رغم المفاجأة غير السارة لعودة بعض الوجوه «القديمة» وتقلدها لحقائب وزارية في الحكومة الجديدة، على غرار عبد الوهاب معطر الذي لحقته شبهة تجاوزات، كاتهامه «بالاستيلاء» على فيلا تابعة للمركز الوطني للمكونين وهندسة التكوين برادس، للسكن فيها دون وجه حق بعد «طرد» شاغلها ب"الحسنى"، أو اتهامه على الملإ في تظاهرة الاحتفال بعيد الشغل يوم غرة ماي الماضي بالتدخل لتشغيل ابنته... وعلى غرار وزير التعليم العالي المنصف بن سالم الذي وقّع بنفسه لنفسه على «تسوية وضعية» تعوضه عن سنوات الحرمان والسجن أي النضال، تكلفت على المجموعة الوطنية بأكثر من نصف مليار... رغم كل هذا، فإنه من العدل والانصاف ألا نتسرع في الحكم على الحكومة الجديدة بصرامة وقسوة، وأن نتوقع لها الفشل قبل أن تبدأ عملها، بدعوى أنها في عمومها إعادة انتاج أو رسكلة للقديمة، وأن تحييد وزارات السيادة عملية تجميلية «ظاهرية» لا غير، وذلك حتى لا ندخل في دائرة محاسبة النوايا وتثبيط العزائم. فبلادنا تبدو اليوم في حاجة ملحة إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي والاجتماعي لكي تصل دون مطبات تذكر إلى المواعيد الانتخابية المصيرية القادمة. وهذا الهدف مرتبط قطعا بأمرين هما أولا، حصول حد أدنى من الوفاق والتوافق بين الحكومة والأحزاب التي انبثقت عنها، أي المؤتمر والتكتل وأساسا النهضة من جهة، وبين أحزاب المعارضة والمنظمات المهنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف من جهة أخرى. وثانيا أن تقيم الحكومة الدليل على ارتفاعها فوق الحسابات الحزبية والفئوية، وأنها حكومة الشعب برمته وبكافة أطيافه، وهو ما كان عنوان الفشل الأكبر للحكومة الماضية التي بدت غير ماسكة بمقاليد الأمور في البلاد، وأنها تمثل ظلا لا غير لتلك الحقيقية التي تتحرك في الخفاء فتقرّر وتعيّن وتعزل وتخطّط. وإن تحييد وزارات السيادة لن يكون فعليا وحقيقيا وذا معنى إذا لم تكن أي الحكومة مطلقة اليدين في تأمين علوية القانون على جميع الأفراد والجماعات وحازمة في فرضه دون أي تمييز. فالرهان الأبرز الماثل أمامها، والذي عجزت السابقة عن رفعه، لأسباب عديدة متشابكة بعضها والحق يقال، يتجاوزها في ظرف ما بعد ثوري وبعضها الآخر لم يرق عملها إلى مستوى خطورته، بفعل التردد أو عدم وضوح التمشي أو للمعوقات المذكورة آنفا، هو تحقيق الأمن والرجوع به إلى وضع مقبول نظرا لأنه مفتاح الاقتصاد، أي الطريق الممهدة للانتعاش والرخاء والتشغيل. فقد عانت بلادنا طويلا من الفساد الذي التهم قسما كبيرا من خيراتها على حساب قوت الشعب ورفاهيته، ولا يعقل أن يلتهم الاحساس بعدم الامن السائد في مختلف الأوساط اليوم آمالها في غد أفضل على كل المستويات، وأن يشل الطاقات مهددا عددا لا يستهان به من المشاريع الاقتصادية القائمة وفي مقدمتها السياحة وقطاع المناجم، وأن يعرقل الاستثمارات الداخلية والخارجية، متسببا في تعطيل بعض اهم استحقاقات الثورة، أي محاربة البطالة والفقر والتهميش.