامعة التونسيّة منذ نشأتها ومساهمتها الفعّالة في بناء الدولة الوطنيّة بل أثناء حركة التحرر من الإستعمار وهذا ما يبدو كذلك في تأكيد مشروع القانون الجديد على "دعم استعمال اللغة العربيّة". (ف2) لم تتخلّ الجامعة اذن عن أدوارها التقليديّة وعلى رأسها التكوين ونشر المعرفة ودعم البحث العلمي.
فما وجوه الحاجة إلى قانون جديد؟!
ان الطريق إلى تحديد الحاجة المتأكدة إلى قانون جديد يمكن السلوك إليه من جهات عديدة أهمّها الآن أن نعيد قراءة الأدوار التقليدية بوضعها في السياق الذي يتنزل فيه هذا القانون وبرصد المبادئ الكبرى التي تؤطر عناوينه وفصوله (الأولى): ولذلك لا بدّ من إجراء تحليل نصّي لغوي هو الكفيل في نظرنا بتنبيهنا إلى أمر مهمّ مفاده أنّ ما يسمّى بالأدوار التقليديّة تتنزّل في إطار قانوني جديد يعطيها قيما ودلالات جديدة لأنّه يربطها بمبدأ عام أساسي: إخضاع أدوار الجامعة إلى الأولويات الوطنيّة. بناء على مبدأ أعمّ وأشمل يتمثل في أنّ للجامعة دورا مركزيّا وخطيرا هو: التنمية
- الجامعة تسهم في التكوين ونشر المعرفة لكن لا معنى لهذه المعرفة إلا داخل مفهوم جديد يقطع مع المفهوم الكلاسيكي للمعرفة، إنّه مجتمع المعرفة وهذا مفهوم جديد يعسر تحديد مختلف حمولاته إذا لم نربطه بشبكات المفاهيم المتصلة به: مجتمع المعلومات، تكنولوجيا الاتصالات، الثورة المعلوماتيّة، الثقافة الرقميّة، حقول الشبكات الافتراضية...
لا معنى للمعرفة ولنشرها خارج "تطوير التكنولوجيا"
وهذا ما سينتج عنه تغيّر جذريّ عميق في هياكل تقديم المعرفة ومسالك إسدائها بهذا نفهم كيف يحتلّ "التكوين عن بعد" و"التكوين حسب الطلب" قيما مركزيّة تتجاوز حدود التكوين الحضوري شكلا ومحتوى وزمانا ومكانا. وهذه أمور جديدة تحتاج إلى أطر قانونيّة جديدة لا يمكن أن تجد لها موقفا أوسندا في القانون القديم. ولهذه الأسباب تتكرر منذ الفصل الأول عبارات كثيرة تجرى جميعا وقد تشبّع بها النص - إلى القطع مع التصور التقليدي للمعرفة شكلا ومحتوى وهذا ما يمكن اختزاله مفهوميّا ومؤسساتيا في إحداث الجامعة الإفتراضية ذلك:
- أنّ التعليم الافتراضي يضعنا في مستوى التصوّر والسلوك والتفكير أمام طريقة جديدة للتعامل مع الواقع والتحكم فيه بل طريقة جديدة في "مفصلته" والإقامة فيه.
- أنّ هذا الشكل من التعليم يغيّر إحساسنا بالزمان ووعينا بالمكان بل يغيّر تغييرا جذريّا طرائق الشعور وبنيات الوعي واللاوعي معا. (طرائق التّواصل وأساليب المحاورة...) ولأنّ هذا التعليم الافتراضي يفتح الأبواب فتحا عجيبا على مهن لم ترها عين ولا خطرت بقلب وعقل بشر.
- التعليم الافتراضي مربوط برؤية جديدة للعالم وبوجهات نظر جديدة وبتصور جديد للعلاقات بين البشر وبتصوّر جديد للمعرفة.
لا بدّ إذن من قانون جديد ولا يكفي العمل على سد فراغات القانون القديم
في هذا السياق يحسن فهم المقصود "بالتكوين التطبيقي" بوضعه في إطار أعمّ وبربطه بالأهداف الكبرى للقانون الجديد الماثلة في عبارة مركزية "الأولويات الوطنيّة" اذ لا يقصد به "التكوين المهني" كما ذهب إلى ذلك بعض قراء القانون الجديد:
* يتحدّد معنى "التكوين التطبيقي" بربطه بصقل المهارات وتطوير التكنولوجيا وتوظيفها لفائدة المجموعة الوطنية (فصل 1)
* ويتحدد معناه أيضا ب"تنمية المعارف ونشرها لتأسيس اقتصاد يقوم على المعرفة".
