فعاليات ومائويات ثقافية كبرى في تونس .. بعضها ختم اشغاله وبعضها قريب من منتهاه وبعضها الآخر قادم سيكون لسنوات تظاهرات ثقافية وفنية شتى.. لا صدى يصل الناس عما اذا كانت الهياكل الثقافية في بلادنا قد أجرت تقييما رسميا موضوعيا لما تم الى حد الآن!! غياب «التقييم» بمصطلح المؤسسة أو التقويم اذا أردنا الصواب اللغوي - نقص قد يفسح المجال واسعا أمام الانطباعيات بجميع ألوانها السوداوية القاتمة والوردية الفاقعة فينبري كل حسب دوافعه وهواه الى ابراز العيوب والنقائص او الى المبالغة في تبيان النجاحات والمدح مطلقا دون شك. وهذا كله لا يتقدم بالمسار الثقافي في بلادنا بقدر ما يعيقه. وبعد هذا وذاك ليس التقويم أمرا بسيطا حتى يهمل او يهمش وليس هو عملية شكلية او نافلة يجوز تركها .. انه شرط أساسي لكل جهد يسعى الى البناء وتنضيد الفعل في اتجاه بلوغ الأهداف، هو جهد لا بد منه ليعقل الفعل ذاته وموقعه من النجاعة والمنطلقات والغايات، يقف على ايجابيات المنجز و يشير الى النقائص ليتجاوزها تأكيدا للنجاح ومنطلقا لفعل جديد أقوى وأسلم .. ودون هذا تكون الحركة في مسار ما كاحتطاب في ليل، أو كخبط عشواء، تكون شتاتا وشذرا او كالزبد يذهب جفاء. قد تكون الهياكل الثقافية في بلادنا انجزت فعلا تقييماتها لما تم من فعاليات ثقافية كبرى، قد تكون فعلت ذلك واكتفت به لنفسها اذ اعتبرته من مشمولات مطبخها الداخلي، او هي لم تول نشره بين الناس أهمية كافية .. وهذا مما يناقش اذ الشأن عام .. وقد تكون تلكم الهياكل ممن لا يستعجل الأمور وممن يميل الى التأني في العمل .. وهذا أمر محمود على ألا يفوت الأوان فالتظاهرات الثقافية تتلاحق والزمن الجديد وتيرته أسرع مما كنا نعيش بالأمس.. عموما في غياب التقييم الرسمي المؤسسي الموضوعي لنا أن نعتمد على العين المجردة لابداء بعض الملاحظات مع علمنا ان هذه العين محدودة القدرة على الالمام بكل الأشياء في كل الحالات. فما رأي «الثقافيين» في هذه الأحكام والعناوين التي قد تكون منطلقا للبحث والتقييم؟ الشابي شجرة الغابة التي حظيت نسبيا بأكبر قدر من الاهتمام فحقق الاحتفال بمائويته المرجو منه. والقيروان أشعت أنوارها لكن الجذوة في حاجة الى من يتعهدها حتى لا تخبو بعد الاحتفال بالتظاهرة أما مائوية ابن عاشور فبعض الندوات فيها لم تنهمر غيثا نافعا يشفي الغليل... مائوية المسرح على ثراء ما فيها لم تشبع المسرحيين العطاشى دائما الى زخم أعنف والأمل في ما بقي. أما علي الدوعاجي «فنان الغلبة» فمازال ينتظر عنقود العنب .. ربما قبل النهاية. أخيرا عسى هذه الأيام الباردة العجفاء أن تمر وعسى قطرات الغيث أن تنهمر، عسانا بعد هذا «الغول الكروي» مالئ الدنيا وشاغل الناس ان نرى نسق الفعل الثقافي يسترد وهجه ويكرس وتيرة جيدة لاحظناها في بعض ردهات السنة الماضية .. عسى الخطوات فيه أن تكون ثابتة متسارعة لا تفتر بعد الانطلاق اذ الفتور والارتخاء يحدّان من فاعلية الفعل بل قد يقتلانه. ليس أنجع من المثابرة وطول النفس متى ثمّنهما «التقييم» او التقويم اذا أردنا الصواب والسلامة.