بلهجة لا تخلو من المرارة والألم، خلص الدكتور والباحث عبد الجليل التميمي الى أن من المهازل التي تجمع العرب اليوم أن تكون ذكرى وعد بلفور بطعم ربيع إسرائيلي... موقف وإن طغى عليه التشاؤم، فقد لا يكون مبالغا فيه... لقاء الأمس الذي احتضنته مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات للحديث عن الذاكرة الفلسطينية وتاريخ الزمن الحاضر في لقاء جمع بين «الأستاذ وتلميذه» بعد انقطاع التواصل نحو أربعة عقود، ليتداولا على استعادة بعض من جوانب وعد بلفور في الذكرى ال96 لتفويت من لا يملك لمن لا يستحق. الاستاذ العربي بوقرة وتلميذه علي منجور استعرضا، كل على طريقته، فاختلفا حول بعض النقاط واتفقا حول بعضها الآخر. منذ البداية كان عنوان اللقاء مثيرا للاستغراب، ذلك أن الحديث عن جذور وعد بلفور سنة 1917 وأهمية الجيوسياسي للكيمياء في عالم اليوم أمر قد يغيب عن أذهان الكثيرين، وهو ما قدمه الأستاذ العربي بوقرة الاستاذ المختص في علم الكيمياء والنووي الكيميائي، والذي توقف طويلا عند إحدى الشخصيات المؤسسة للكيان العبري وهو حاييم وايزمان الذي كان أول رئيس لإسرائيل، وشخصية الكيميائي والعالم التي أوصلته الى تحقيق الحلم الصهيوني باعتباره مهندس ومكتشف صنع المتفجرات التي قدمها لبريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية والتي كانت جزء من المقايضة الحاصلة: وعد بلفور مقابل تكنولوجيا المتفجرات التي كانت جزءا من المخططات غير المعلنة وقادت الى إقامة المشروع الإسرائيلي على أرض فلسطين التاريخية. ولعل أهم ما أشار اليه الدكتور العربي بوقرة الواقع العلمي لإسرائيل اليوم وما قام به وايزمان الذي يحمل في جرابه 120 براءة اختراع عندما أرسى أولى الجامعات الإسرائيلية وأسس مركز حيفا للبحوث منذ 1912، واليوم فان معهد وايزمان للعلوم يصنف ضمن أول مائة أفضل مؤسسة علمية في تصنيف شانغهاي. طبعا، اهتمام وازمان بالعلوم والأبحاث رافقه اهتمام بالفلاحة على أرض فلسطين نظرا لما يعنيه ذلك من ارتباط بالأرض والتملك لا سيما وأنه لم يكن مسموحا لليهود في أوروبا بممارسة الفلاحة... علي منجور التلميذ الأستاذ بدوره، الناشط الحقوقي وصاحب العديد من البحوث حول الملف الفلسطيني، سلط الضوء على غياب القضية التي قال أنها قُبرت، واعتبر أن وعد بلفور هو الرابع في قائمة الوعود لإقامة وطن لليهود في فلسطين وقد سبقه وعد نابوليون على أسوار عكا ومنه وعد ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى قبل ذلك ... الحديث عن وعد بلفور بعد 96 عاما لا يتوقف عند جانبين أساسيين لذلك الوعد الذي سيفصل بين الشرق الأوسط وشمال افريقيا ويكون سببا لتشتيت وتفريق العرب الذين لم تنفعهم ثرواتهم الطبيعية كثيرا وزادهم الجهل والتخلف ترديا وافلاسا... المؤسف اليوم أن تمر ذكرى هذا الوعد وكأنه لم يكن، في ظل واقع عربي أشبه بالرجل المريض المتهاوي، في انتظار الخلاص الذي يبدو متلاشيا يوما بعد يوم. ولعل ما يؤكد انصراف الاهتمام عن القضية الفلسطينية ما تعرضت له غزة من قصف إسرائيلي هذا الأسبوع خلف أربعة شهداء فلسطينيين دون أن يثير ذلك أدنى اهتمام أو ردود فعل في مختلف الأوساط الديبلوماسية بدول الربيع العربي كما خارجها، والتي باتت تغرق اليوم في قضاياها اليومية وخلافاتها وصراعاتها من أجل السلطة ... عزاء الفلسطيني اليوم أن لهذا الشعب، برغم مآسيه الكثيرة والطويلة، ذاكرته الوطنية المتوارثة جيلا بعد جيل وإرادة أقوى من كل النكبات والنكسات ومن كل اتفاقيات السلام والتنازلات التي حصل عليها اليهود، وأن لهذا الشعب بكل مكوناته ما يكفي من المناعة والحصانة لاستكمال مسيرته النضالية واستعادة حقوقه المشروعة حتى لا نضطر لتصديق ما بات يروج اليوم بأن الشعوب العربية ثارت على الظلم وتمردت على الدكتاتورية لتصنع ربيع إسرائيل.