وزارة المالية تكشف أسباب رفض تأمين السيارات القديمة    6 أيام من شوال = صيام عام كامل! تعرف الحقيقة؟    شنّوة الشهر الي يجي بعد شوال؟    شنوة صار لبدنك بعد 30 يوم صيام رمضان؟    مع نهاية عطلة العيد: كيفاش باش تكون أحوال الطقس بداية الأسبوع ؟    شركة النقل بقفصة تدعو حرفاءها للحجز المسبق    بعد ضربة عراد وديمونة.. نتنياهو يهدد باستهداف قادة إيران    اللاعب السينغالي إدريسا غي يعرب عن استعداده لإعادة ميداليات 'الكان' إلى المغرب!    تاكل في 10 دقايق؟ قلبك في خطر!    مدير عام وكالة الاستثمار الخارجي: الاستثمارات الخارجية ستساهم ب 4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025    وقتاش يدخل الصيف؟    من مضيق هرمز إلى تونس: حين تُوجّه الجغرافيا التاريخ و الحاضر    الجيش الإيراني يعلن تنفيذ هجوم ناجح على مطار بن غوريون بمسيرات "آرش - 2"    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    دول الاتحاد من أجل المتوسط تعتمد ثلاث استراتيجيات مائية لتعزيز الحوكمة الإقليمية حتى 2030    لقاء "المجتمع المدني والمناطق الرطبة" المتوسطي من 24 الى 26 مارس 2026 بتونس    اكتشاف طبيعي: حاجة في الكوجينة تحميك من السكري والسرطان    رمضان في المراقبة: أكثر من 400 طن مواد غذائية تالفة تحجزت    الترجي والنجم الساحلي في قاعة الزواوي...وين تنجم تتفرّج ووقتاش؟    يهمّك: تونس تعود إلى التوقيت الشتوي بعد عيد الفطر    وزارة التربية تبرمج 276 رحلة مدرسية لفائدة تلاميذ الأرياف والأحياء الشعبية    برنامج تونسي ألماني يفتح باب الترشحات لدعم التشغيل بتمويلات تصل إلى 10 ملايين يورو    عاجل: سقوط مروحية في قطر ووفاة 6 أشخاص    عاجل/ قتلى في تحطم مروحية بهذه المنطقة..    البحرين تعلن اعتراض 145 صاروخا و246 مسيرة    تونس تتوقع استقطاب استثمارات أجنبية بقيمة 4 مليارات دينار في 2026    تونس الأولى عالميًا في الزيتون البيولوجي وقفزة في صادرات الفلاحة البيولوجية    كير يستعيد ذهبية 3000 متر في بطولة العالم داخل القاعات    اليوم في زواوي: مواجهتان للترجي، الإثارة مضمونة...التفاصيل    السويسري إيهامر يحطم الرقم القياسي لمسابقة السباعي في مونديال ألعاب القوى داخل القاعة    اليوم كأس تونس : ماتشوات نار من ال13:30..شكون ضدّ شكون؟    بعد غلق مضيق هرمز.. إيران ترد على تهديدات ترامب    حملة أمنية بالعاصمة تُطيح بعناصر إجرامية خطيرة وحجز كميات من المخدرات    طقس اليوم.. انخفاض طفيف في درجات الحرارة مع بعض الأمطار المتفرقة    أول رد إيراني على إنذار ترامب لطهران وطلبه فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    الرأسمالية ونهاية التاريخ .. الإنسان بين هيمنة السوق واستلاب الكينونة    إعلان نتائج الدورة ال 9 لمسابقة أحسن زيت زيتون تونسي بكر ممتاز    تكاملت فيه كل المكوّنات... مسلسل «حياة» يعيد الحياة للدراما التلفزية التونسية    أولا وأخيرا .. الأسعار عندنا وعندهم    الزهروني: القبض على مروّع الأطفال القُصّر    السعودية تأمر الملحق العسكري الإيراني و4 من موظفي السفارة بمغادرة البلاد    اتحاد الناشرين التونسيين يطلق أول معرض دوري للكتاب تحت شعار "اقرأ لتبني"    كاس رابطة ابطال افريقيا (اياب ربع النهائي): بيراميدز المصري حامل اللقب يودع المسابقة    الليلة.. انخفاض طفيف في درجات الحرارة    ديوان الخدمات الجامعية للشمال ينظم الدورة الرابعة لملتقى الطلبة الدوليين من 24 الى 27مارس لفائدة 150 طالبا/ة    تحرّك عاجل من وزارة العدل إثر زيارة