عندما يلتقي المؤرخ والباحث عيد الجليل التميمي بأحمد بيتور رئيس الحكومة الجزائري السابق والمناضل جلول عزونة ليجتمع العقل والبحث بالسياسة والنضال، فإن اللقاء لا يمكن إلا أن يحمل الإضافة في خضم كل اللقاءات والندوات والمؤتمرات التي تحتضنها تونس بشكل يكاد يكون يوميا منذ أسقطت الثورة كل الحواجز والموانع عن لقاءات النخب والمفكرين والسياسيين باختلاف تجاربهم ومواقفهم وآرائهم . تحت شعار "التحول الديموقراطي في الفضاء الجغرا-سياسي المغاربي، الحصيلة والآفاق"، افتتح فضاء التميمي بالتعاون مع مؤسسة أديناور أشغال المؤتمر التاسع والثلاثين لمنتدى الفكر المعاصر، الذي تواصل على مدى ثلاثة أيام، بمشاركة ثلة من الباحثين والديبلوماسيين والخبراء من دول المغرب العربي ومن أمريكا والغرب في لقاء عكس أهمية الجدلية المطروحة وما تحظى به من متابعة في المنطقة المغاربية. وقد أشار المؤرخ والباحث عبد الجليل التميمي إلى أن ثورتي تونس وليبيا غيرتا صورة البلدين في العالم بصورة جذرية ومنحت شعبي البلدين الثقة في النفس وكرست القناعة بأنهما أهل للتحكم في الحاضر لصنع المستقبل. ويرى التميمي أن أقدس المطالب لتأمين الانتقال الديموقراطي في الفضاء المغاربي تبدأ بالإصرار على الفصل بين السلطات الثلاث، وليس كما يدعيه بعض المستشارين اليوم، من أن الفصل بين السلطات لبناء نظام ديموقراطي ليس ضروريا لفضائنا المغاربي، واعتبر أن في ذلك ما يعكس أطروحات الأجندة السياسية التقليدية التي تتعارض مع مبدإ الفصل بين السلطات. ضبابية وشك وذكر التميمي بأن ذلك كان هدف مختلف معارك التحرير الوطنية عندما أقرت بناء أسس الدولة الحديثة وتوفير المصالحة والوفاق الوطني كأرضية لخلق مناخ جديد وفاعل، ووصف مرحلة الانتقال الديموقراطي الراهن في بلادنا بالضبابية والتعثر والتقاطع والقرارات الفوقية وهوما جعلها مسيرة غير فاعلة وبدأ يعتريها الشك بقدرة النظامين التونسي والليبي في تحقيق الانتقال الديموقراطي. وشدد التميمي على أنه، وبرغم كل الشكوك وكل الظروف والملابسات، لا مجال للتراجع عن هذا المكسب ولا يمكن إلا الإصرار والعناد في استكمال الديموقراطية الحقيقية، في الحياة والسلوك والمناهج التربوية، فضلا عن الاعلام والقضاء المستقل. ولم يكن أحمد بيتور، أول رئيس حكومة جزائري يستقيل من منصبه طواعية منذ استقلال الجزائر وضيف المؤتمر، أقل إصرارا من سلفه في التأكيد على أهمية نجاح المسار الديموقراطي في الفضاء المغاربي ملاحظا أنها المرة الأولى في التاريخ التي يعيش فيها العالم صحوة سياسية تجد فيها الإنسانية نفسها واعية ومتفاعلة سياسيا. ودعا إلى توخي الحذر من الانتقال من السياسات الشعبوية إلى السياسات السلطوية، مشيرا إلى خطورة أن يعيش العالم الدكتاتورية العلمية العالمية ويخضع في ذات الوقت إلى تلك القدرة على مراقبة المجتمع بوسائل لا أحد كان يتوقعها . 3 اعتبارات بيتور الذي أعلن حديثا اعتزامه دخول سباق الانتخابات الرئاسية الجزائرية في 2014، شدد في تقييمه للمشهد المغاربي على أن المغرب الكبير يعيش تحولات من أنظمة متسلطة ولو بصفة متفاوتة، إلى البحث عن آفاق سياسية والبحث عن اتحاد جهوي لا يزال حبرا على ورق. وأشار إلى أن المنطقة المغاربية وقبل الإسلام والعروبة كانت أرض استقبال وانفتاح لكل الشعوب القادمة اليها من شمال المتوسط، وقد جعل منها موقعها الاستراتيجي هدفا للغزو والاطماع. وحدد بيتور ثلاثة اعتبارات في كل تحول ديموقراطي وهي العالمي الشمولي والجهوي والوطني مشيرا إلى أن في كل بلد من بلدان المغرب مطالب اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية. تحديات جلول عزونة الباحث والجامعي مؤسس الحزب الشعبي للحرية والتقدم والذي كان على درجة من الحماسة في مداخلته أشار من جهته إلى أن الانتقال الديموقراطي يضع الاصبع على أهم مشكل تعيشه المنطقة المغاربية في الوقت الراهن انطلاقا من التسونامي الذي بدأ من تونس والثورة التي أتت على غير مثال بفكر جديد وطابع سلمي واجتماعي يمس النظام العالمي غير العادل. وتساءل ان كان هذا المسار الانتقالي سيتجاوز عتبة العطالة التي تتعمق، أم أنه يستعيد الديناميكية المطلوبة، مشيرا إلى أن المسار تعطل بسبب هاجس السلطة والرغبة في الهيمنة. ودعا المناضل جلول عزونة إلى اليقظة ومواصلة التصدي لقوى الجمود والرجوع إلى الوراء في الداخل أو الخارج والتي لا تريد للثورة النجاح محذرا من ناحية ثانية من السقوط في الهوية الجامدة المتحجرة التي لا ترى من الماضي الا الركود وترفض الرهان على الهوية الديناميكية التي تسعى للانفتاح على المستقبل وخاصة على العلوم والفلسفة والتقنية... أشغال المؤتمر التي تستمر اليوم وغدا تشمل عددا من المداخلات بعناوين مختلفة تشمل التداعيات الاقتصادية للتحولات الديموقراطية في المغرب الكبير والمغرب الأقصى نموذجا ودور الجيش في التحول الديموقراطي في تونس والمسار المتعثر للديموقراطيات بالمغرب الكبير بعد الثورة، ومنها إلى الثورات المتواصلة وثقافات المقاومة بالمغرب الكبير، والأكيد أن من اختار أروقة مؤسسة التميمي لمتابعة ندواتها سيضمن على الأقل الامتاع والمؤانسة بعيدا عن كل أنواع الدمغجة والسفسطة...