* ويتحدد معناه بمطلب رئيسي: دعم تشغيلية الخريجيين وملاءمة التكوين لحاجات السوق وانتظارات المحيط الوطني والعالمي.
لا معنى للتكوين المهني في سياقه القديم وليست له دلالات تهجينيّة معياريّة سليلة الماضي ومربوطة بالفشل ومحدوديّة الامكانات الذهنيّة لطالبي العلم لأنّه لا معنى للتكوين التطبيقي خارج سياق "التحكم في التكنولوجيا الحديثة" (ف2) وخارج الخبرة العلميّة (ف7) وتعميق ثقافة الإبداع والمغامرة والاعتماد على النّفس.
ولتحقيق كل هذا نحتاج إلى مؤسسات وإلى تنظيم وهيكلة، ونحتاج لذلك إلى قانون جديد:
تخضع المؤسسات الجامعيّة إلى القوانين التي تخضع لها المؤسسات العموميّة ذات الصبغة الإداريّة (ف9) وتتمتّع بموجب ذلك "بالشخصية المدنية وبالاستقلال المالي" (ف9) وهي، مستقلّة في أداء وظائفها البيداغوجيّة والعلميّة وتضمن موضوعيةّ المعرفة (ف10).
لتحقق الجامعة أهدافها المعرفيّة وليتسنّى لها المساهمة الفعليّّّّّّة في تحقيق الأولويات الوطنيّة في ظل تحوّلات اقتصاديّة تعدّدت فيها التحديات واشتدت فيها المنافسة ضبط القانون الجديد آليات ورسم وسائل لا يمكن بدونها للجامعة أن تؤدي أدوارها:
1- العقود + الشراكة مع المحيط الاقتصادي.
إذ يمكن لمختلف هياكل البحث أن تبرم عقود شراكة مع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعيّة والثقافية ذات الصّلة تعزّز بها الأنشطة الاقتصادية والتنمويّة وتنمي بها في آن مواردها ومداخيلها (عقود التكوين)...
وبهذه العقود وبتعميق الشراكة مع المحيط الاقتصادي "يمكن أن تكون مؤسسات التعليم العالي والبحث مؤسسات عموميّة ذات صبغة علميّة وتكنولوجيّة". وأهمّ الإضافات الواردة في هذا القانون الجديد يتمثل في إرساء مبادئ التقييم الجودة والاعتماد بصفتها آليات أساسية لتحقيق أهداف التعليم العالي في ظلّ الأولويات الوطنيّة.
2- يشمل التقييم كل ما له صلة بالتعليم العالي بدون استثناء فهو مبدأ عام ينسحب على كلّ الأنشطة وعلى مختلف الهياكل:
* تقييم لمسالك التكوين وللبرامج.
* تقييم للأداء العلمي والبيداغوجي للمدرسين وإنتاجهم العلمي ولا صلة لهذا بالتفقد البيداغوجي.
* وهو أيضا تقييم لنتائج الخريجين في مستوى التعلم وخاصة في مستوى التشغيليّة.
* تقييم للبحث العلمي وتثمين له.
* تقييم للشراكة مع الجامعات الوطنيّّّّّّّّّة والأجنبيّة.
* تقييم للشراكة مع المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية.
* تقييم لمختلف عقود التكوين.
* إنه تقييم للتصرف البيداغوجي والإداري والمالي يطال المؤسسات الجامعية كما الجامعات.
وأهمّ ما في هذا التقييم انّه يقوم على المسؤوليّة والشفافيّة والإنصاف لأنّه يستند إلى مؤشرات موضوعية ومعايير واضحة ومضبوطة وغير سريّة لا في صياغتها ولا في نتائجها اذ تتولّى الهيئة الوطنيّة للتقييم وضمان الجودة والاعتماد "نشرها لإعلام الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث وإطارات التدريس والطلبة والإطارات الإداريّة" (ف45).
وبناء على هذا ستكون هياكل التعليم العالي ومؤسساته مطالبةً بوضع برامج وصناعة أهداف أي وضع خطط استراتيجية واضحة تسعى إلى تحقيقها.
هذا التقييم منه داخلي ومنه خارجي:
- داخلي: تقوم به مؤسسات التعليم العالي نفسها: هياكل ولجان مضبوطة معروفة وتعدّ في الغرض: تقارير سنويّة تحتوي على تحليل لأوضاع المؤسسة وظروف سيرها. كما تقوم بوضع الخطط اللازمة واقتراح الإجراءات الضروريّة لتطوير أدائها" (ف48) (العنوان الخامس).