مفاجئة لمركز إصلاح بسيدي الهاني    قرارات غلق صارمة في تونس الكبرى لمكافحة الاحتكار وحماية القدرة الشرائية    وزارة النقل تدعو المترشحين لمناظرة انتداب 6 متصرفين إلى إيداع ملفاتهم قبل 17 أفريل    سيدي بوزيد: الدورة ال 27 من مهرجان ربيع الطفل بالمزونة من 24 الى 26 مارس    التشكيلة المتوقعة للترجي في مواجهة الأهلي الليلة    اليوم: دخول مجاني للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية والمتاحف المفتوحة    في اتصال مع ماكرون: قيس سعيّد يطالب بمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي واسترجاع الأموال المنهوبة    غدوة: الدخول ''بلاش'' إلى المواقع الأثريّة والمعالم التاريخيّة والمتاحف    في الوطنية 2: شنّوة تنجم تتفرّج في العيد؟    تونس; الجمعة 20 مارس هو أول أيام عيد الفطر المبارك    وزارة الصحة تكشف عن حزمة من الإجراءات لفائدة الصيدلية المركزية لتأمين التزوّد بالأدوية الحيوية    جندوبة: عيادات طبية مجانية في"رمضانيات صحية"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلاقات الفرنسية التونسية والإرث الاستعماري
نشر في وكالة بناء للأنباء يوم 12 - 02 - 2013

تكشف التصريحات الرسمية الفرنسية والتي أدلى بها وزير الداخلية الفرنسي مؤخرا عن الوضع في تونس والتي يكشف فيها عن حالة عدائية متأصلة للتيارات الإسلامية ،ومن قبلها تصريحات وزيرة خارجية ساركوزي التي أعربت فيها عن استعداد فرنسا للتدخل أمنيا وإجهاض الثورة التونسية قبل فرار المخلوع بيومين فقط وهو ما يظهر طبيعة العلاقة بين تونس والمنطقة المغاربية عموما وبين الدولة الاستعمارية السابقة التي لم تتخلى عن ارثها الاستعماري بعد . وهو ما يدفع إلى السؤال عن طبيعة العقلية التي يصدر عنها التعامل الفرنسي مع الأوضاع في تونس ؟ وهل تخلى السياسيون الفرنسيون عن تعاملهم الاستعماري مع مستعمراتهم السابقة أم أنهم لازالوا بصدد إنتاج ذات الخطاب السائد والذي ينطلق من حالة نفي للآخر العربي الإسلامي والتعامل معه بمنطق القاصر المحتاج لوصاية دائمة ثقافيا وسياسيا وحتى امنيا وعسكريا ؟
تاريخيا تميز الاحتلال الفرنسي لتونس ( ولباقي المستعمرات الأخرى ) بجملة من السمات الأساسية التي يمكن اختصارها في جملة من النقاط المركزية حيث:
ركز الاستعمار الفرنسي لتونس على استنزاف المستعمرة ( بفتح الميم ) اقتصاديا ومارس عليها أقصى أشكال العسف عسكريا .
حرصت فرنسا على تذويب هوية البلاد التي احتلتها حيث قامت بمسخ الشخصية الوطنية وقامت بتركيز ثقافتها ولغتها في تونس بصورة قد لا نجدها لدى نظام استعماري آخر( بل حاولت تغيير عقيدة أهل تونس من خلال انعقاد المؤتمر الافخارستي سنة 1930 والذي وضع استراتيجيا تنصير الشعب التونسي ).
خلافا للاستعمار الانغلوفوني الذي ترك هامشا للحريات الثقافية والسياسية ( وجود أحزاب وبرلمانات وانتخابات في مصر والهند على سبيل المثال ) فإن فرنسا عملت على منع أي تجربة سياسية مستقلة وعاملت شعب تونس بمنطق القاصر الذي ينبغي فرض الحماية عليه بصورة لا تترك له أدنى هامش للحضور خارج المنظومة الفرنكوفونية .
خلقت فرنسا نخبا محلية تدين لها بالولاء والتبعية ثقافيا وسياسيا ( وهو أمر أشار له فرانز فانون في كتابه "معذبو الأرض" ) تعاونت معها في قمع الهوية المحلية وفي ترسيخ نمط ثقافي هجين يستلهم النموذج من فرنسا الأم الحامية .
واصلت فرنسا بعد انتهاء احتلالها المباشر للأرض سياسة دعم الفرنكوفونية الثقافية وترسيخ التبعية السياسية والثقافية وأحيانا العسكرية بشكل قد لا نجده لدى قوى استعمارية أخرى .
