بقلم : أبو غسان ألقى وزير الشؤون الاجتماعية الأسبوع الماضي بما يشبه «بالون اختبار» باقتراحه النظر في إمكانية التمديد في سن التقاعد بسنتين كحل لمعالجة أزمة الصناديق الاجتماعية التي يقال أنها تستفحل يوما بعد يوم. خبر سيء جديد يضاف إلى سلسلة الأخبار السيئة التي أصبحت تلاحق التونسيين حيثما ولّوا وجههم. ودعوة جديدة للتضحية، وتمهيد آخر للقرارات الموجعة التي كثر الحديث بشأن حتمية اتخاذها لإنقاذ البلاد. الصناديق الخاوية، أو المهددة بالخواء - في كل المجالات تقريبا - تحولت إلى معضلة وطنية حقيقية.. ولكن خواء صناديق الضمان الاجتماعي يظل الأخطر والأشد تأثيرا على معنويات الناس وخوفهم من ضياع سنوات شقائهم. لا أحد ينكر أن هناك أزمة حقيقية في الصناديق الاجتماعية وأن الأمر يستحق إعادة النظر في العديد من المسائل المتعلقة بالتقاعد والضمان الاجتماعي. ولكن الثابت انه لا دخل للمنخرطين في الحالة التي وصلت إليها هذه الصناديق اليوم. كما أنها ليست بسبب تحسن معدل حياة التونسيين فقط...وإنما تعود بالأساس إلى تعامل السلطات على مدى عقود مع هذه الصناديق وخاصة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي جعلت منه بقرة حلوب تمد أيديها إلى خزائنه كلما احتاجت إلى المال لسد ثغرة هنا أو لتمويل «مشروع» هناك، في مجالات لا تهم المنخرطين في الصناديق لا من بعيد ولا من قريب. كما تعود أزمة الصناديق إلى تساهل السلطات طويلا مع العديد من الشركات الوطنية وغض النظر عن عدم دفعها لالتزاماتها تجاه الصناديق لتصبح ديون هذه الشركات بمئات ملايين الدنانير. إن للتونسيين اليوم تجربة مرة مع صندوق التأمين على المرض رغم حداثته، وهو اليوم يعاني بدوره من مصاعب جمة .. فقد وقع الترفيع في مساهمة الأجراء والأعراف في ضريبة الضمان الاجتماعي عند بعث هذا الصندوق على أمل أن تتحسن الخدمات الصحية للمواطن .. ولكن كل الدلائل تؤكد اليوم أن المواطن التونسي ما يزال يشقى في مستشفيات القطاع العمومي، وأن الخدمات الصحية لم تتحسن ولو قليلا. لذلك فإنه بالتوازي مع البحث عن حلول لأزمة الصناديق الاجتماعية من المفروض أن يعرف المنخرطون كل شيء عن طريقة تسييرها ماضيا، والإطلاع عن كل ما يهم حسابات هذه الصناديق ومسؤولية كل طرف في ما وصلت إليه اليوم من مصاعب . «بالون الاختبار» الذي رمى به وزير الشؤون الاجتماعية أثار جدلا واسعا .. بل أنه أصاب شرائح واسعة من الأجراء بالفزع والخوف وعدم الاطمئنان للمستقبل. وبغض النظر عن حظوظ اعتماد هذا المقترح كحل للأزمة الراهنة التي تمر بها الصناديق الاجتماعية فإنه من المؤكد أن التمديد في سن العمل دون اتخاذ إجراءات أخرى في مجال إدارة شؤون صناديق الضمان الاجتماعي لن يمنع من إعادة إنتاج أخطاء الماضي.