- خارجي: تقوم به لجان من الخبراء وتشرف عليه الهيئة الوطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد التي ترفع تقارير سنوية في الغرض إلى الوزير المكلف بالتعليم العالي الذي يتولّى بدوره إعداد تقرير سنويّ شامل حول تقييم مؤسسات التعليم العالي يرفعه إلى رئيس الجمهوريّة.
يجرى هذا التقييم إلى تحقيق الجودة وتجرى الجودة إلى كسب الاعتماد.
وللجودة وجوه وعلامات مشتقة من "الأولويات الوطنّية" ومن دور الجامعة في التنمية:
- الإتقان في اكساب العلوم والمهارات.
- كفاءة الأداء المهني للخريجين.
- فاعليّة البحث العلمي والتجديد التكنولوجي.
- مدى تلاؤم التكوين مع متطلبات سوق الشغل.
وإذا استوفت المؤسسة شروط الجودة القابلة للقياس موضوعيّا ببيانات ومؤشرات قاد التقييم إلى الحصول على الاعتماد وهو يعني " قدرة هياكل المؤسسة ومواردها البشرية على إسداء الخدمات الأكادميّة والإداريّة وفقا لمعايير الجودة".
معنى ذلك: ان الإعتماد يشمل البرامج والطرق البيداغوجية والبحثيّة ومدى ملاءمتها لمستوى الشهادات والكفاءة والمهارات المنتظرة من الخريجين. وإذا كان الحصول على الاعتماد يخول للمؤسسة الانتفاع بإعتمادات ماليّة إضافيّة لدعم الجودة فإنه يمكن كذلك أن يسحب منها إذا أخلّت بمعايير الجودة ومواصفاتها.
ستظلّ الجامعة تقوم بدور أساسي في نشر المعرفة لكن لا معنى لهذه المعرفة خارج "مجتمع المعرفة" ولا معنى لمجتمع المعرفة خارج مفهوم التنمية. ولتحقيق هذا تبرز أهميّة:
1- مفهوم التعاقد (العقد) الذي يؤكد عليه القانون الجديد وما يتضمنه من مسؤولية مدنيّة وما يقتضيه من عدل وإنصاف وما ينتج عنه من شفافية في التقويم وما ينتج عنه أيضا من إجراءات عند إخلال أحد أطراف العقد بمحتواه.
2- ولسنا في حاجة في هذا المقام إلى التذكير بالقيمة القانونيّة للعقد بصفته عنوان مواطنة ولا بدلالاته السياسيّة والمدنيّة بصفته علامة وسببا لنشر قيم الشراكة والجوار.
3- هذه المواطنة وتلك الشراكة يمكن الوصول إليهما ونحن نقرأ القانون التوجيهي الجديد للتعليم العالي من جهات عديدة نكتفي بالإشارة إلى بعضها:
- ما يمكن أن نسميه الشراكة البيداغوجيّة: هي في نظرنا من أهم المبادئ التي تقوم عليها منظومة إمد: شراكة بين الأستاذ والطالب في صناعة الدرس بعيدا عن أساليب التلقين البالية والعقيمة.
- شراكة مع المحيط الاقتصادي في صياغة المسالك والبرامج...
- شراكة بين المؤسسات الجامعيّة الوطنيّة وشراكة مع المؤسسات الأجنبيّة.
تنزلت وظائف الجامعة في سياقات جديدة لذلك احتاجت لأداء أدوارها داخل شبكات مفاهيمية جديدة أهمّها :
- مفاهيم الجودة والتقييم بصفتها آليات مضبوطة تضمن للجامعة القيام بدورها التنمويّ الوطنيّ وتؤمن للشّهائد التونسيّة مصداقيتها ولخريجيها الاندماج في سوق الشغل العالميّة ولأساتذتها وباحثيها الانخراط بجدية وفاعلية في المجموعة العلمية العالميّة.
كل هذه المفاهيم وغيرها تندرج في إطار تحقيق الأهداف والأولويات الوطنية...
في ظل التحوّلات الإقتصادية والسياسية العالميّة المتسارعة والتغيّر المستمر للقيم لم يعد هناك وجود لمسلك أو تخصص أو بحث أو طالب أو أستاذ له قيمة مطلقة وثابتة. على الجامعة وهي منتجة للقيم أن تكون مستعدة باستمرار لإعادة تقويم نفسها حتى تكون لها قيمة.
ولضمان هذه القيمة وتثمينها تحتاج الجامعة إلى قانون جديد.
من هنا قيمة مشروع القانون التوجيهي للتعليم العالي وليس أهمّ ما في القانون قواعده وشروط الإلزام فيه لذلك وسّم بأنّه "توجيهي" ومقتضيات التّوجيه المحبّة والحوار.
(*) عضو هيئة التدريس بجامعة قفصة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.