تعاملت فرنسا مع تونس ( ومع مستعمراتها السابقة جميعا) بنمط من المركزية الثقافية وحتى السياسية إلى الحد الذي جعلها تتدخل في شؤونها الداخلية بصورة فجة وهمجية أحيانا.
وانطلاقا من كل هذه العوامل القائمة على فكر الوصاية المعتل واصل السياسيون الفرنسيون بمختلف توجهاتهم ( يمينا ويسارا) التعامل مع مستعمرتهم السابقة( وأنا هنا أستعير اللفظة التي استخدمتها مذيعة قناة فرانس 24 الإخبارية عند حديثها عن تونس) بذات العقلية الاستعمارية وهو الأمر الذي مثل عائقا في تواصلهم مع القوى الرافضة لسياساتهم الهيمنية خاصة بعد بداية التحولات الديمقراطية الحاصلة في المنطقة . فبعد ثورة شعب تونس وما أفرزته الانتخابات من وصول الإسلاميين المعتدلين إلى السلطة تحركت فرنسا بشكل يكشف عن انزعاجها من هذه الثورة التي أطاحت بإحدى أعتى الدكتاتوريات الحليفة لها وأدت إلى وصول خصومها الثقافيين إلى السلطة بصورة اعتبرتها تهديدا لما راكمته من ميراث لغوي وفكري ومسا بمصالحها في البلاد .
فالإرث الاستعماري الفرنسي في تونس له تجلياته السياسية والاقتصادية ولكن الأهم هو جانبه الثقافي والفكري الذي تعبر عنه نخب متفرنسة في البلاد تعادي الدين الإسلامي واللغة العربية ولأن تونس تخلو من الأقليات الدينية والعرقية مما يجعل إمكانية التدخل تحت لافتة هذين العاملين غير ذات جدوى ،تعاملت فرنسا بنوع من التشنج مع الانتقال الديمقراطي التونسي وعملت على تأزيمه منذ لحظاته الأولى وإذا كان ساركوزي اليميني قد كشف عن خلفياته الاستعمارية من خلال رغبته الواضحة في إنقاذ نظام بن علي فإن فرنسوا هولند الاشتراكي تعامل مع التيار الإسلامي المشارك في الحكم بعدائية واضحة سواء من ناحية إعلامية ( الأجهزة الإعلامية الفرنسية بما فيها الحكومية منها تشن حملة متواصلة على القوى الإسلامية التونسية وبصورة تكاد تكون يومية ) ليتأكد الأمر مع التصريحات العلنية لوزير الداخلية الفرنسي حيث وصف حزب النهضة المشارك في السلطة بأنه حزب ظلامي مغلق يشكل تهديدا على الديمقراطية والحريات داعيا وبكل صفاقة إلى دعم ما أسماها القوى اللائكية في الانتخابات القادمة للإطاحة بالإسلاميين مستندا إلى صرخات الاستغاثة الوهمية التي يطلقها أتباعهم في تونس والتي لا تخفي رغبتها في إقصاء الإسلاميين ودعوة فرنسا إلى التدخل المباشر في الشأن التونسي لوقف ما تسميه أسلمة المجتمع ( هكذا ؟؟) .
إن تعقد المشهد السياسي التونسي وتصاعد حالة التجاذب الحزبي والإيديولوجي ودخول البلاد في مضيق انتقالي لازالت لم تخرج منه بعد يجعل كل مراقب يدرك طبيعة الدور السلبي الذي تساهم به فرنسا في إفشال العملية الديمقراطية في تونس ومحاولتها استنساخ النموذج الانقلابي سيء الذكر ضد النظام التعددي الناشئ .
فما تبديه فرنسا من عداوة صريحة للتيار الإسلامي يكشف عن طبيعة العقلية الاستعمارية التي يصدر عنها العقل السياسي الفرنسي في تعامله مع الديمقراطية الناشئة في تونس حيث يرفض الرئيس الفرنسي زيارة البلاد قبل الانتخابات القادمة ( على أمل فوز أتباع فرنسا فيها ) وهو أمر سيكون له اثر عكسي من حيث انه سيخلق اصطفافا على خلفية ثقافية بين تيار الهوية وأنصار الفرنكوفونية وهو ما قد يمنح الفرصة للإسلاميين للفوز في الانتخابات القادمة نكاية بفرنسا ورفضا لحالة الوصاية التي تحاول فرضها على شعب قام بثورة طلبا للانعتاق وللحرية في أسمى معانيها .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.