مثلت الأحداث التي تشهدها البلاد التونسية في الفترة الأخيرة مادة خصبة لوسائل الإعلام المحلية وخاصة منها الأجنبية. وكان دور الإعلام ضروريا ومهما في نقل الوقائع وشرحها وتحليلها إنارة للرأي العام بهدف تحديد المسؤوليات فيما يحدث في تونس فجأة وهي التي كانت إلى وقت غير بعيد نموذجا للأمن والاستقرار والتضامن الاجتماعي ما جعلها قبلة للوافدين والمستثمرين من مختلف بلدان العالم وهو ما مثل صدمة لأهلها وللمجتمع الدولي عامة بحكم الصورة المشرقة التي كانت تحظى بها في العالم بأسره والتي انقلبت فجأة إلى فوضى عارمة وانفلات أمني انطلقت شرارته من مأساة "محمد البوعزيزي" الذي دفعه اليأس والإحباط والقهر إلى الانتحار حرقا في سبيل لقمة العيش نتيجة سوء التصرف الإداري وخاصة في الجهات الداخلية للبلاد دون استثناء فكانت القطرة التي طفح بها الكيل وأبانت عن فساد مالي وإداري في مختلف جهات البلاد المحرومة من أبسط مرافق الحياة الكريمة والتي عانى سكانها من الحيف والظلم والحرمان وتردي مستوى العيش طيلة 23 سنة وسمت بالتغيير وإنقاذ البلاد مما تردت فيه أواخر عهد الزعيم الراحل "الحبيب بورقيبة" وخلنا أننا بدأنا مرحلة جديدة من الحريات إلا أن ما حدث وما يحدث الآن أبان لنا بالكاشف أن تغيير السابع من نوفمبر لم يكن في مستوى انتظارات الشعب التونسي ولم يحقق مبادئ السابع من نوفمبر التي وردت في البيان وأكد أن هذا "التغيير" المزعوم هو الآخر في حاجة ملحة إلى تغيير ينصف الفئات المحرومة من أبسط الحقوق على غرار الشغل والعلاج وحق التعبير...في المقابل برزت الطبقة الرأسمالية وأصبحت هي "الفاتق الناطق" على حساب الضعفاء والفقراء وما أكثرهم مقارنة بهذه القلة القليلة التي أثرت بأموال الشعب...والنتيجة ما نحن عليه الآن من ثورة شعبية عارمة منطلقها عفوي وطبيعي بسبب فقدان الثقة بين الشعب والنظام وهو ما أدى وفي وقت قياسي إلى الإطاحة بالرئيس "بن علي" رغم القرارات التي أعلنها عنها محاولة منه لامتصاص الغضب وإرجاع الأمور إلى مجاريها..لكن هيهات لقد سبق السيف العذل لأن إرادة الشعب لا تقهر والتوق إلى الحرية جعله يضحي بالغالي والنفيس والدليل عشرات الشبان الذين ضحوا بحياتهم في سبيل المجموعة. قناة "الجزيرة" "مشكورة" كانت تتباع الأحداث منذ اندلاع شرارتها الأولى لحظة بلحظة وبغض النظر عن مدى مصداقية الأخبار التي تنقلها والمتعلقة بما يجري في بلادنا وخاصة في الفترة الأولى من الأحداث...لم تعلق صحيفتنا الالكترونية "التونسية" على ما يبث من أخبار على قناة الجزيرة بخصوص الوضع في تونس واعتبرنا أن الهدف من ذلك نبيل ولا يتجاوز السعي إلى التهدئة والتضامن مع الشعب التونسي ومآزرته في محنته ولو بالكلمة على غرار بقية وسائل الإعلام... الآن وقد تغير الأمر..وتحقق مطلب الشعب المنادي برحيل "بن علي" و "الشرذمة" التي تسببت في التلاعب بأموال الشعب وقمع حرياته...وتسلم الوزير الأول "محمد الغنوشي" رئاسة البلاد المؤقتة..ودعوته إلى الحوار والتهدئة تجاوزا للفتنة خاصة وأن عصابات منظمة استغلت الفراغ السياسي والأمني للسطو والنهب والسلب وتخريب الممتلكات العامة والخاصة...وأصبح المواطن مهددا في حياته ليلا ونهارا..وأصبحت القضية تصفية حسابات..في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها بلادنا..نحن في حاجة إلى التهدئة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ودور وسائل الإعلام المحلية والأجنبية العامة والخاصة مهم تبعا للرسالة النبيلة المنطوية بعهدة الإعلام إلا أن ما نلاحظه أن بعض وسائل الإعلام الأجنبية وخاصة قناة "الجزيرة" أصبحت تتاجر بدماء الشعب التونسي وتبث الفتنة وهو أمر خطير للغاية...فتسلم "محمد الغنوشي" الرئاسة المؤقتة لتهدئة الوضع وفقا لمقتضيات الدستور قد شككت فيه هذه القناة وهو مؤشر ينبئ بالخطر ويؤسس للفتنة الداخلية..حتى تجد قناة "الجزيرة" مادة إعلامية خصبة وجاهزة على حساب دماء الشعب التونسي.. صحيح أن الوضع مأساوي للغاية على اعتبار الفراغ الأمني والسياسي الحالي...لكن لا نقبل من "الجزيرة" أو غيرها التدخل في الشأن الداخلي للبلاد فالشعب التونسي الذي حقق التغيير الفعلي ووضع أبناءه العزل حدا للاستبداد والقهر هو الأدرى بمستقبله وتحديد مصيره وليس في حاجة إلى مغالطات إعلامية غايتها إشعال فتيل الحرب الأهلية شعب تونس التي أنجبت شاعر "إرادة الحياة" "أبو القاسم الشابي" لا يمكن أن ينتظر دروسا من أحد...